لماذا معالي الوزير فقط ؟ – طالب سعدون

352

نبض القلم

 لماذا معالي الوزير فقط ؟ – طالب سعدون

 

في كل دورة انتخابية  يكثر الحديث عن الوزير ، ويصبح شغل السياسة والاعلام الشاغل ، وتدخل الكتل السياسية في حراك عريض وطويل، وسعي للحصول  على أكبر عدد من المقاعد الوزارية  ترى أنه من  حصصها وإستحقاقها  وصميم واجبها ، لان كل همها أن تكون في السلطة ، مما جعل المعارضة  البرلمانية غائبة على مدى السنوات الماضية من عمر العملية السياسية ، وكأنها غير ذات جدوى  وتأثير ..

وتلك حالة غريبة في التجارب الديمقراطية ..

إبتداء ..  إن عملية إختيار الوزراء  هي من صلب مهمات رئيس الوزراء المكلف حصرا ،  ولا دخل للكتل السياسية فيها ، كما جرت العادة  في الدورات الماضية ،  لسبب بسيط وهو أنه  يتحمل في النهاية النجاح والفشل ، ويقع عليه عبء تنفيذ برنامجه  ، الذي يقدمه للبرلمان الذي أنتخب أعضاؤه  من قبل الشعب ، وإنتدبهم لمهمة التشريع والرقابة فقط ، وليس أن يكونوا وزراء ، أو في أي مواقع أخرى ..

 إن تركيز  الاهتمام على منصب  الوزير وحده يجعل  المفاصل الاخرى في العملية التنفيذية  تبدو وكأنها غير مهمة ، أو لم تكن  هي  الأساس في عملية  البناء  والادارة ، وتنفيذ سياسات الحكومات وبرامجها ، وهذا خلاف طبيعتها … فهي أدوات التغييرالاساسية  نحو الأفضل  ….

 لقد تناولت هذا الموضوع سابقا في الدورات الانتخابية الماضية  ، ولا بأس من العودة اليه مرة أخرى ، لانني أجد التركيز لا يزال على منصب الوزير فقط  ..

 إن  منصب الوزير في الدول  ذات الوضع المستقر ، والمتقدمة هو سياسي ،  يكلف به من يملك رؤية وتصور كاملين عن سياسة الدولة  وفلسفتها … و من هنا فان مهمته  تنحصر في  ( وضع السياسة العامة لوزارته  ضمن برنامج الحكومة  المعلن  على الشعب ، و تطبيق تلك الفلسفة  بدقة في العمل والادارة  والانتاج  و تقديم افضل  ما يمكن في اختصاصها للمواطن  وإضافة ما هو جديد  ومتطور باستمرار لكي يواكب المرحلة والعصر ..)..

أما مهمة تحويل تلك السياسة والخطط  والبرامج  والتصورات ميدانيا الى أعمال ، وأفعال ونتائج  ، ووقائع  وشواهد على الارض فهي ( مسؤولية التكنوقراط  في الوزارة ، كل في مجال اختصاصة باشراف الوزير) .. ويكون الوزير مسؤولا عن الاخفاق في عدم تنفيذ الخطة والبرنامج الحكومي لوزارته في نهاية الدورة البرلمانية أو بصورة دورية  من خلال الصيغ المعروفة سواء في الحكومة او البرلمان…

و لذلك يرى المتخصصون في علوم الادارة أن مهمة الوزير ، سواء كان من التنكوقراط المهني ، أو السياسي .. هي  ( إمتداد  لسلفه في الهدف والسياسة ، ومختلف في وسائله ، وإسلوبه ، وخططه لبلوغ ذلك الهدف )..  وعندها  تكون هناك فائدة ومعنى للتغيير ، وتكون  الوزارة   بهذا الاسلوب قد حافظت على مبدأ تراكم الخبرة  وانتقالها من جيل الى أخر ،  وضمان التطوير المستمر ..

فاين نحن في العراق من هذه المبادىء  خلال عمر العملية السياسية ؟!..

– التجربة توضح ذلك  ، ومستوى الخدمات المقدمة ،  ومستوى الانتاج والفساد  وواقع العمل يكشف ذلك …

إن ( ملاكات الوزارة وتسلسلاتها الوظيفية بعد منصب  الوزير ثابتة  ، ولا تتغير  بتغير الوزير ، وهي عصب الوزارة ، وعماد العمل فيها ،  وهم من يديرون الوزارة  بوجود الوزير أو بغيابه ، على العكس من منصب الوزير فهو في تغير دائم )  ، لاي سبب كان ،  سواء بمجيء حكومة جديدة ، أو بعزله عندما يخفق  في عمله أو لأي سبب أخر ..

ولذلك عندما يغادر الوزير، لأي سبب لا يؤثرعلى عمل الوزارة ، أو يضطرها لتغلق أبوابها ،  بانتظار وزير أخر ، بل تستمر بعملها ، وذلك لاستقرار ملاكها  ومفاصلها القيادية  والحلقات التي تليها نزولا الى أصغر موظف فيها ..

وتعتمد الدول المتقدمة  بغض النظر عن طبيعة انظمتها ( مبدأ الكفاءة ) في اختيار الموظفين بمختلف التسلسلات ، وليس ( معيار ) الثقة  كما يتبعه البعض …  وهذا  المبدأ يؤدي الى استقرار ملاك الوزارة وضمان تطوره وتراكم الخبرة ، على خلاف ذلك المعيار عندما يأتي الوزير بمن يعرفهم  بحجة الثقة بهم  ، وبذلك يكون الملاك متغيرا  بتغير الوزير ، وغير مستقر ويفتقر الى القواعد الادارية الصحيحية  ويكون الولاء  للشخص وليس للمؤسسة … وعندها تصبح الشخصنة بكل تفرعاتها ( الحزبية ، أو المكوناتية ، أو المناطقية أوالعائلية  ) هي الاساس  بدل الكفاءة ،  وتشيع في المؤسسة قيم وأعراف غريبة عن العمل المؤسسي ، منها التزلف  والنفاق والسباق على التقرب والولاء الى المسؤول  بدل  المنافسة والتفاني من أجل  العمل والانتاج و زيادة الانتاجية والتطوير والاخلاص للمؤسسة  ، وتقديم افضل الخدمات للشعب …

وبعد عام 2003 جرت عملية تشكيل الحكومات ، على أساس  المبدأ الغريب ( المحاصصة ) ، وتقسيم ( الغنائم ) .. وكم هي حصة الكتلة من الوزراء والمناصب ، دون محاسبة ، أو مراجعة لانجازات الوزير ، وما تركه في نهاية ولايته لمن يأتي بعده ، للبناء عليه  والاضافة اليه ، وكم أضاف لمن سبقه ، لكي يكمل  اللاحق المسيرة في التطور .

وهذا الاسلوب الغريب في الادارة يؤدي(  الى خلق سياقات غريبة أيضا   عن العمل المؤسسي ، ويساهم في عدم استقرار( ملاكات ) الوزارة ، وانتشار الفساد ، والمشاريع الوهمية و ضياع فرص ثمينة في التطور ، وخلق حالة من الفوضى والارباك  ، واتهامات مع كل تغيير ،  يسوقها الخلف للسلف بشكل يفقد المنصب قيمته ، والدولة هيبتها ، والقانون قوته) !!..

لقد جعلت المحاصصة الوزارات مقاطعات للكتل ،  وحصص  قابلة للقسمة بينها  ،  وعندها تذهب  أصوات الشعب ، دون أن يحصل مقابلها ما يعادل قيمتها خدمات ، وتطوروبناء….

وبذلك يكون الشعب هو الخاسر في هذه العملية التي تعود بفوائدها المادية والاعتبارية على الكتل والنواب والتمتع بالمكاسب والامتيازات  والمناصب ، وضياع فرص ثمينة من التطور والنهوض  للبلاد وتقديم افضل الخدمات للشعب..

فهل ستضع هذه الدورة الانتخابية نهاية لهذه الحالة الغريبة … وتنتهي معها كل الظواهر المدانة ،  وفي مقدمتها الفساد بكل اشكاله ، وتقديم  برنامج حكومي  يحقق عملية ادارية نموذجية  وتعزيز السياقات الصحيحة في العمل المؤسسي  ، بما يضمن تحقيق تنمية شاملة ، وإقتصاد متطور متعدد الموارد والمصادر ، وليس معتمدا على مورد واحد هو النفط  وتوفير الخدمات للشعب … ويكون الحساب  والعقاب والثواب في نهاية الدورة الدورة البرلمانية على اساس المتحقق  من البرنامج الحكومي  ..؟.. فالبرنامج  الحكومي هو الاساس ، والوزير هو المشرف عن وضع الخطط والسياسة العامة  لتنفيذه من قبل ملاكات الوزارة ومفاصلها المختلفة  ..وهي ثابتة …والوزير في تغير مستمر …

– نتمنى ….

{{{{{{

كلام مفيد :

من جميل ما قرأت هذه الكلمات الجميلة للشيخ  محمد الشعراوي :

تستريح في الطائرة ولا تعرف قائدها ..

وتستريح في السفينة ولا تعرف قبطانها…

أفلا تستريح  في حياتك وانت تعلم ان الله مدبرها .. ؟..

مشاركة