

السفر الى الولايات المتحدة وانطلاق الحرب العراقية الإيرانية في 22 أيلول 1980
د. مناف حسن العلي

/ أمريكا في ٢٢ أيلول ٢٠٢٥
بعد مجزرة قاعة الخلد في تموز ١٩٧٩بإيام قليلة دعا “الرفيق” برهان عبدالرحمن عضو القيادة القطرية وأمين سرفرع بغداد-الكرخ قيادات الشعب التابعة الى فرع الكرخ الى إجتماع في مقر الفرع ليطلعنا على تفاصيل المؤامرة المزعومة. بعد أن انهى الكلام حولها فتح باب الأسئلة للرفاق الحاضرين. عندما جاء دوري قلت له يا رفيق نحن نثق بما قلته ولكننا نريد أن نرى شيئاً موثقاً يثبت لنا تآمرهم لتطمئن قلوبنا. أجاب سنطبع إعترافاتهم في كراس يوزع على الرفاق ليطلع عليه كل أعضاء الحزب. طبعا هذا الكراس لم يُطبع ولم يطلع أعضاء الحزب إلا على ذلك الفيديو الذي فيه اعترافات محي الشمري في قاعة الخلد.
بعد ذلك بأيام قليلة كان لدينا اجتماع أسبوعي دوري لقيادة شعبة الكرخ المركز في مقر قيادة فرع بغداد-الكرخ وكان هناك اجتماع آخر لقيادة شعبة الكاظمية وقبيل انتهاء الإجتماعين بدقائق جاءت مكالمة هاتفية الى مقر الفرع بعدم مغادرتنا لإن الرئيس صدام حسين سيقوم بزيارة للاجتماعين. جلس جميع أعضاء الشعبتين في صالة الفرع الكبيرة ووصل بعد دقائق الرئيس صدام.
كان يرتدي بدلة من قطعتين تعرف بالسفاري ردد شعار الحزب وجلس ومعه بعض قيادة الفرع في المقدمة وأخرج سيكاره الكوبي وسارع بعض أعضاء الفرع لإشعاله له. ثم بدأ بالكلام أولاً عن التاريخ الإسلامي وكيف أنًّ الإسلام انتشر بالسيف والقرآن كما عبرعنه. ثم استأنف حديثه عن المؤامرة المزعومة وكيف أنه كان يراقب تصرفات أعضاء القيادة منذ فترة طويلة وأشار الى أنًّ بعضهم لا يتكلم في إجتماعات القيادة وكأنه لا يُحسن الكلام ولكنه يُحسن التآمر. وأردف من الآن فصاعداً لا نسمح للرفيق الحزبي أن يضم ما يشعربه في قلبه أي يخبأ ما يراه خطأ في داخله ، بل عليه أن يُخبرالقيادة بذلك فوراً . أثناء ذكره لهذه العبارة كان يُحدق بوجوه الحاضرين ليظن كل واحد منهم أنه هو المقصود. بعد ذلك ذكر ثلاثة أسماء كنت أنا واحداً منهم، قائلاً أريد من كل واحد منكم كتابة تقرير سري وشخصي يُرسل اليَّ يذكر فيه ما بداخله من آراء وتساؤلات عن الأحداث التي تخص الحزب وإذا ما كان لديه ملاحظات عن مسيرة الثورة أو أخطاء قمنا بها لكي لا يقوم بعد ذلك بالتآمر علينا.
تحت المجهر
هنا أدركت أنً سؤالي الموجه الى الرفيق برهان قد وصل الى الرئيس صدام لذلك طلب مني الكتابة عما يجول في داخلي. بعد بضعة أيام أتصل بي مكتب رئيس الجمهورية في موقع عملي، وكنت في ذلك الوقت أشغل وظيفة مديرعام في وزارة التعليم العالي، مستفسرا عن التقرير فوعدته بأنني سأقوم بكتابته خلال يومين وفعلا كتبت تقريرا وأرسلته الى أمانة السر ولكني لم أتطرق به الى أحداث قاعة الخلد ولم أستلم رداً عليه أيضا.ً
بعد ذلك شعرت أنني أصبحت تحت المجهر، فعلي التصرف بحكمة وعقلانية. بعد تفكير عميق ومداولة مع زوجتي قررت أن أغادر العراق لإكمال دراستي العليا والإبتعاد عن الأجواء الملتهبة. فقدمت طلبا عن طريق الوزارة لمنحي إجازة دراسية للحصول على شهادة الدكتوراه من المملكة المتحدة، وقد أبلغني المرحوم طارق حمد العبدالله الذي كان يشغل سكرتيرا لرئيس الجمهورية بالموافقة على الإجازة الدراسية على أن تكون الدراسة خارج المملكة المتحدة بإعتباري كنت من ضمن الدبلوماسين العراقيين العشرة الذين أبعدتهم بريطانيا على أثر أغتيال عبدالرزاق النايف . فكان الخيار الثاني لي هي الولايات المتحدة الأمريكية بسبب اللغة، بالرغم من أن دراسة الدكتوراه فيها تستغرق مدة أطول ولكن ما في اليد حيلة.
بعد أن حصلتُ على موافقة الدولة كان عليَّ أن أحصل على موافقة قيادة الحزب. كان الرفيق برهان عبد الرحمن رافضاً لسفري في بداية الأمر ولكن حصلت حادثة لا مجال لذكرها هنا جعلته يوافق على سفري فتنفست الصعداء.
بدأنا أنا وزوجتي نعد العدة والتهيئة للسفرالى بلد جديد لا نعرف عنه شيئا غير ما نسمعه من الصحافة والأعلام، مستلهمين العزم من بعض أبيات شعرالأمام الشافعي رحمه الله الذي يقول:
ما في المَقامِ لِذي عَقلٍ وَذي أَدَب مِن راحَةٍ فَدَعِ الأَوطانَ وَاِغتَرِب
سافِر تَجِد عِوَضاً عَمَّن تُفارِقُه وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ
بعد التوكل على الله قررنا أن نتحمل ذلك النصب لعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً ويفتح لنا آفاقاً جديدة.
لأول مرة وطأت أقدامنا أرض الولايات المتحدة الأمريكية كان في ٢٩شباط ١٩٨٠، حيث خرجت من العراق مع زوجتي وولديَّ وكانا في الخامسة والثالثة من عمرهما متمتعاً بإجازة دراسية للحصول على شهادة الدكتوراه في الفيزياء.
بلد الاغتراب
كانت الجامعات الأمريكية لديها عمادة خاصة لشؤون الطلبة الأجانب تقوم بتسهيل ما يحتاجه الطالب الأجنبي من إقامة وتوفير سكن مناسب له ولعائلته فلا يحتاج الطالب لمراجعة دوائر الهجرة. وفي المدن الجامعية الصغيرة، كانت هذه العمادة تحتفظ بإسماء العوائل الإمريكية في المدينة التي ترغب بإستضافة الطلبة الأجانب حيث تقوم العمادة بتوزيع أسماء الطلبة على تلك العوائل فتقوم العائلة بالإتصال بالطالب وتدعوه الى بيتها للتعرف عليه ومساعدته على مصاعب الحياة الجديدة في بلد الإغتراب. كذلك تقوم كل عائلة بدعوة الطالب في معظم المناسبات الوطنية والأعياد وتعريفه بتقاليد المجتمع الأمريكي. لم نلحظ أي عداء تجاه الأجانب من قبل الأمريكان بل على العكس فهم يشجعونهم على البقاء في أمريكا حتى بعد حصولهم على الشهادة الدراسية ويفتخرون دائما بأن أمريكا هي بلد المهاجرين وهم الذين صنعوا منها بلدا عظيماً.
كانت تلك السنة سنة انتخابات رئاسية في أمريكا وكان المرشحان للسباق الرئاسي هما جيمي كارتر عن الحزب الديموقراطي لولاية ثانية ورونالد ريكان عن الحزب الجمهوري. كانت أزمة الرهائن الأمريكان ال ٥٢ الذين أحتجزتهم إيران في ٤ نوفمبر ١٩٧٩ تشغل بال الشعب الأمريكي كله. فعندما تفتح التلفاز لمشاهدة الأخبار في القنوات الرئيسية الأربع تبدأ كلها بحساب عدد الأيام التي قضاها الرهائن في الإحتجازولا تخلو من مهاجمة الرئيس كارتر لا سيما بعد أن فشلت مهمة عسكرية لإطلاق سراحهم أدت الى تحطم مروحتين ومقتل ثمانية جنود أمريكان.
أول شيء جلب انتباهي هي الحملات الإنتخابية لكلا المرشحَين التي أُعجبت بها كثيراً لا سيما المناظرة التي تجري بين المرشحَين ورحابة الصدر التي يتمتع بها كلاهما في الإجابة على كمية ونوع الأسئلة التي يوجهها المحاور لهما. وكنت أقول في نفسي هل يمكن لنا نحن دول العالم الثالث أن نصبح مثلهم في يوم ما. ذكرت ذلك مرةً أمام أحد رفاق الأمس القياديين فأجابني لا تقل ذلك أمام غيري. من يومها أدركت أن ديموقراطيتنا التي نتشدق بها ينطبق عليها المثل الشعبي: (تريد أرنب خذ أرنب، تريد غزال خذ أرنب).
اندلاع الحرب مع ايران
لم تمضِ سوى بضعة أيام على بدء الفصل الدراسي للخريف في أيلول١٩٨٠ وبالضبط يوم ١٧حتى حملت لنا الأخبار أنَّ الرئيس العراقي قام بإلغاء اتفاقية الجزائر للعام ١٩٧٥ التي وقعها مع شاه ايران. وما أن حلَّ اليوم الثاني والعشرين من الشهرنفسه حتى تناقلت لنا الأخبارأن الطيران العراقي قام بشن هجوماً على العمق الإيراني . أصبت ومن كان معي من الطلبة العراقيين بحيرة حيث لم نكن نعلم انها مجرد رد على ما سبق من مناوشات على الحدود بين البلدين بدأت يوم ٤ أيلول أم انها بداية حرب ستستمر الى نهاية دراستنا وعودتنا الى العراق، ولكنها أستمرت لمدة ثمان سنوات بعد قيام القوات العراقية بإجتياح الأراضي الإيرانية واحتلال عدة مدن إيرانية حدودية.
هنا بدأ الإعلام الإمريكي يتغير كلياً، فأخذ يعرض في نشرات الأخبار صوراً من التلفزيون العراقي بما كانت تعرف بصور من المعركة تظهر الراجمات والدبابات والمدافع العراقية وهي تدك المواقع الإيرانية، وتشعر من متابعة الأخبار أن الجو العام يميل الى جانب العراق لاسيما أنًّ إيران لا تزال تحتفظ بالرهائن الأمريكان.
أولى بركات ومكاسب تلك الحرب علينا كانت هي قطع مخصصات الزوجة والأولاد التي كانت تشكل ٥٠% من راتب المبتعث والتي كانت تساعدنا في دفع إيجار الشقة وخدمات الماء والكهرباء والغاز. علماً أنًّ تعليمات الحكومة العراقية تحضرعلى المبتعث العمل في بلد الدراسة حتى ولو كان في داخل الجامعة.
جرت الانتخابات الأمريكية في نوفمبرمن العام ١٩٨٠وفاز بها ريكان بالرغم من امكاناته المتواضعة قياساً بكارتر، حيث أن ريكان ممثل مغمورأشتهر بإطلاق النكات المضحكة في معظم تصريحاته الصحفية، ولكن أزمة الرهائن ساعدته كثيراً للفوز.
كان الجزائريون يرعون مفاوضات سرية بين إيران وأدارة كارتر وكذلك مع قيادة الحزب الجمهوري لإطلاق سراح الرهائن وكان الإيرانيون مصرين على إسقاط كارتر في الإنتخابات وهكذا كان حيث أستفاد منها الحزب الجمهوري ووصل ريكان الى الرئاسة.
في يوم ٢٠ كانون الثاني ١٩٨١ أدى الرئيس ريكان القسم لإستلامه منصب رئيس الجمهورية وفي نفس اليوم وبعد عدة دقائق أطلقت إيران سراح الرهائن بعد إحتجاز دام ٤٤٤ يوماً فأُعتبرت مكسباً حققته الإدارة الجديدة بزعامة رونالد ريكان.
ما أن تمَّ إطلاق سراح الرهائن الامريكان حتى تغير الخطاب الإعلامي الأمريكي، فقلما يشير الى تلك الحرب واخذ يُطلق عليها بالحرب المنسية عندما يتناولها الإعلام. بل أنًّ بعض المحللين السياسيين كانوا يصرحون علانية أنًّ استمرار الحرب يخدم مصالحنا في المنطقة ، لندعهم يستنزف بعضهم بعضاً.
لم ينته العام ١٩٨١ حتى حملت لنا الأخبار أنًّ قاعة الخلد كان لها موعداً آخراً مع ما تبقى من قيادات الدولة والحزب، حيث أجتمع الرئيس صدام مع الذين لم يتطوعوا للقتال في الحرب لأسباب مختلفة وأهانهم في ذلك الإجتماع شر إهانة واعتبرهم مفصولين من الحزب وأنذرهم بأن من سيهمس منهم بإذن أي مواطن (سأطره بيدي أربع وصل) أي سأقطعه بيدي أربعة أقسام وطلب من الحماية ضرب من لا يغادر القاعة والفيديو موجود على كوكل لمن رغب التأكد.
مع كل ما جرى لهم في قاعة الخلد، أُرسلوا جميعاً لجبهات القتال دون تدريب ودون معرفتهم بكيفية استعمال السلاح. ولم يكتفِ الرئيس بذلك، حيث أخبرني أحد الرفاق أنهم أُخذوا ذات يوم في باصات الى منطقة صحراوية خارج بغداد ووجدوا مجموعة من الرجال موثوقي الأيدي ومعصوبي العيون يقفون على حافة حفرة كبيرة معدة سابقاً، وقيل لهم إنًّ هؤلاء خونة وأُعطي كل واحد منهم رشاشة لتنفيذ حكم الإعدام بهم، وبعد إعدامهم رُدمت تلك الحفرة عليهم. يا تُرى هل هناك عقوبة أقسى من هكذا عقوبة وهي أن تقتل إنساناً لا تعرفه ولا تعلم إن كان بريئاً أو مجرماً وإذا امتنعت عن التنفيذ تُقتل انت بدلاً عنه باعتبارك متخاذلاً!
الانكسار في المحمرة
بعد الانكسار الذي حدث للجيش العراقي في معركة المحمرة في أيار ١٩٨٢والخسائر الكبيرة في عدد الشهداء والأسرى، لا سيما بين أفراد الحرس القومي الذين كانوا لا يُحسنون فنون القتال حيث زُج بهم فوجاً أثر فوج، بعد ذلك أبتدع الرئيس صدام فكرة المعايشة حيث تُرسل مجموعات من الحزبيين ومسؤولي الدولة الى جبهات القتال للإطلاع والقتال اذا تطلب الموقف لمدة شهرين ونفس الشيء ينطبق على الطلبة والأساتذة ولكن أثناء العطلة الصيفية.
لم يكتفِ النظام بهؤلاء بل شمل القرار الطلبة الحزبيين المبتعثين الى خارج العراق للدراسات العليا، وفي حالة عدم الاستجابة يفصل من الحزب وتلغى بعثته. أضطررت لقطع دراستي في صيف ١٩٨٢لمدة شهرين والسفر الى العراق وكانت زوجتي حاملاً في طفلها الثالث الذي وضعته في العراق وأنا بعيد عنها.
بعد إكمال دراستي عدت الى العراق في العام ١٩٨٥وعملت في أماكن متعددة، ولكنني اضطررت للعودة الى أمريكا مرة أخرى في العام ١٩٩٥بسبب إحتلال الكويت وما تبعها، ولا زلنا نعيش بها. الحمد لله إستطاع أولادي من إكمال دراستهم الجامعية في نفس الجامعة التي تخرجت منها ويعملون الآن في مواقع مرموقة، وكذلك استطاعت زوجتي من الحصول على شهادة الماستر في المناهج وتدريس اللغة الإنكليزية لغير الناطقين بها.
بعد هذه المدة من العيش في أمريكا، لم تعد أمريكا هي أمريكا التي وجدناها في الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي. لقد تغير المجتمع الأمريكي كثيراً ، فقد بالغ الديموقراطيون عندما حكموا لمدة ١٢ عاما في موضوع الحرية الشخصية والهجرة. فقد ساعدوا وشجعوا في تفشي المثلية والتحول الجنسي في المجتمع الأمريكي الذي كان محافظاً ويحترم العائلة وقيمها وتقاليدها. كما انهم فتحوا الحدود وخاصة الجنوبية أمام الهجرة غير الشرعية لإستقبال ملايين المهاجرين الذين يعيشون على دافعي الضرائب الامريكان، الامر الذي زاد من حنق المحافظين الممثَلين في الحزب الجمهوري. لذلك أستغل ترامب هذين العاملَين لتحقيق الفوز بالرئاسة. لكنه لم يستطع من توحيد الشعب الأمريكي خلفه، فالهوة بين المحافظين واليساريين تزداد اتساعاً وأخذت أخيراً طابع العنف. فقد حاول متطرف من اليسار اغتيال ترامب في تموز ٢٠٢٤ بإطلاقة أخترقت أذنه اليمنى ونجا منها بإعجوبة. وفي العاشر من هذا الشهر أُغتيل أبرز المدافعين عن ترامب وسياساته ولا تزال تداعيات هذين الحدثين مستمرة الى الآن. حيث يزداد الإستقطاب داخل المجتمع الأمريكي يوماً بعد يوم بين اليمين المحافظ ممثلاً بالحزب الجمهوري واليسار المتحررممثلاً بالحزب الديموقراطي. ولا ندري هل هي كارما الشعوب التي غزتها أمريكا وقسمتها الى مكونات متناحرة فيما بينها قد أرتدت عليها! ربما الأيام القادمة ستخبرنا ماذا سيحصل في امريكا إن كان في العمر بقية.



















