لماذا نستكثر القليل؟ – حسين الصدر

196

لماذا نستكثر القليل؟ – حسين الصدر

-1-

للمسيرة التكاملية منهاج مرسوم واضح المعالم ..

ومن أهم بنوده :

انك لابد أنْ تَسْتَقِلَ الكثير مما تنفقه من مال ، أو تنجزه من أعمال في مضمار النفع الانساني .

لماذا ؟

لانّك اذا استكثرتَ القليل ، ستكفّ عن مواصلة أشواطك الخيّرة البارّة، وهذا يعني التراجع والتقهقر ، لا النمو والتقدم ، وفي ذلك الخسران والغبن …

والحديث الشريف يقول :

{ من استوى يوماه فهو مغبون

ولن يكون ( غدُكَ) أحسنَ من (يومك) اذا غابت عنه الممارسات الناطقة بالايثار والاهتمام بالفقراء والمساكين والمستضعفين من اخوانك …

-2-

ولنوضح المسألة بمثالٍ ننتزعُهُ مِنْ سيرةِ الامام الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) – منهل المواهب واستاذ المذاهب –

جاء في سيرته :

انّ فقيرا جاءه سائلا ، فقال الامام لغلامه :

ما عندك ؟

قال الغلام :

أربعمائة درهم

فقال الامام :

أعطه اياها

فأخذها الفقير وانصرف شاكراً

ثم نادى الامام (ع) غلامه وقال :

أَرْجِعْهُ

وحين رجع الفقير الى الامام قال متعجبا :

سألتُكَ فأعطيتَنِي فماذا بعد ذلك ؟

فقال الامام :

قال رسول الله (ص) :

خيرُ الصدقة ما أبقتْ غنىً ،

وإنّا لم نُغْنِكَ ،

فَخُذْ هذا الخاتم ، فقد أُعطيتُ به عشرة آلاف درهم ، فاذا احتجتَ فَبِعْه بهذه القيمة

ان الامام الصادق (ع) استقل ما أعطاه للفقير مع أنه لم يكن قليلا

انك قد تعطي الفقير ورقة نقدية من فئة 5000 أو 10000 دينار وتحسبها كثيرة !! والامام أعطى  400  درهم – وهو مبلغ له قوته الشرائية الكبيرة يوم ذاك – ورآه قليلا، ومن هنا أردفه بتقديم خاتَمِهِ الذي كانت قيمتُه السوقية عشرة آلاف درهم

كلُّ ذلك تطبيقاً للخطّة التي رسمها جده المصطفى في التعامل مع الفقراء.

وهنا تمكن العظمة .

-3-

انّك قد تقرأ في كل يوم سورةً من القرآن وتحسب انّ ذلك كثير ..!!

وبهذا تصد نفسك عن قراءة المزيد ، فتحجب عن نفسك البركات والمثوبات الكثيرة

وقد تُعين مريضا فقيراً على استكمال علاجه وتحسب انّك قدّمتَ الكثير غافلاً عن انك قادر على اغاثة العديد من مرضى الفقراء

وهكذا …

انّ من يستقل تقديم الكثير يكون في رحلة تصاعدية تزداد يوما بعد يوم ثراءً في جوانبها الايجابية ومنافعها الانسانية .

وهذا هو الربح الحقيقي

فبدلاً من الإمساك والشحّ أو الاقتصار على الانفاق في حدود الذات والأسرة تُطرّز المسيرة بألوان جميلة من المواقف النبيلة ، والمساعي الحميدة ، واللمحات الأخلاقية والانسانية التي تعتبر الرصيد الباقي والذخيرة المهمة التي لن يمحوها حتى الموت ..

-4-

والأن :

حان الحديث مع أصحاب المواقع السلطوية الذين لهم القدرة على النهوض بالعديد من المشاريع النافعة واشباع الكثير من الحاجات الضرورية للمواطنين فنقول لهم :

لا تستكثروا على انفسكم أو على الناس رفع الحواجز الكونكيريته من هذا الشارع أو تلك المنطقة فهذا شيء يسير

وَفِروّا السكن لكل عائلة عراقية لا تملك سكنا …

وفرّوا العمل لملايين العاطلين …

وفروا الفرص لاستثمار طاقات الآلاف المؤلفة من الجامعيين .

قللّوا من امتيازاتكم الشخصية واهتماماتكم بحيازة المنافع والمكاسب واستكثروا من الخدمات الاجتماعية ، وعندها سترون كيف يتعامل معكم المواطنون .

انّ الهوّة التي تفصلكم عنهم لا يسّدها الاّ القضاء على الفساد والمفسدين وانعاش الفقراء والبائسين والمستضعفين من عوائل الشهداء ومن الأرامل والايتام ، وممن عضهم الزمن الخؤون .

اجعلوا المواطنين العراقيين يشعرون بأنهم محط انظاركم وان ما يصبون اليه من عيش كريم هو هدفكم الأول الذي تسعون من أجله آناء الليل وأطراف النهار .

وهذه هي المسؤولية في بعدها الشرعي والوطني والانساني والسياسي والحضاري .

بغداد

مشاركة