

رحيم المالكي
يسود في العراق اليوم سؤال يتكرر في الشارع والسياسة معًا: لماذا يتمسّك المسؤولون بمناصبهم، رغم ما حققوه من ثراء كبير، سواء جاء من مصادر مشروعة أو مما جاورها من شبهات الفساد؟ وكيف تحوّل كثير ممن عاشوا الفقر يومًا إلى أصحاب نفوذ ومال، ثم أصبح المنصب بالنسبة إليهم غاية لا يمكن التخلي عنها، وكأن الحياة لا تستقيم بدونه؟
ويكشف هذا السؤال جانبًا معتمًا من واقع سياسي شديد التعقيد، حيث تتقدّم السلطة على المال في الأهمية؛ فالمال يوفّر حياة مرفّهة، لكنه لا يمنح النفوذ أو القدرة على التأثير أو الهيبة التي تمنحها المناصب العليا. والمسؤول الذي تذوّق طعم السلطة يدرك أن الكرسي يقدّم امتيازات تتجاوز حدود الثروة، ويمنحه شعورًا بالتفوّق، تدعمه الألقاب الرسمية التي ترافقه.
ولا تقتصر قيمة المنصب في العراق على الراتب والامتيازات، بل تشمل شبكة واسعة من المصالح: عقود، استثمارات، حماية سياسية، وحصانة توفر غطاءً واسعًا لصاحب المنصب. والتخلّي عنه يعني خسارة هذه الشبكة الضخمة، وربما مواجهة مساءلات أو ضغوط سياسية، ما يجعل التمسك بالموقع أمرًا شبه حتمي في بيئة مضطربة.
كما أن غياب ثقافة التداول السلمي للسلطة يحوّل المنصب إلى ما يشبه “الغنيمة” لا “الخدمة العامة”. ففي الدول المستقرة يكون المنصب مرحلة مؤقتة لخدمة المجتمع، أما في الحالة العراقية فيراه كثيرون وسيلة لبناء ثروات وتعزيز نفوذ دائم، عبر شبكات من الأقارب والمقرّبين الذين يشكلون امتدادًا لسلطة المسؤول.
وتتداخل الهواجس الأمنية أيضًا في مشهد التمسك بالمناصب، إذ يخشى البعض أن يؤدي فقدان المنصب إلى فقدان الحماية التي توفرها السلطة في ظل تصاعد التوترات الحزبية والعشائرية. وبذلك يغدو المنصب درعًا يوفر الأمن إلى جانب القوة.
ويظهر البعد النفسي بدوره في هذه الظاهرة؛ فالكثير ممن صعدوا سريعًا من الفقر إلى السلطة يعيشون هاجس العودة إلى الهامش، ما يجعل فقدان المنصب أشبه بخسارة الهوية نفسها، لا مجرد خسارة مادية.
وفي المحصلة، فإن ما يجري اليوم في العراق ليس مجرد تمسك جشع بالمناصب، بل هو انعكاس لمزيج معقّد من دوافع سياسية واجتماعية ونفسية. فالسلطة باتت عند كثيرين “زينة الحياة” الحقيقية، أكثر من المال ذاته، ومن يختبر طعمها يجد صعوبة كبيرة في التخلي عنها، خصوصًا داخل منظومة تتيح توسيع النفوذ عبر شبكات من المناصب الثانوية والارتباطات الإدارية المتشعبة.



















