لماذا لا نصل ابداً.. التشتت بين الماضي والمستقبل


دلال بشار

دلال بشار

 

إنّ الذي لا يستطيع النظر وراءه إلى المكان الذي جاء منه، لن يصل إلى وجهته أبداً- خوسيه ريزال

وقعت عيني على هذه الجملة وأنا أقرأ رواية ساق البامبو للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، حتى هذه اللحظة لا زلت أفكر بها لأنها تحمل بين كلماتها حقيقة كاملة وصدق يظهر من خلال معانيها. فهل من الممكن أن يتجاهل الإنسان ماضيه كي لا يجرح مستقبله؟ هل من الممكن أن يولد الإنسان في المستقبل دون ماض أو ذكريات ينتمي اليها وتنتمي له؟ ولكن يبقى السؤال الأهم ماذا لو كان الماضي محض تشتت وضياع هل من الممكن أن يلتفت خلفه ليجمع شمل ماضيه فينطلق بعدها نحو مستقبل ينتظره؟

كلما حاولت النظر إلى الماضي لا أرى شيئا سوى عدم استقرار وتشتت دائم حتى أنني أشك أن داخلي اليوم مشتت كماض عشته ولا يزال يسكنني، من الصعب إدراك التفاصيل، ونحن لا نملك شيئا منها، ولا نملك بيتا كبيرا يحتضن ذكريات طفولة ومراهقة’ ذكريات حياة بسعادتها وأحزانها .. في كل مدينة لي ذكريات تختبئ بين ثنياتها مبعثرة مشتتة لا مكان يحتويها ولا البوم صور ليعيد عرضه.

ما بين دولتين ضاعت طفولتي، وما بين مدينتين تبعثر عمر المراهقة، فأي ماض ألتفت لأبحث عن نفسي فيه؟ كيف يمكن أن أجمع هذه الذكريات وهي تقطع حدودا ومدنا كل في جزء يحاول أن يصل نفسه بالجزء الآخر.. ذكريات الدراسة توزعت ما بين سبع مدارس، حب الطفولة تشتت وضاع مع ضياع البلد، حرب هنا وحرب هناك واقع اغتال أحلامي بل احلامنا نزعت جذورها من الذكريات فأصبحنا ننساها مع كثرة التنقل.

 20 سنة من عمري تقسمت على عشر بيوت لا املك من ذكرياتها شيئا سوى الضياع والصبر على التأقلم ومن ثم محاولة التعرف على اشياء جديدة ومواكبة الحياة لأن واجبنا السير مع ما يفرضه الواقع علينا.

كلما بدأت بحساب الأصدقاء أنسى بعضهم وأتذكر تفاصيل بعضهم الاخر ومن ثم أشعر بالحزن لفقدان بعض ثالث. واذا ما حاولت جمعهم فربما سأخرج بقائمة كألفية ابن مالك واليوم لا أملك صديقا واحدا أستطيع أن أقول له ما أشعر به لأنني على يقين سيأتي يوم ويبعدنا الواقع مرة أخرى، فنحن نعيش في بقعة جغرافية فرض عليها التشتت، وهذا بحد ذاته يشكل مرضا تعجز الحياة عن إيجاد دواء له.

.

إذا حاولت النظر إلى الماضي، إلى المكان الذي جئت منه فيجب أن أنظر إلى عشر بيوت وثماني مدارس، محاولة جمع ما يمكن للعقل أن يتذكره، ومن ثم أتجه إلى مستقبل مجهول ربما لا يعرف الاستقرار ولكن على اية حال هذا هو تعريف بسيط للإنسان العراقي ومن ثم العربي إذا حاولنا التوسع بمفهوم التعريف. يبقى عدم الاستقرار أصعب الحروب التي يعيشها الإنسان ويكافح من خلالها محاولا القضاء على تلك المعضلة التي نسميها أي شيء سوى الحقيقة: الموت في الحياة.

  

مشاركة