للتاريخ .. سعد البزاز – عبد الجواد المكوطر

abd aljwad

للتاريخ .. سعد البزاز – عبد الجواد المكوطر

زمان الوطن خارج زمان وطنه

أرباب القلم والقرطاس يدركون أن للكتابة وجوه متعددة , أذ من الصعب أن تختزل الكتابة في لون واحد , بل من المستحيل أن يكون ذلك لأن مواهب الكتاب تحبس وجذوة الأبداع تحتضر بل وتموت طالما لا تجد نافذة مفتوحة لنسائم الحرية .

فالكتابة أحيانا تكون بابا من أبواب المجاملة التي تفرضها العلاقات الشخصية , وتلك الكتابة لا يعول عليها كثيرا , وأحيانا تكون مهمتها سد حاجة المعدة وبعض مستلزمات الحياة الأخرى , وتلك حرفة لا تخلو من الثواب والعقاب .. وأحيانا يكون الكاتب ضعيفا فيقع في فخ السلطة لتأخذه الفوبيا أن يسلك في الطروقات المحرمة فيكتب مالا يقتنع به ويتحمل وزره حين يصبح أسمه على لائحة الأسماء المطلوبة لقضاء التاريخ , وأحيانا تكون الكتابة صورة مصغرة للذكريات عن صديق قد عشت معه أياما وليالي ملاح ولكن شاءت الأقدار أن تدفعهم كل في طريق فتشيط لواعج الشوق في صدر الكاتب فينتقي العبارات التي يراها تضمد الجرح وتسد ثغرة الغياب .. ويراها الآخر لا طعم لها ولا تغدو أكثر من هرطقة , وبعض الأحيان يكتب عن أشخاص لم يبق لعظامهم أثر تحت التراب لغيابهم الطويل عن الوجود , وهذه الكتابة هي المسؤولية المهنية في ميدان العمل .

وأحيانا نكتب عن شخص له أثر واضح في الساحة لا يمكن أخفاؤه أو انكاره .. وأنت في نفس الوقت لم تلامس يدك اليمنى يده في مصافحة ولو عابرة ولم يشتبك لسانك مع لسانه في حوار .. كل ما هنالك أن تستل كلماتك الكتابية من منجزه الذي بين يديك أو منجزه المطروح في أسواق الكتب .. وهذا النوع من الكتابة هو الأمانة التاريخية والمسؤولية الوطنية التي لا تسمح مبادؤها للكاتب أن يستثني نخلة أو يهمش سيفا يكاد يتصدر كل السيوف في الميدان بلا عنتريات فارغة , بل بعضلات مكتنزة بالقوة .. ولكن ما يزعجك ويجعلك أن تنهض من تحت الرماد لتحرق أكوام النفايات هو .. بعض الذين دخلوا الوطن في بطن أكياس الرمل التي حملت على ظهر الدبابات التي أجتاحت صدر بغداد الكرستالي بعد عام الفيل 2003م , فأحتلوا مناصب بغير أستحقاق ومع هذا فهم ليس لهم في الساحة الصحفية أو السياسية أو الثقافية ولو طنطنة ذبابة وليس نغم قيثار أو صوت مئذنة ..

أما الأستاذ الصحفي والسياسي العراقي سعد البزاز الذي روّى من نمير مياه ثقافته حقول المعرفة بشتى أطيافها وحتى البصير بأمكانه أن يشم رائحة منجزه الذي قدمه لوطنه العراق وأبناء جلدته العراقيين , مع الأسف يمر أسمه في الوسط الثقافي أو السياسي مرور الكرام .

بالتأكيد مازال هناك جهل بقيمة المثقف الذي يحمل فكرا متنورا وآيديولجية بعيدة عن المساومات أو التحزبات أو الأجندات ..

المثقف ثروة وطنية , مثل المياه والنفط والزئبق .. بل هو ادسم من ذلك ..ذات يوما قاد سارتر مظاهرة في فرنسا فهرعت الشرطة لتفريقها ولما شاهدوا سارتر يتقدمها أبلغوا ديغول بالأمر فجاء الرد من ديغول دعوا سارتر فأنه وجه فرنسا .

تشرشل رئيس وزراء بريطانيا أيام الحرب العالمية الثانية سألوه : أيهما أفضل أن تتنازل عن أرث برنارد تشو أم المستعمرات ؟. فقال : برنارد تشو يمثل وجه بريطانيا المشرق أما المستعمرات فستعود يوما لأهلها .

إذن المثقف في البلدان المتنورة خط أحمر لا ينبغي المساومة عليه مهما كانت الأسباب , أما نحن فقد نبيع المثقفين بالجملة وبسعر أكياس النايلون . يا لبلاهتنا كم نحتاج من الوقت لكي ندرس أنفسنا بصورة صحيحة ونغتسل من رواسبنا البدوية التي مازلنا نتوارث جيناتها جيلا بعد جيل ؟.

الأستاذ سعد البزاز ليس هنديا أو إيطاليا أو فرنسيا أو بريطانيا أو سويديا أو دنماركيا … أنما هو أبن العراق , أبن مدينة الحدباء , مدينة عبد الباقي العمري , وأبي تمام , وأبو عثمان الموصلي , وجواد سليم , وسيار كوكب الجميل , وزها حديد , وخالد العبيدي , وكاظم الساهر .. والقائمة لا يحتويها قرطاس لو أردنا متابعة الأسماء التي حفرت أسمها في تاريخ العراق وتاريخ الأبداع من أهل مدينة الموصل .

سعد البزاز قبل أن يغادر وطنه العراق كان يشغل مناصب رفيعة في الأعلام والثقافة وقد كانت باكورة أعماله مجموعة قصصية بعنوان (البحث عن طيور البحر) عام 1976م , وأستمر في عطائه القصصي والسياسي والأدبي حتى غادر بغداد كرها عام 1992م , ومن يغادر بغداد خلسة ملتفا بجلباب الليل وقتذاك بلا شك أنه أدرك أن الأستمرار بالعمل في منظومة فاسدة تسيطر عليها حاشية السلطان ولا تعترف بخط غير خط السلطان عمل عبثي مسيء لسمعة الشخص وسمعة الثقافة ..

كان العراق في ذلك العهد عبارة عن سياج كونكريتي حتى نجوم سمائه وأسماك عنق بحره كانت عيونا للسلطة, وكان المثقف وسط هذا الباستيل ليس له رأس , فمن له رأس ينتج خارج حدود بلدية السلطة يقطع .

كان المثقف مجرد هيكل ولسان ببغاء له طاولة فوقها حفنة أوراق وإلى جانبها عصى غليظة وكيس محشو بالدراهم وما بين الطاعة والتمرد المسافة إلى القبر لا تتجاوز طول قلم الكتابة .

كان الهروب من بغداد عهد ذاك من عجائب الدنيا السبعة بل عملية جراحية نسبة النجاح فيها صفرا بالمئة .

لكن شاءت الأقدار أن يقفز الجدار ويطلع من بطن النار كما طلع سيدنا أبراهيم عليه السلام , يوم كان رأس السلطة مصابا بصداع قوي أسمه أسلحة الدمار الشامل ولجان التفتيش الدولية .. وحين حطت قدماه في لندن لم يكن للأبتسامة مكان على شفتيه أما عيناه كانت عبارة عن سحابة أغرقت ثيابه بزخات المطر الموجع فحفرت أخاديد على محياه .

بهذه الصورة التي رسمتها له يد القدر راح متأملا المشهد الذي هو فيه متسائلا ما بينه وبين نفسه وهو يطيل النظر من شباك غرفة الفندق المطلة على نهر التميس : هل لندن وجمالها العمراني والحضاري الشهي يساوي درابين الكرخ أو الرصافة او النبي شيت ..؟.

(بلادي وأن جارت عليّ عزيزة      وقومي وأن شحّوا عليّ كرام) .

أجل كان ومازال عراقيا , وكان ومازال يؤكد أن أماكن عديدة لا تساوي حذاء حوذي في أزقة الشواكة أو الفضل والدواسة..

لندن ليست مضيفا يَحل النزاعات بشرف أو يمنح الخبز مجانا لمن ينبطح على سجادها كما هو الحال في مضايف جنوب العراق وغربه , لكنها وللأمانه تمنح المساحة الكافية لمن يريد العيش بلا شغب , لذلك مارس نشاطه الصحفي منذ الأيام الأولى من مكوثة في عاصمة الضباب .

وحين باشر بالعمل كان يطلب وده هذا وذاك إذ أنه لم يأت إلى لندن وهو مصابا بفقر دم معرفي فهو خريج كلية القانون والسياسة وهو القاص المبدع الذي فاضت شوارع العراق بمجاميعه القصصية وصاحب الكتب ذات العناوين المتعددة .

عاش في لندن عيشة الصقور , وكم حاولت شباك أهل المال صيده التي شيدت المؤسسات الصحفية التابعة لبعض القادمين من البلدان الخليجية بحثا عن كاريزما من خلال أموالهم وليست معرفتهم في المهنة , ولكن فشلوا حين وجدوه فارسا من الصعب أن يترجل عن ظهر جواده , وحين حاولت أحدى الصحف أن تملي عليه ما تريد أنتفض كما ينفض العصفور جناحه من البلل وطار يجمع عيدان عش الزمان التي أصبحت فيما بعد وطنا واسعا يضم الأقلام النظيفة والرؤوس المكتنزة .. وصار لصوتها دوي في كل بلاد المعمورة .

 سعد البزاز الصحفي والأديب والسياسي العراقي شارك في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية الذي أنعقد في عام 2002م , وقد أختير عضوا في لجنة المتابعة والتنسيق للأحزاب السياسية العراقية المعارضة هناك , ثم عام إلى وطنه العراق بعد عام الفيل 2003م , وأصدر صحيفة الزمان وأسس فضائية الشرقية التي يتضايق منها الكثير لأنها لا تجامل في نقل الحقيقة وكذلك تدس أنفها في كل الزوايا المظلمة بغية الرصد والمعالجة , أضافة إلى مواقفه المشرفة في مد يد العون لكل محتاج من أبناء وطنه وكل ما ينفقه من ماله الخاص وليس من المال السحت الذي يسرق من أفواه الجياع .

أنه سعد البزاز زمان الوطن خارج زمان وطنه وكفى بما مطروح من انجازاته في الشارع شاهد وشهيد والشمس لا يحجبها غربال .

{ رئيس تحرير مجلة ظلال الخيمة.. النجف الاشرف