لماذا تخشى الدول الكبرى ومصارفها المركزية العملات الإفتراضية ؟ –  عبد العزيز شويش عبد الحميد

499

لماذا تخشى الدول الكبرى ومصارفها المركزية العملات الإفتراضية ؟ –  عبد العزيز شويش عبد الحميد

لم تعد هناك قيود ولا حدود على العقل البشري أو آفاق تقدم البشرية، أصبح العالم قرية صغيرة، سوقاً واحدة. الإنترنت ليس محكوماً من أحد إلا بحدود ضيقة وكذا الإعلام، الأسواق المالية الإلكترونية توحدت ويمكن لأي فرد أن يبيع ويشتري ما يشاء من موجودات مالية وسلعاً مادية وقتما يشاء ومن حيث شاء، شركات التسويق عبر الإنترنت تجاوزت مبيعات بعضها 20 مليار دولار في اليوم. ووسائل التواصل والاتصال لم تبقِ معنى ولا وجود للمسافات والحدود والزمن. والكواكب أصبحت في متناول البشر، تتهاوى العوائق التي تقيد البشر، وهو يسير سريعاً باتجاه مثاليته، فهل يبقى هذا العالم أسير عملات ورقية مطبوعة دون غطاء، يتحكم في إصدارها وفي كمياتها وفي أسعار صرفها بضعة محافظين للبنوك المركزية الكبرى التي تخدم مصالح دولٍ محددة أو مجموعة دول بعينها أو نظاماً اقتصادياً مريضاً موبوءً بالأزمات؟ وتحكمه علاقات اقتصادية غير محايدة ولا عادلة؟  هل يظل أولئك ممسكين بسلاح العملات الصعبة ليستعبدوا العالم بها؟ وليتحكموا في تفاصيل حياة البشر وليشتروا أي شيء يشتهون بعملات لا تساوي قيمة الورق الذي طبعت عليه؟

لابد من وسيلة دفع تناسب مرحلة التطور التي أصبح عليها العالم وتواكب حالة التقدم التي أدركتها وأصبحت عليها البشرية.

وهكذا كان…. فقد ظهرت العملات الافتراضية الإلكترونية، عملات الأنترنت، البيتكوين وأخواتها اللايت كوين والدوج كوين والنوفاكوين والنيموكوين وغيرها كثير. هذه العملات التي ليس لها وجود مادي والتي تُنشأ إلكترونيا ولا تتحكم بها أية حكومة ولا أي بنك مركزي، لا من حيث إصدارها ولا من حيث التحكم بأسعار صرفها أو كمياتها. واليوم أصبح لها دور واضح في الأسواق المالية وفي التجارة الإلكترونية فارتفعت أسعارها إلى مستويات قياسية. فبعد أن كان سعر وجبة سريعة يساوي 10000 وحدة من البيتكوين صار سعر وحدة البيتكوين الواحدة أكثر من 27000 دولار في منتصف الصيف الماضي (انخفض الآن عن هذا المستوى). إن هذه القفزات الهائلة في أسعار هذه العملات قد أوجد تهديداً جدياً لمصير العملات (الحكومية) التقليدية وأصبحت هناك علامات استفهام حقيقية أمام مستقبلها. كما أصبحت سلطة البنوك المركزية والحكومات التي تقف وراءها مهددة بالصميم. لا سيما وإنه لا توجد جهة معروفة مسؤولة عن عملية الإصدار وإن عملية تسعير هذه العملات ليست واضحة ولم تشخص تماماً آليات تسعيرها.   وهكذا فمع انتشار العملات الافتراضية فإننا لن نحتاج تلك الإمبراطوريات المالية المتجبرة وسينتهي عصر القراصنة والأباطرة والسلاطين وأمراء الحروب الذين يتحكمون بالعام بأموالهم الطائلة. سيكون النجاح والسيادة للأكفأ وسيدير العالم نفسه بنفسه سيديره الناجحون وليس تجار الحروب والطغاة واللصوص. إن هذا أستدعى اهتماماً كبيراً من لدن حكومات الدول الكبرى وبنوكها المركزية التي حاولت أولاً منع انتشارها أو التداول بها أو على الأقل تحجيم ذلك، فقامت بعض الدول بمنع التداول بها وأخرى سنت قوانين لتنظيم عملية التداول بها وهناك دول لازالت تدرس هذه لظاهرة للتعرف على أبعادها واستيعاب آثارها أو للتنبؤ بنتائجها.

  إن أسباب ذلك الاهتمام والتوجس أو بعضها هي:

 1 – إنها ستحد من نفوذ الدول الكبرى التي تستخدم عملاتها المهيمنة على النظام النقدي الدولي كأهم وسيلة من وسائل التحكم بالعالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

2 –  ستحد من سيطرة البنوك المركزية الكبرى على الاقتصاد العالمي والتحكم باتجاهاته والتحكم بأسعار الصرف.

3 – إعادة صياغة النظام النقدي الدولي على اسس جديدة ومختلفة تماماً عن النظام النقدي الدولي الراهن الذي يقوم على ساق واحدة هي الدولار.

4 – تنشيط التجارة الدولية ونقلها إلى آفاق جديدة من خلال تسهيل عمليات الدفع بين المنتجين والمستهلكين وإنهاء دور الوسطاء مما يؤدي إلى تخفيض الأسعار وتقليل حالات الاستغلال والاحتكار والمضاربة وتطوير طرق الإنتاج والتسويق والتوزيع.

5- رغم إيجابيات العملات الافتراضية فإن فيها جوانب سلبية منها إنها قد تستخدم كوسيلة لتهريب الأموال من بلد إلى بلد وتسهيل عمليات غسيل الأموال وتمويل الأنشطة غير القانونية والتهرب الضريبي، وفضلاً عن التذبذبات الكبيرة في أسعارها، فإن عدم وجود جهة مسؤولة عنها يجعل التداول بها غير مضمون مما قد يؤدي إلى خسائر غير محسوبة للمتعاملين بها.

 ومع كل ذلك فإن العملات الافتراضية ظاهرة مالية جديرة بالاهتمام والبحث وعلى المختصين الماليين والمصرفيين أن يتعاملوا معها بجدية لأنها تهمهم أولاً وأخيراً.

مشاركة