لماذا الحرج ..  تلك كانت البداية؟

405

 

لماذا الحرج ..  تلك كانت البداية؟

حسن العاني

في حياة الانسان، بغض النظر عن هويته، محطات كثيرة، بعضها عابرة، وبعضها الآخر يمثل نقلة نوعية أو أنعطافة تاريخية، وقد رأيت أن أضع نفسي مشروعاً تطبيقياً لهذه الحقيقة، ولأنني هنا أبعد ما أكون عن غواية السيرة الذاتية سأتجاوز الكثير من التفاصيل مكتفياً بالتركيز على محطتين، كل واحدة منهما تهدف إلى أيصال فكرة (ثقافية)، ولكن اللافت للنظر إن مسرحهما واحد، لا يتعدى شارع الرشيد (منطقة الحيدرخانة)، وعلى وجه التحديد مقهى (عارف آغا) التي اجتثتها حضارة الملابس الجاهزة والأحذية الرجالية والحقائب النسائية، وموقعها عند الجهة المقابلة لمقهى الزهاوي. كنت محسوباً أو صديقاً لمجموعة من الشباب ترتاد تلك المقهى، وتتعاطى الهم الثقافي بشغف من دون أن يجمعهم رابط سياسي أو حزبي، وأعتقد جازماً إن تلك المجموعة التي يقتحم ذاكرتي منها الآن (حاتم الصكر، كاظم الحجاج، شاكر السماوي، عادل عبد الجبار، سامي الموصلي، عبد الرحمن الربيعي، عزيز حسون ، صباح اسماعيل، عبد المطلب النحوي، عبد الامير الحصيري-في حالات صحوه – الدكتور رافع المفتي، صبيح الشحاذ وغيرهم) هي صاحبة الفضل في إغرائي للانتقال من مركز مرموق في كرة القدم، الى هامش مغمور في عالم الأدب، ومازال الحديث عن المحطتين الرئيستين في مسيرتي الثقافية ينتظر الافصاح والإيضاح… وقد آن الأوان.

1-مثقف إنتهازي: لأسباب يطول التفصيل فيها، ورثت عن  تربيتي الطفولية هرمونات انثوية خجولة جعلتني أستحي من النظر إلى المرآة.. وأنا الآن في النصف الأول من ستينات القرن الماضي، أقفُ على مشارف سن الرشد، واصدقائي الأدباء يصوبون (نحوي واملائي وحالي وتمييزي)، ولكنهم يثنون على خواطري الرومانسية، ويحثونني على طرق أبواب الصحافة والنشر، حتى إن بعضهم تولى هذه المهمة نيابة عني، وأظهر شيئاً من بواكير كتاباتي في هذا المطبوع او ذاك!

اعتمد على الظن فقط إذا زعمت إنه عام 1962، حين تعرضتُ الى نوبة شجاعة طارئة وتوجهت- وكأنني أتوجه صوب معركة عظيمة- إلى مبنى قديم في منطقة الحيدرخانه تقطنه جريدة بغدادية إسمها (الشرق)، دخلتُ البناية وبيدي مقالة نقدية (ما سأذكره يقع في دائرة الظن كذلك) تتناول أعمال الروائي إحسان عبد القدوس، او إحدى رواياته التي تحمل عنوان (في بيتنا رجل) إذا لم تخذلني الذاكرة، وكانت المقالة شديدة القسوة ولكنها بالمقابل تقوم على لغة شديدة التهذيب… وسألت عن المكان الذي يمكن لأحد أن يأخذها مني، ووجدت نفسي في غرفة صغيرة تصلح أن تكون زنزانة إنفرادية، ليس لها سوى مروحة منضدية صغيرة في تموز يشوي الوجوه، ويتصدر واجهتها رجل ستيني العمر، مئوي المتاعب، يعتمر سداره تعود الى العصر الحجري، وبدلة من مخلفات السلطان عبد الحميد الثاني، وفمه لا يتوقف عن نفث الدخان، فالرجل لا يستعمل أعواد الثقاب، لان نظام التدخين عنده يقوم على (إشعال) الجديدة من عقب السيجارة القديمة.

في تلك اللحظة التاريخية من عمر الزمن كنت أعشق الشعر الحر والسياب إلى حد الهوس، بغض النظر عن كوني لا أفهم ثلاثة أرباع هذا الفن الغريب عن تربيتي (الدراسية) في أحضان الشعر العمودي، وسمعت صوتي يقول (السلام عليكم)، إلا إن تحيتي الإسلامية انطلقت من غير صدى او ردة فعل، كان رماد سجائره يتساقط من اصابعه الصفر فوق كدس الأوراق الذي أمامه، وهو يمر عليها بالشطب أو التمزيق من دون التوقف عن الشتائم التي لا تصلح للنشر لأولئك الكتاب  (الزعاطيط) كما نعتهم، ورأيت في لحظة الرعب الموشوم بالجبن إن مصيري لن يكون أفضل منهم، وسينتهي بي المطاف كما أنتهى بهم الى سلة المهملات مع شتيمة ربما تكون مبتكرة، ولذلك تمنيتُ الهرب من أول مواجهة (صحفية) في حياتي، إلا إن فرصة الافلات باتت مستحيلة، وهكذا أوهمتُ نفسي وتحايلتُ على الحقيقة! لعل الرجل لم يسمعني فأعدت تحيتي بصوت سمعه سابلة شارع الرشيد!!

غمرني الفرح بعد أن تلقيتُ نصف تحية (وعليكم)، أعقبها بسؤال أقرب ما يكون إلى العراك [ها…شتريد؟]… استحضرت كل ما امتلك من طاقة الرقة والعذوبة وأجبته [استاذ … العفو… يعني … عندي مقالة!]، نظر الى خوفي وسنوات عمري المراهقة باستخفاف، ثم ألقى عليّ خطبة حافلة بالتهديد والشروط [اسمع يا ولد… إذا كنت من الجماعة الذين يمدون أصابعهم في البحر ليلامسوا القمر، ويقولون هذا شعر حر، فلا مكان لك هنا]، وردّ عليه رعبي ردّاً جميلاً انتزع غضبه عندما شتم السياب والملائكة والبياتي والشعر الحر وحامله وساقيه وشاربه!!!

أشهد انني رسمت البشاشة على وجهه، وغادرتُ الجريدة متعافياً مرضياً عنه، وعندما بلغتُ الشارع واستقبلني الناس وتنفستُ حريتي، شعرت بوخز النذالة، كنت موبوءً بالانتهازية من جهاتي الاربع، وكنتُ وما زلت أحاول تطهير ذاتي من ذلك الموقف الوحيد الذي أرّقني مدى عمري، وكنت وما زلت أعجب من اولئك الذين يبيعون أقلامهم ابتغاء مرضاة المسؤول والسلطة وينامون قريري العيون!!

2- مفهوم المثقف: بعد محطتي الاولى عام 1962 التي انتهت بوخز ضمير لا يرحم، صاحبه نشر مقالتي كاملة على نصف صفحة، لم يتغير فيها حرف ولا عنوان فرعي (ربما خفّفَ هذا النصر المبكر شيئاً من الوخز)، بدأت محطة ثانية قبل انقضاء عقد من الزمن، غير ان هذا العقد كان حافلاً بانقلابات اجتماعية واقتصادية، أربكت حياتي، فمع اقتراب ستينات القرن الماضي على نهايتها، وجدت نفسي (زوجاً) ثم أباً عليه أن يعيل والديه وزوجه وولده، وأن يتدبر اقساط الدراسة الجامعية المسائية له ولزوجه، ورأس مالي الوحيد لا يزيد على 40 ديناراً، هو راتبي الشهري من وظيفتي معلماً حديث العهد بالخدمة، وكان ثلاثة أرباع الراتب يذهب للأقساط والديون، ولذلك كان أقاربي واصدقائي وأهل الطرف يقدمون لي (صدقات) مغلفة بعبارات مدروسة بعناية تحفظ لي ماء الوجه، على غرار هذا (نذر او صوغة او هدية … الخ) في تلك المرحلة من النضال الشخصي ضد العوز والحاجة كنت قد وضعت خطواتي الأولى على طريق الكتابة وبات غير مطبوع ينشر لي قصة قصيرة او خاطرة او مقالة ثقافية، ولم يحصل طوال تلك المدة التي تمتد الى بدايات العقد السبعيني أن تعاملت مع أي فن من فنون الصحافة، اما خارج هذه الصغائر فحدث مالم يكن بالحسبان حين دعاني الصديق سامي احمد ونحن نحتسي الشاي في عارف آغا، الى الكتابة في مجلة صدرت حديثاً تعنى بقضايا الطلبة والشباب مقابل مكافأة اسبوعية قدرها (4) دنانير على كل مقالة، ومثل هذا المبلغ يعادل (4) اضعاف فرحة الزواج.. وقبضت أول مكافأة.. وبدلاً من العودة بها الى البيت محملاً بأطايب الطعام التي نراها فقط او نسمع بها، أنفقت المبلغ حتى آخر درهم على (الثقافة) وأنا أفكر بعقلية رجل اقتصادي، أن هذه الكتب ستساعدني على مواصلة الكتابة بواقع مقالة اسبوعية او ما يعادل (16) ديناراً في الشهر، وفي بعض الاشهر (20) ديناراً، تنقلني من البروليتاريا الرثة الى البرجوازية الترفة، أما الأهم ثقافياً فيتمثل في إن كتاباتي ستصبح مفعمة بلغة عالية جداً مصطلحات فخمة، وربما كانت (المصطلحات الفخمة) هي شغلي الشاغل، لان مفهوم المثقف عندي يومها، هو الذي تزداد كتاباته بعشرات التعابير والمصطلحات والاستشهادات الفلسفية والفكرية والأدبية.. وهكذا قدمتُ مقالتي الثانية، وانتظرت نشرها أسبوعاً واسبوعين، وانصرمت 3 اسابيع ولم ترَ النور، فقصدت صديقي وعاتبته لانه لم يفِ بوعده.. استغرب من كلامي وقال [ لم أتسلم أية مقالة منك]، لكنه كمن تذكر امراً، سحب ورقة من أحدى الاضابير وقال [لعلها هذه] بلهجة تفوح منها السخرية، وطلب مني ان اقرأ مقطعاً مقوساً بالاحمر، فبدأت أقرأ [إن زمكانية الحدث في أطار ظروفه ، خاصة التراجيدية، قد يؤدي الى نوع من التداخل النفسي بين التشظي الأيديولوجي، وبين حالة الوجد الصوفي، ولكنه يتجنى بالضرورة على معطيات الباراسايكولوجي، بينما المطلوب هو الاقتراب خطوة من أنطولوجيا المعرفة، وفي هذا المجال يقول برتراندرسل…] قاطعني وسألني [هل فهمتَ جملة واحدة من مقالتك؟!] ولأنه شعر بحرجي فقد حاول مواساتي [صديقي العزيز… الثقافة بساطة وصدق فكري ووعي عميق] ، ومنذ ذلك التاريخ الذي يعود الى خمسين سنة وأنا اضحك من اولئك الذين ينثرون المصطلحات بلا حساب، ظناً منهم بأن أعلى درجات الثقافة هي التي تحتاج الى قارئ كف، وهي التي يضحكون فيها على الآخرين ، ولا ينتابني الحرج أذا ذكرتُ : في اليوم الثاني بعت الكتب بدينار واحد فقط.. والله العظيم بدينار واحد فقط!!

مشاركة