لماذا تخلّت السيدة السمراء عن نزهتها بين نخل السماوة ؟ – عادل سعد

ماجد الخطيب في مرافعة  قضائية دامغة عن جور الإنسان على الطبيعة

 لماذا تخلّت السيدة السمراء عن نزهتها بين نخل السماوة ؟ – عادل سعد

{  الخطيب  يؤشر (ثنائية الصراع والمصالحة)

{ الجهل والاسراف والهدر محركات الافلاس البيئي

{ ما السبيل الى الاصحاح ودرء خطر التلوث القاتل

{ ما هي الوثائق التي يمتلكها مركز النخيل التابع لجامعة البصرة وكيف حال هور (الجبايش)

ان يخترق الدكتور ماجد الخطيب في كتابه (الانسان والبيئة ثنائية الصراع والمصالحة)  جدران الاستخفاف بالبيئة ، فأنه بذلك يسد جزءاً من ثغرات  المعرفة العراقية عن هذه القضية التي باتت الشغل الشاغل للعالم في متغيرات متوحشة  اخذت تطبع الحياة البشرية ارتفاعاً حرارياً وانقراضاً للعديد من الكائنات الحية واعاصير وجفافاً وتصحراًيزحف بنزعة افاعٍ سامةٍ  حتى بات الفحيح  على الابواب ، بل وداخل البيوت ، وقد خيّمَ الافلاس البيئي برؤوس عديدة

اعرف ماجداً منذ نصف قرن مثابراً نشطاً ملازماً لعقله دون ان يتخلى عن شرف الابتسامة العريضة الامينة على المحبة  رغم شدة رياح السموم التي واجهته، وهو في كل ذلك صاحب ادوات معرفية تستحق الاطمئنان  .

سرد معرفي

تقول  التأشيرة الميثولوجية (مايؤلم الشجرة حقاً ان يد الفأس التي يتم  التحطيب بها مصنوع من خشبها)  ، والحال ان هناك جملة  استدلالات على  ذلك جاءت في السرد المعرفي للدكتور ماجد الخطيب  .

الكتاب  باربعة فصول  ، انطلق فيها من البديهيات الى التشخيص ضمن  رحلة اجتهادية صعبة لكنها مثمرة حقاً  ، تفّحَصَ خلالها موضوعاً يعاني في العراق اهمالاً  ثقافياً واعلامياً بنيويا مدوياً، ً من ربات البيوت الى  طاقم السلطة السياسية العراقية  بمتلازمة خليط من القصور  المفجع  في القراءة الاخلاقية  .

الجور التاريخي

يرى المؤلف ان ( المسيرة الطويلة من علاقة الانسان بالطبيعة . كانت في كل مرحلة من مراحلها تمثل مستوى معين من استغلال الانسان للموارد المتاحة والتعامل مع البيئة الطبيعية ، ولم يكن الانتقال والتطور في احدى تلك المراحل الى المرحلة التي تليها ، انتقالاً فجائياً ، وانما كان يحدث تدريجيا على مدى الاف السنين ، ونحن الان في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وما يزال هناك حوالي 200 مليون نسمة يعيشون صيادين وجامعي غذاء ، او يشكلون مجتمعاتٍ زراعية بدائية

ويتوقف عند تنوع (الفلسفات والأفكار الاجتماعية التي حاولت تفسير وتقييم علاقة الانسان بالبيئة الطبيعية  وتعددت المدارس الفلسفية في ضوء تعدد المجتمعات وتنوع البيئات والمعارف والتقنيات والقيم الاخلاقية والدينية التي تفهم وتفسر تطور تلك العلاقة . فالفلاسفة اليونانيون كانت نظرتهم للطبيعة تتسم بالحيوية وتنطوي على مفهوم الكون المنظم العاقل .

وقد بدأ تجريد الطبيعة من سحرها ومغزاها الإنساني عندما جاء (إسحاق نيوتن ) ليضع البداية الأولى لأنفصال الطبيعة عن فلسفتها في كتابة (المبادئ الرياضية لفلسفة الطبيعة) عام 1687. وشيئاً فشيئاً  تفككت العلاقة بين الانسان والطبيعة مع بدايات الفلسفة الحديثة ونشأة العلم الحديث ، فأتسعت الفجوة بينهما بشكلٍ لاتُخطئه عين ، مع الثنائية التي اتسم بها الفكر الديكارتي والتي استطاعت ان تطبع العصر الحديث والعصور التالية له بطابعها الذي وضع الذات مقابل عالم الأشياء .

من هنا بدا عزل الانسان عن الطبيعة وسار كل منهما في طريق موازٍ للاخر دون ان يلتقيا ، على الرغم من انه حفظ للطبيعة استقلاليتها ، الا انه جردها من طابعها السحري وقوتها الذاتية ، وقدم نظرية للمعرفة قوامها العقل وغايتها ( ان نجعل انفسنا سادة ومسخرين للطبيعة) .

ويستعيد الدكتور ماجد الخطيب المشهد الاسطوري في وادي الرافدين .ليقول ان( ملحمة كلكامش الشهيرة  تقدم لنا جزءاً من دلالات وافعال الانسان ، وخاصة في قصة غابة الأرز  ، قصة  تمثل  الانانية البشرية ، وظلمها وجورها على الطبيعة   ،قصة وان اجتمعت فيها الحقيقة والخيال والوقائع التاريخية مع الأسطورة في مزيج معرفي خرافي، سجّلَ  ابطاله مواقف بارزة واعمالٍٍ مجيدة ، استذكرتها البشرية على مدى مراحل زمنية لاحقة  ذلك ان قطع أشجار الغابة ونقل الخشب الى (اوروك) والتغلب على ( التنين ) (خمبابا ) حارس الغابة في ملحمة كلكامش والذي دافع عن أشجار الأرز الطبيعية ، قد عد من اعمال الشجاعة والبطولة الخارقة .

و من المآخذ المبكرة على  جور سلوك الانسان  مع البيئة يتوقف الباحث  عند المجازر المتواصلة التي تتعرضت لها الطبيعة مشيراً الى ان الغابات  لم تسلم من اعتداء الانسان عليها عندما ازالها بطريقةٍ تفتقد الى الوعي والى تقدير ما سيترتب على ذلك من اثارٍ بيئيةٍ قاسيةٍ

ان مساحات الغابات المجرّفة سنة 1980 بلغت  11 مليون هكتار ثم ارتفعت في عام 1990 الى 17  مليون هكتار من اصل 3600 مليون هكتار مجموع مساحات الغابات في العالم   ولي ان اضيف هنا عن مجازر تعرضت لها غابات حوض الامزون الذي يشكل 40 بالمئة من مساحة امريكا الجنوبية وعرف برئة الارض لأنه ينتج 20 بالمئة من الاوكسجين لادامة الحياة

لقد بات هذا الحوض الزاخر بالتنوع البايلوجي فريسة للتدمير بفعل ممنهج  تمارسه شركات تعدين لا هم لها سوى  تحقيق المزيد من الارباح على حساب الطبيعة الوضع الذي دفع سكان الامزون الى تكوين قـوة ضغط عالمية مازالت كل خطواتها حتى الان عند حدود المناشـــــــــدة .

 وما يحسب للمؤلف ايضاً انه لم يتوقف عند حدود توصيف الاضرار التي تسبب بها الانسان للبيئة بل رسم معالم طريق لمعالجة تلك الاضرار بروح المسؤولية الاخلاقية والاجتماعية من محتوى التعمير (الاخضر) و تعويض الاندثارات  ، اذ يفيد ان ( الطريق الى المصالحة مع البيئة وتعديل وتطوير الموقف الإنساني منها  يتطلب

1- التحكم في السلوك الاستهلاكي للأشياء التي نستهلكها . وتنظيم استخدام الموارد الأساسية دون التأثير على جودة الحياة وسياق معيشة ورفاهية الانسان وانطلاقاً من قوله تعالى  (وكلوا وشربوا ولا تسرفوا )  اي ان الوضع  يستدعي اجراء تعديلات في أنماط الحياة الفردية التي تحافظ على استمرارية موارد البيئة

2- ترشيد استهلاك الطاقة والتقليل من استخدام وسائط النقل الملوثة للبيئة والعمل على انشاء سلاسل وسائل صديقة للبيئة بما يضمن استهلاك اقل كمية من الوقود لقطع مسافة أطول

3- اعتماد الأساليب والمعالجات البيئية والتقنيات الحديثة لتقليل حجم النفايات الضارة وإعادة تدويرها كإحدى الطرق الضرورية لاستباق التلوث والضرر الذي يحدث للبيئة

4- العمل على إيجاد ابتكارات جديدة ذات صلة بمصادر جديدة للطاقة بدلاً من مصادر الطاقة الاحفورية،(نفط   ،فحم  ،  غاز طبيعي) والعمل على اساس الطاقة البديلة الصديقة للبيئة خاصة الطاقة الشمسية والنووية  ،الرياح  ، الحركة المائية  ، والجيوحرارية  ، والهيدروجينية

5- احتواء وتخفيض نسبة انبعاث غاز ثاني اوكسيد الكاربون التي زادت نسبتها بفعل نشاط الانسان عما يزيد عن 46% منذ عام 1990 ومازالت هذه النسبة تشكل تهديد للأنظمة البيئية باستمرار ارتفاعها

6- تعظيم الالتزام بالتشريعات والضوابط البيئية المتعلقة بمستويات التلوث المصانع والشركات التي يمكن ان تشكل نشــــــاطاتها مصادر تلوث للمدن والاضــرار بالصحة العامة والتأثير على كفاءة الأنظمة البيــــئية .

7- مضاعفة دور التربية البيئية والإرشاد و التعليم البيئي والمنظمات المدنية والهيئات المعنية بالبيئة في ممارسة المسؤوليات الأخلاقية في حمايتها والحفاظ على مقوماتها باعتبارها قنوات لرفع درجة الوعي واحترام عناصر وأنظمة البيئة .

8- ان منع الضرر والعدوان على البيئة هو الوسيلة المثلى لاستدامتها ويعني ذلك احترام مكونات الحيوي والتكامل الايكولوجي  واذا اردنا الاضافة ان كل نقطة من هذه النقاط الثمان يصلح ان يكون مشروع لأنهاء الخصومة وادامة الاجواءالتصالحية بين الطرفين .

قاعدة بيانات

لقد قدم الدكتور ماجد الخطيب في كتابه  اسهامة وازنة تستحق الانتباه، وتصلح متابعاته ان تكون قاعدة بيانات  لدروس تقصي  وتشخيص مع ملاحظة لابد من الاعتراف بها ان الرأي العام العراقي يفتقر حتى الان  الى التعاطي بعبء جميل  ينبغي ان يتحمله في التوقف  عن الابادة البيئية التي  مازال يرتكبها بدم بارد ويتلقى نتائجها فقراً صارخاً  وتصحراً  يسيء الى رصيده الحضاري المدّون  في مسلة حمورابي القانونية (يعاقب بأشد العقوبات من يقطع غصناً  مثمرا) ًفأين هذا القانون الان  من اعلانات جرائم ابادة ترتكب مع قأئمة بارقام هواتف مزينة بعبارة (بارعون في قلع الاشجار وتخليصكم منها)  ، بل اسألوا مركز النخيل التابع لجامعة البصرة عن مجازر النخيل في العراق فهو يمتلك وثائق دامغة عن هذه المجازر ويطير باحثوه فرحاً حين بضعون اليد على فسيلة نوع منقرض من التمور العراقية  ، واسألوا السيدة السمراء  ، لماذا تخلّت عن نزهتها  المعتادة وسط غابة (نخل السماوة)  ، غابة كانت كثيفة وهي الان مجرد نخلات عددها على عدد اصابع اليد في القياس التقديري العاطفي  ، وكيف هو حال هور الجبايش  ضمن اهوار الجنوب العراقي التي تتربع الان على قائمة التراث الانساني حسب منظمة اليونسكو   .

مشاركة