لماذا لا يجوز التعليق على أحكام القضاء؟

181

لماذا لا يجوز التعليق على أحكام القضاء؟
حسن حنفي
في الثقافة الوطنية المصرية ثلاث محرمات الدين، والسلطة، والجنس. لا يجوز الاقتراب منها. والمحرمات مقدسات لا يمكن تناولها بالفهم أو النقد أو الاعتراض. والآن أُضيف إليها القضاء. فلا يجوز التعليق على أحكامه. فأضيفت إلى المقدسات الثلاثة مقدسا رابعا بدلا من أن تقل إلى اثنين أو واحد أو تختفي كلية. فالسلطة مؤسسة بشرية تتعدد فيها الآراء والنظم السياسية. وأتت باجتهاد بشري خالص. والجنس موضوع لعلم النفس بفروعه المختلفة، الفيزيولوجي والنفسي والاجتماعي. والدين في صورة العلوم الدينية، علوم العقائد، علم الكلام، وعلوم الفقه، وعلوم القرآن والحديث والتفسير من وضع العلماء. تتغير بتغير العصور. فالعقل البشري قادر على تناول كل الموضوعات. والتحريم أو التقديس فعلان اجتماعيان خالصان. وأحكام القضاء نصوص كما أن القوانين نصوص. ولما كانت النصوص من وضع البشر فإن الأحكام أيضا من وضع البشر. وتقديس نصوص القضاء تزيد إلى عقلية النص نصا جديدا بدلا من التخفف منها ومن حجة القول، قال يقول. كما قال محمود درويش
واحتمى أبوك بالنصوص، فدخل اللصوص. وهناك فرق بين أحكام القضاء واجبة التنفيذ وفهم هذه الأحكام والتعليق عليها والتساؤل حول الحيثيات. فالأحكام نتائج واجبة النفاذ، ولكن الحيثيات يمكن مناقشتها لمعرفة مدى تطابقها مع الأحكام. فالقانون علم منطقي. هناك منطق القانون الذي يُدرس في كليات الحقوق والشريعة والآداب كفرع من المنطق مثل المنطق الصوري والمنطق التجريبي والمنطق الرمزي. والاقتناع بأحكام القضاء وتنفيذها عن طيب خاطر خير من تنفيذها عن قهر وإجبار أو عصيان وهروب.
ويعتمد تحريم التعليق على أحكام القضاء على حجة استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. فقد أقرت جميع دساتير العالم مبدأ الفصل بين السلطات. وهذا صحيح من حيث المبدأ، ما ينبغي أن يكون ولكن من حيث الواقع، ما هو كائن فالأمر مختلف تماما. فكثيرا ما صدرت بعض أحكام القضاء بتوجيه سياسي حرصا على ما يسمى سلامة الدولة. فالقضاء جزء من الدولة، والقضاة موظفون في الدولة يأخذون رواتبهم ومكافآتهم وبدلاتهم وحوافزهم وسلفهم من الدولة. ورئيس المحكمة الدستورية العليا يعينه رئيس الدولة مع باقي الهيئة القضائية. ليس القضاء دولة داخل الدولة بل هو إحدى مؤسسات الدولة. هناك ما يسمى Raison d’Etat أي أمن الدولة الذي يُجب سلطة القضاء والذي يدفع إلى إصدار قوانين استثنائية وأحكام عرفية وقانون طوارئ، ومجموعة أخرى من القوانين المشبوهة كما كان موجودا من قبل في عهد الرئيس المقتول، قانون العيب الذي يمنع من نقد رئيس الدولة باعتباره كبير العائلة . وكم من مرة أقام رؤساء الجمهورية السابقين بعد الثورة بمذبحة القضاء، وبحل نادي القضاة مما دفع البعض منهم للاستقالة احتجاجا على تدخل السلطة التنفيذية في استقلال القضاء. والأمثلة على ذلك كثير في تاريخ مصر الحديث. فعندما بدأت جريدة الأهالي في السبعينيات في نقد النظام السياسي بعد انتفاضة يناير 1977. واشتد النقد بعد كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في جريدة الأهالي لسان حال حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي أوقف القضاء إصدارها أكثر من مرة بتوجيه من السلطة السياسية. وتكرر نفس الشيء عندما اشتد نقد جريدة الشعب لسان حال حزب العمل أوقف القضاء أيضا إصدارها وحل الحزب بتوجيه من الدولة. وكان للرئيس المقتول عبارة شهيرة سأفرمهم بالقانون . وكم من مرة أعلن القضاء صحة الانتخابات في عهد الرئيس المحتضر وهي مزورة باطلة. وفي الآونة الأخيرة صدر حكم إلغاء قانون العزل السياسي وحل مجلس الشعب بتوجيه سياسي حرصا على أمن الدولة وسلامتها. ونزل الناس إلى الشوارع، وتجمعوا بالآلاف في ميدان التحرير اعتراضا على هذين الحكمين. ولما صدر حكم بالسجن المؤيد على الرئيس المخلوع مع وزير داخليته وتبرأته الابنين والمساعدين خرجت الناس إلى الشوارع تطالب بالقصاص لدم الشهداء. فهؤلاء هم المقتولون الذين تجاوزوا الألف فأين القتلة؟ وفي عهد الرئيس المقتول وقبل قتله بشهر في حوادث سبتمبر الشهيرة 1981 اعتقل أربعة آلاف من معارضيه السياسيين، صحفيين ومفكرين وأساتذة جامعات وفصلهم من مناصبهم واتهامهم بأنهم هم الذين دبروا الفتنة الطائفية في الزاوية الحمراء. وتعلن صراحة ديباجة القرار الجمهوري بالفصل والاعتقال أنه بالرغم من أن هذا القرار ضد القانون إلا أنه يصدر رغما عنه. وكم من مرة قدمت الدولة قضايا خصومها السياسيين. وزيفت الأدلة. وحكم القضاء لصالحها.
أحكام القضاء إذن ليست مقدسة. تخطئ وتصيب مثل الأحكام الفقهية التي تقوم على الاجتهاد والاستدلال. وللمخطئ أجر وللمصيب أجران. لذلك توجد مستويات ثلاثة للقضاء الابتدائي والاستئناف والنقض حتى تصحح كل محكمة ما قد تقع فيه المحكمة الأولى من أخطاء في الشكل أو في المضمون. فالقضاء يعلق على بعضه البعض. والمحامي هو الذي يقوم برفع الدعوى من جديد. وقد يُسأل أهل الاختصاص. فالتعليق على أحكام القضاء وارد من داخل القضاء ومن خارجه. وتوجد أنواع عديدة من الدوائر. فإن لم يكن الحكم مقبولا في دائرة فإنه يمكن تحويل القضية إلى دائرة أخرى. فيختلف القضاة في الحكم وفي تقدير الأدلة وفي الحس القضائي. وإذا ما أحيل القاضي إلى المعاش فإن القضية بأكملها تحال إلى قاضي آخر قد يعيد النظر في القضية برمتها من البداية إلى النهاية. والقانون ليس مدرسة واحدة، له تفسير واحد، يتبع رؤية واحدة. هناك مدارس قانونية مختلفة يعرفها أهل الاختصاص في فلسفة القانون، وفي مقدمتها القانون الطبيعي المتفق مع الفطرة والبديهة والعقل. وهو ما سماه الفقهاء الفطرة فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا أو الصبغة صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً . وهو الحس الطبيعي مهما كانت الفتاوى القانونية والاستدلالات القضائية وأنواع الأدلة استفت قلبك وإن أفتوك . وفي قضية سمبسون الأمريكية الأخيرة التي قتل فيها الرياضي معشوقته. صدر له حكم البراءة لعدم توافر الأدلة كما حدث في الأحكام الأخيرة لأركان النظام في مصر. وظلت عدة سنوات، وأصبحت أقرب إلى المسلسلات التليفزيونية ينتظر الملايين حلقاتها. ومن هنا أتى الإحساس العام الآن باختلاط الحابل بالنابل في القضاء. لا يوجد شيء إلا ويمكن الشك في شرعيته ورفع أمره إلى القضاء. إبطال الإعلان الدستوري الأول ثم الثاني، إبطال قانون انتخاب مجلس الشعب، وإبطال مجلس الشورى قادم، وإبطال الانتخابات الرئاسية قادم أيضا. ثم يأتي إبطال الإبطال، إبطال حل مجلس الشعب، إبطال إبطال الجمعية التأسيسية للدستور. فكل حكم يمكن إبطاله ثم إبطال الإبطال حتى لم يعد المواطن قادرا على فهم في أي عالم شرعي هو يعيش. يريد أي دستور وأي برلمان وأي رئيس يوفر له رغيف الخبز والحرية والعدالة، والعمل، والعلاج، والتعليم، والإسكان. ومن هنا أتت شرعية محكمة الثورة التي تتجاوز المماحكات القانونية. تحكم بالحس السليم. فالإقطاع في مصر بعد ثورة 1952 لم يكن بحاجة إلى دليل. تكفي إحصائيات الملكية واكتشاف أن مجتمع النصف في المائة من الإقطاعيين كان يملك 90 من أراضي مصر بما فيها إقطاعيات الملك. وفساد باشاوات مصر ورجال القصر وتعاونهم مع الإنجليز لم يكن بحاجة إلى دليل يقدم إلى محاكم عادية، يمكن للباشاوات، وهم رجال قانون، أن يبرروا مواقفهم، ويأخذوا أحكام البراءة. ومهما قيل عن محاكم الثورة ونقصان الدفاع عن المتهمين إلا أن الحس القضائي بالعدل والظلم الذي يرمز إليه الميزان على واجهات المحاكم كان يكفي لإصدار الأحكام.
فإن لم تكف محاكم الثورة خوفا من التوجه السياسي للثورة فإن الشعب نفسه يقيم محاكمه في الميادين، محاكم معنوية تعبر عن القضاء التاريخي كما فعل رسل وسارتر في محاكمة الولايات المتحدة لعدوانها على شعب فيتنام. فإن لم يتحقق العدل في المحاكم العادية أو في محاكم الثورة أو في المحاكم الشعبية فلم يبق إلا إرجاع الأمر إلى الحاكم العادل الذي لا يظلم والذي يعاقب الجاني في الدنيا بما يحدث له من مصائب وفي الآخرة بما ينتظره من عقاب.
AZP07

مشاركة