لماذا لا يقرأون؟-عبدالكريم البليخ

عبدالكريم البليخ

الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬يحفظون‭ ‬أسماء‭ ‬الشّعراء‭ ‬والكتّاب‭ ‬وربما‭ ‬يعرفون‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬أسرار‭ ‬حياتهم‭ ‬الشخصية،‭ ‬ولكنهم‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬البرهنة‭ ‬على‭ ‬أنّهم‭ ‬قد‭ ‬قرأوا‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬إنتاجهم‭ ‬أو‭ ‬آثارهم‭!.‬

فالشهادة‭ ‬المدرسية‭ ‬أو‭ ‬الجامعية‭ ‬لا‭ ‬تُبرز‭ ‬نسبة‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬يتمتّع‭ ‬بها‭ ‬الشخص،‭ ‬والقسم‭ ‬التخصّصي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬استيعاب‭ ‬الشخص‭ ‬للمراجع‭ ‬التي‭ ‬احتاج‭ ‬لمطالعتها‭ ‬أثناء‭ ‬إعداد‭ ‬بحوثه‭ ‬الدراسية‭.‬

‭ ‬إذن‭.. ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬خلق‭ ‬عادة‭ ‬القراءة‭ ‬المترسّبة‭ ‬تحت‭ ‬جلود‭ ‬الناس‭ ‬وتبيان‭ ‬أهميتها‭ ‬لقيمتها‭ ‬ومردودها‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬شخصياتهم،‭ ‬وليس‭ ‬رضوخاً‭ ‬تحت‭ ‬ضغوط‭ ‬الدرس‭ ‬أو‭ ‬العمل‭..‬؟

هل‭ ‬هي‭ ‬مهمّة‭ ‬النقّاد؟‭ ‬وهل‭ ‬هي‭ ‬دعوة‭ ‬لصحوة‭ ‬نقدية‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬همّ‭ ‬التأسيس،‭ ‬وإلهاب‭ ‬وعي‭ ‬الناس‭ ‬ومشاعرهم،‭ ‬تملك‭ ‬جيوبهم‭ ‬نحو‭ ‬مطالعة‭ ‬الأعمال‭ ‬المؤثرة‭ ‬بتشويق‭ ‬يجذب‭ ‬القارئ‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغرقه‭ ‬برموز‭ ‬وطلاسم‭ ‬يعجز‭ ‬الفرد‭ ‬العادي‭ ‬عن‭ ‬متابعتها؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المهمّة‭ ‬تعتبر‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬واجبات‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬وخصوصاً‭ ‬ـ‭ ‬المطبوعات‭ ‬منها‭ ‬ـ‭ ‬التي‭ ‬توقفت‭ ‬معظمها‭ ‬عند‭ ‬مرحلة‭ ‬عقد‭ ‬اللقاءات‭ ‬وإجراءات‭ ‬الحوارات‭ ‬مع‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬هؤلاء‭ ‬المبدعين‭ ‬دون‭ ‬إكمال‭ ‬الرسالة‭ ‬ونشر‭ ‬إبداعهم‭ ‬وتعميمه‭ ‬وإيصاله‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور،‭ ‬ودون‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تخصيص‭ ‬بعض‭ ‬الصفحات‭ ‬الجادّة‭ ‬التي‭ ‬تَعَود‭ ‬القارئ‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬الكتابات‭ ‬الملتزمة،‭ ‬وتشركه‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬الفكري‭ ‬المطروح‭ ‬أو‭ ‬القضية‭ ‬المثارة‭.‬

إنَّ‭ ‬انفلات‭ ‬المطبوعات‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬أجواء‭ ‬الطرح‭ ‬المسؤول،‭ ‬وتحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬مساحات‭ ‬ملوّنة‭ ‬تبيع‭ ‬التسلية‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬فرز‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬القرّاء‭ ‬لا‭ ‬تتواصل‭ ‬إلّا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬طريف‭ ‬ومباشر‭ ‬ومسطّح‭ ‬لدرجة‭ ‬أنّها‭ ‬أصبحت‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬قرّاءة‭ ‬مقال‭ ‬جاد‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬اليومية‭ ‬وتعتبره‭ ‬معقّداً‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للاستيعاب‭..!‬

هل‭ ‬تغيرت‭ ‬قيم‭ ‬هذا‭ ‬العصر،‭ ‬وأدى‭ ‬الانكسار‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬معنى‭ ‬ومضمون‭ ‬الثقافة‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬وما‭ ‬ورثته‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬استهلاكية،‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬إيمان‭ ‬الناس‭ ‬بجدوى‭ ‬تأسيس‭ ‬واقع‭ ‬ثقافي‭ ‬جديد‭ ‬يرتقي‭ ‬بالروح‭ ‬وبالناس‭ ‬وبالمجتمعات‭ ‬وبالأمم‭..‬؟

‭ ‬وهل‭ ‬تم‭ ‬اختيار‭ ‬الوجه‭ ‬المرادف‭ ‬لهذه‭ ‬المرحلة‭ ‬فراجت‭ ‬تجارة‭ ‬الفيديو‭ ‬للأفلام‭ ‬المحنّطة،‭ ‬وتعدد‭ ‬المجلات‭ ‬الرخيصة‭ ‬المحتوى،‭ ‬وتسابق‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬نحو‭ ‬دور‭ ‬النشر،‭ ‬وبسرعة‭ ‬عجيبة‭ ‬للفوز‭ ‬بطباعة‭ ‬ما‭ ‬تحتها‭ ‬يديها‭ ‬من‭ ‬مخطوطات‭ ‬وأياً‭ ‬كانت‭ ‬مضامينها،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬الانتشار‭ ‬للكتابات‭ ‬السطحية،‭ ‬وتأزّمت‭ ‬بذلك‭ ‬ظاهرة‭ (‬أمّية‭ ‬المتعلمين‭)‬،‭ ‬وأصبحت‭ ‬هناك‭ ‬مساحة‭ ‬شاسعة‭ ‬بين‭ ‬الكتّاب‭ ‬كقيمة‭ ‬واتجاه‭ ‬وتيار،‭ ‬وبين‭ ‬كتب‭ ‬الحظ‭ ‬والتنجيم‭ ‬وكيف‭ ‬تتسلى‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬فراغك،‭ ‬وما‭ ‬أكثرها‭! ‬

وهنا‭ ‬تكن‭ ‬الأدوار‭ ‬المسؤولة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬تأكيد‭ ‬هذا‭ (‬القصور‭ ‬الثقافي‭) ‬لدى‭ ‬الناس‭ ‬إلّا‭ ‬أنها‭ ‬تكاد‭ ‬تتلاشى‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬بذرة‭ ‬القراءة‭ ‬منقوشة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتمثّل‭ ‬له‭ ‬هاجساً‭ ‬ملحّاً‭ ‬يَخزّه‭ ‬بدبابيسه‭ ‬اللحوح‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬شغله‭ ‬أمر‭ ‬أبعده‭ ‬عنها،‭ ‬ولا‭ ‬يفتأ‭ ‬يُحس‭ ‬بنقص‭ ‬يملأ‭ ‬جوانحه‭ ‬حتى‭ ‬يتراجع‭ ‬عن‭ ‬جحوده‭ ‬ويلبي‭ ‬النداء‭.‬

إنّ‭ ‬تكوين‭ ‬هذا‭ ‬الباعث‭ ‬الداخلي‭ ‬المنسوج‭ ‬بنسغ‭ ‬النفس‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬ناتجاً‭ ‬مباشراً‭ ‬للمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تعويد‭ ‬الفطرة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭.‬

‭ ‬فمن‭ ‬الغريزي‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬الطفل‭ ‬المعرفة،‭ ‬ولو‭ ‬نمت‭ ‬وترعرعت‭ ‬هذه‭ ‬الخاصية،‭ ‬وتعهدها‭ ‬الجو‭ ‬التربوي‭ ‬ـ‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬ـ‭ ‬الذي‭ ‬يحترم‭ ‬القراءة،‭ ‬وينحني‭ ‬للاكتشاف‭ ‬والبحث‭ ‬لكان‭ ‬هناك‭ ‬الفرد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفرّق‭ ‬بين‭ ‬كونه‭ ‬إنساناً‭ ‬وبين‭ ‬كونه‭ ‬قارئاً‭.‬

النمسا