لماذا أستعجل الداود والنايف الإنقلاب على عبد الرحمن عارف؟  (5)

418

لماذا أستعجل الداود والنايف الإنقلاب على عبد الرحمن عارف؟  (5)

تعثر المشهد السياسي بعد نكبة حزيران

هارون محمد

في احدى زيارات العميد سعيد صليبي، آمر موقع بغداد العسكري، الى سجن رقم واحد، بمعسكر الرشيد، للسلام على صديقه، العميد الطيار عارف عبدالرزاق، المعتقل هناك، مع عدد من رفاقه، في أعقاب فشل محاولته الانقلابية في الثلاثين من حزيران 1966 استأذن صليبي من عبدالرزاق، ان يسمح للمقدم ابراهيم الداود، وقد أصبح آمراً للواء الحرس الجمهوري، منذ مطلع العام 1967 بزيارته واللقاء معه، وعارف عبدالرزاق، ليس صديقاً حميماً لسعيد صليبي فحسب، وانما العلاقة بينهما، وثيقة على الصُعد الشخصية والعائلية والاجتماعية، ووافق عارف على استقبال الداود، الذي جاء الى المعتقل، حاملا معه ، ثلاث سلال من الفاكهة، وكان ذلك في آذار 1967.

واختلى ابراهيم الداود مع عارف عبدالرزاق، في غرفة آمر المعتقل، ولم يستغرق اللقاء بينهما، غير ربع الساعة، عاد بعدها عارف الى رفاقه المعتقلين، وهو في قمة الغضب، وقبل ان يُخبرهم، بما جرى في لقائه مع الداود، نادى على جنود الحراسة، وطلب منهم حمل سلال الفاكهة (برتقال وتفاح وموز) التي جاء بها ابراهيم، واعادتها اليه، وكان قد استقر في سيارته العسكرية (الجيب)، استعداداً لمغادرة المعتقل. وابلغ عارف عبدالرزاق، رفاقه في المعتقل، ومنهم صبحي عبدالحميد، ان الداوود أخبره، بان الاوضاع السياسية في العراق، باتت في غاية السوء، وان الرئيس عبدالرحمن عارف مرتبك وقلق، ولا يعرف كيف يتدبر الأمور، ومما قاله الداود أيضاً، ان جماعة صلاح جديد، ويقصد البعثيين الموالين لسوريا، ينشطون ويتحركون، ولا تقدر الاستخبارات العسكرية والامن العامة، على ملاحقتهم، كما أن (ربع) أحمد حسن البكر، ينشطون وينظمون أنفسهم،، ان شيوعيي الأهوار، بدأوا بمهاجمة مخافر الشرطة، وانا يا سيدي يا (أبو رافع) جئتك أعرض خدماتي عليك، ان تكون رئيساً للجمهورية والحكومة، ونحن تحت امرتك، شرط ان تتخلى عن (هوسات) الوحدة العربية والاشتراكية والناصرية، (هاي ما توكل خبز)، وقبل ان يُكمل حديثه، انتفض عارف عبدالرزاق، وغادر غرفة آمر المعتقل، تاركاً ابراهيم الداوود مطرقاً ومحبطاً. وقد انتشرت أنباء زيارة الداود، لعارف عبدالرزاق، في المعتقل، وما جرى بينهما، بشكل واسع، وباتت حديث الاوساط السياسية، والشارع العراقي أيضاً، ووصلت تفاصيلها الى الرئيس عبدالرحمن عارف بالتأكيد، ولكنه لم يهتم بها، أو ربما لم يصدقها. وقد فرضت نكسة حزيران 1967 أجواءها، وما ترتب عليها، من احباط وشعور بالخيبة، على المشهد السياسي في العراق، وخصوصاً على المعسكر القومي وحزب البعث (السوري) وأنعش بعض الشيء، حزب البعث الآخر، المعادي لسوريا صلاح جديد، ومصر عبدالناصر، في حين تعرض الحزب الشيوعي العراقي، الى شرخ عميق، بانشقاق عزيز الحاج في أيلول  1967. وفي هذا الوقت نشط النايف والداوود، في اصدار بيانات باسم (حركة الثوريين العرب) تندد بهزيمة جمال عبدالناصر، وحلفائه السوريين، وتغمز وتسخر، من القوميين الناصريين، والبعثيين اليساريين، غير أن حدثاً وقع في نيسان 1968 كشف عن ان هذه البيانات، مجرد (تهويشات) ومهاترات ، وأغلب الظن انها مشاكسات سياسية.

فقد زار المقدم النايف في ذلك الشهر، بدون مقدمات، الأمين العام للحركة الاشتراكية العربية، فؤاد الركابي، المعتقل في الامن العامة وقتئذ، بتهمة التحريض على اضراب طلبة جامعة بغداد، وعرض عليه التعاون، للقيام بانقلاب مشترك، لاطاحة الرئيس عبد الرحمن عارف ورئيس حكومته، الفريق طاهر يحيى، ويكون الركابي، رئيساً للوزراء، وعضواً في مجلس رئاسي، قد يتألف من ثلاثة، على غرار مجلس السيادة، عقب ثورة 14  تموز 1958 ورفض فؤاد العرض، فكرة وشكلاً وطريقة، ولم يدع للنايف ان يدخل في التفاصيل، وقد غادر النايف الاجتماع، بعد ان قال للركابي : فكّر في الموضوع، واسماعيل شاهين، وكان مديراً للأمن وكالة، رهن اشارتك، اذا غيرّت رأيك. وبهذا الصدد، ليس دقيقاً، ما ذكره عوني قلمجي، في برنامج (شهادات) التلفزيوني، مع الدكتور حميد عبدالله، من ان جواد الدوش، القيادي في الحركة الاشتراكية، هو الذي اعترض على التعاون مع النايف، لان قرار الرفض، كان قد اتخذه فؤاد، وهو في مواجهة النايف في معتقل الامن العامة، وما أشار اليه قلمجي، جرى في اطار اجتماع لقيادة الحركة، عقب الافراج عن الركابي، الذي عرض ما جرى له مع النايف، وقد ثمن قراره برفض التعاون معه، جميع القياديين المجتمعين، وليس الدوش وحده. وبالتأكيد فان أنباء اجتماع النايف والركابي، التي انتشرت في الاوساط السياسية، لا بد قد وصلت الى الرئيس عبدالرحمن عارف، ولكنه كما في لقاء الداوود وعارف عبدالرزاق، قبل عام، لم يلتفت الى الأمر، حتى بدا للكثير من السياسيين والصحفيين، وكأن الرئيس (مسحور) ومشلول، ومسلوب الارادة، وغير قادر على اتخاذ القرار المناسب. في آب 1969 التقيت شخصياً، في معتقل قصر النهاية، مع اللواء عبدالعزيز العقيلي، وزير الدفاع الاسبق، وسألته عما جرى بينه، وبين النايف والداوود، في آيار 1968 فقال: وقد حرصت ان يشهد اللقاء، عدد من رفاقي الحركيين المعتقلين، وأغلبهم أحياء، والحمد لله، للتوثيق فقط، فقال: ان الاثنين جاءا اليه في منزله، وعرضا عليه، ان يكون رئيساً للجمهورية والحكومة، وان يتم اختيار، الوزراء من قبل الطرفين، ووافق العقيلي، وكان يكره عبدالرحمن عارف، ولا يود رئيس حكومته، طاهر يحيى، ويعد الأول، عسكرياً تقليدياً، ينقصه الحزم، ويعترف بانه عندما تولى وزارة الدفاع في حكومة عبدالرحمن البزاز، بترشيح من الرئيس عبدالسلام عارف، صارح الاخير، بان اللواء عبدالرحمن، لا يصلح لرئاسة أركان الجيش، حتى وكالة، ولكن الرئيس وكان العقيلي يُحبه ويحترمه، تمنى عليه، ان يداريه، حتى يصل الى رتبة فريق بعد شهور، و(يطلع تقاعد) !. وعند البحث في تسمية الوزراء، اقترح النايف ان يكون هو نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية، ووافق العقيلي، شرط ان يُسّرح من الجيش، ويتخلى عن رتبته العسكرية، واستعرضت اسماء لشغل الوزارات، من بينها، ناصر الحاني، للخارجية، ومحمود شيت خطاب للمواصلات، ومحمد رشيد الفيل للمعارف، بينما كان النايف والداوود، يحومان حول المرشح لوزارة الدفاع، وقد أحس العقيلي، ان في (عبهما) شيء !، فسألهما من ترشحان للدفاع ؟، قال النايف، أن أخانا (أبو أركان) يقصد الداوود، هو الذي سيقود الانقلاب، ويُرتب الامور، ولا بد من مكافأته، بان يكون وزيراً للدفاع، ويُحجّم الضباط القوميين والبعثيين والآخرين، المناوئين لنا. وسكتُ وأعصابي تكاد تنفجر ـ يضيف العقيلي ـ وقلت لهما، ضابط برتبة مقدم، يُصبح وزيراً للدفاع، ماذا أقول لمئات، الألوية والعمداء والعقداء في الجيش ؟، ورّد النايف مسترخياُ، انت ستكون رئيساً للجمهورية، وقائداً عاماً للقوات المسلحة، ومن صلاحياتك، ان تُصدر قراراً أو مرسوماً، بترفيع الاخ ابراهيم الى رتبة فريق، ويتسلم الوزارة، و(صارت من قبل.. ومشت الأمور)، وكان يقصد حالة المقدم صالح مهدي عماش، الذي مُنح رتبة فريق، وأصبح وزيراً للدفاع، في حكومة 8 شباط 1963.

وهنا التفت العقيلي الى ضيفيه، وقال لهما، بنبرة موصلية غاضبة، (خلصتو شرب قهوتكم) !، في اشارة مهذبة، بان اللقاء انتهى. والغريب ان الرئيس أحمد حسن البكر، استدعى عارف عبدالرزاق وعبدالعزيز العقيلي، في آب 1968  وقابلهما في مكتبه بالقصر الجمهوري، وأبلغ الاثنين، بانه لم يعد بمقدوره، ضبط (الشباب) الذين، يُلحون على اعتقالهما، وانه يعرض عليهما، التوجه الى الهند، والاقامة فيها مؤقتاً، وهنا ردّ عليه عارف عبدالرزاق، بلهجته الكبيسية : (شنو أبوي هندي، أمي هندية) !، وانتهى اللقاء الذي لم يتحدث فيه، العقيلي، الذي قال لاحقاً، كنت استشعر الخطر، وأرغب في الخروج من العراق، ولكن اعتراض عارف، أخجلني من البوح، برغبتي في مغادرة العراق. واعتقل الاثنان، وأمضى عارف عبدالرزاق، شهوراً في السجن، وأطلق سراحه، شرط ان يغادر العراق الى الخارج، وظل العقيلي سنوات طويلة محبوساً، الى ان توفي في السجن، أما فؤاد الركابي، فقد اعتقل في نيسان 1969 وحكمت عليه محكمة علي هادي وتوت (الثورة) بتهمة مُضحّكة، بالسجن ثلاث سنوات، أمضاها في سجن بعقوبة، وقبل انقضاء محكوميته، باسبوعين، دست أجهزة الامن عليه، قاتلاً محترفاً، طعنه بسكين، أودت بحياته.

{ جزء من كتاب (بين الصحافة والسياسة.. نصف قرن من المتاعب، قيد التحضير

مشاركة