للبحر سلطة قسرية تتحدى البشر

740

للبحر سلطة قسرية تتحدى البشر

جماليات المكان بين المصطلح والمعنى

مؤيد جواد الطلال

هنالك أمران مهمان في موضوع  (( جماليات المكان ))، حيث أن القيمة الحقيقية هي طريقة التعبير عن هذه الجمالية. وكان الأدق والأصوب في عملية نحت هذا المصطلح أن يكون (( التعبير عن جماليات المكان ))؛ إذ أن المكان يمكن أن يكون جميلاً – خاصة إن كان جزءاً من الطبيعة الخلابة – بالنسبة للجميع بدءاً من الطفل مع المرور بالإنسان العادي وانتهاءً بالمبدع ( الفنان أو الأديب .. ). غير أن هذا المكان الجميل – المتفق عليه – يستمد جماليته، في التحليل الأخير، ليس من طابعه الغفل ( المعطى )، بل من رؤية العين ومن الذهن والاحساس ناهيك عن أسلوب التعبير عنه. كما إن هنالك أماكن غير جميلة: موحشة، قذرة، مخيفة أو مريبة، مظلمة ومغلقة تنقبض نفس الشخص الرائي منها .. هنالك قاع المدينة، السجون والمستشفيات، المواخير وبيوت الدعارة، وهنالك أحياء شعبية مبتلاة بالفقر والمرض والتخلف والوساخة، ولعل هذه الأماكن   – عند حنا مينه أو غيره من الكتاب أو الفنانين – هي الأخرى تريد التعبير عنها أو دراستها ضمن العمل المنجز ( إن كان إبداعياً أو أقل من ذلك )، فكيف سنتعامل مع مفهوم ومصطلح   (( جماليات المكان )) ؟! أما الأمر الثاني في هذا الموضوع فيرتكز على مفهومنا للأوليات في كل عملية إبداع وخلق أدبي أو فني بأشكاله متعددة الألوان والاهتمامات. وأظن أن الاهتمام بموضوع المكان لا يجب أن يحتل المقام الأول في سلسلة الأولويات التي يمكننا أن نعد عشرة من أركانها مثل      ” رؤيا العالم ” التي تشمل الفكرة والفلسفة والهدف من العمل الإبداعي، إضافة إلى الموقف كالانحياز إلى طبقة أو فئة اجتماعية، وكذلك التحليل النفسي الذي تنهض عليه أو تستثمره الكثير من الأعمال البلاغية الكتابية، أو قضايا الحب والعشق الإنساني خاصة إذا كان غريباً واستثنائياً وملفتاً للنظر { وما أكثر القضايا الإنسانية ومشاكل النفس البشرية ؟!! } .. ثم تجيئ المهارة الفنية في مجمل عملية الخلق الإبداعي، ومنها قضية استثمار موضوعة المكان كعنصر فني من مجموعة عناصر البنية الفنية للإنتاج الإبداعي، مع ملاحظة إن الموسيقى – كفن من الفنون الراقية – تخلو أصلاً من عنصر المكان، من دون أن نقلل من أهمية المكان وجمالياته إذا ما استخدم استخداماً حسناً. إن التطرف والمغالاة في تسليط الأضواء على المكان، وكتابة كتب كاملة عنه أو التخصص به كفقرة أساسية، كما لو كان أول وأهم عناصر الإبداع، فأعتقد إن مثل هذا التطرف والمغالاة يمكن عدهما كشكل من أشكال التفنن في البحث عن سبل نجاح جديدة تحاول أخذ صفة أو سبق الابتكار أو تقليد لأمر يحتل ما يسمى بموقع الاهتمام والصدارة في الموجة الجديدة أو المودرن ( المودة ) كما لو أننا نرقص مع أي جوقة ! إن المكان يحتل مساحات شاسعة ومنوعة من رواية تولستوي (( الحرب والسلام ))، مثلاً، غير إن معظم نقاد العالم المهمين أو المتمكنين من أدواتهم النقدية أعطوا للطابع الملحمي الإنساني والعمق الفلسفي والروحي والأخلاقي والقضايا الاجتماعية التي طرحتها تلك الرواية الملحمية العظيمة كامل الأولوية على موضوعة المكان وجمالياته .. وستظل هذه الرواية تُقرأ لأجيال متعاقبة في حين لا تشكل الروايات الفرنسية التي احتل فيها المكان موقعا مهماً، وأطلق عليها النقاد اسم موجة الرواية الجديدة أو الرواية المضادة أو حتى ” اللارواية ” كما هو الحال في بعض أعمال (( ناتالي ساروت )) أو ( ميشيل بوتور ) أو << آلان روب غريه >> أو غيرهم من بعض الكتاب الغربين أهمية تذكر بالقياس إلى رواية الحرب والسلام التي ضربنا بها مثلاً لأهمية المضامين الإنسانية والاجتماعية والروحية بالقياس إلى احدى الزوايا أو الجوانب الفية التي تشكل جزئية من جزئيات الخلق الإبداعي ككل، من غير أن نكون معادين للموجات الجديدة في الخلق الإبداعي أو الوصول إلى أساليب فنية مبتكرة ومتجددة. إننا نتحدث هنا عن موضوعة (( جماليات )) المكان بالتحديد وأولويتها خاصة في النقد الأدبي. وكي نقرّب الصورة – الرؤية – المفهوم نأخذ على سبيل المثال رواية {{ مدينة الله }} للدكتور حسن حميد التي يأخذ فيها المكان، وصور جمالياته المتعددة، مساحة وأهمية مميزة لاسيما وأن المقصود بمدينة الله هي ( مدينة القدس ) المقدسة والتي تحمل عطر التأريخ. غير أنني كناقد أدبي هل أكرس دراستي عن الرواية للمكان أم عن الشعب الذي سُلب وأغتصب مكانه، أرضه وعرضه ورزقه ومراتع طفولته، ويصارع يومياً بالحجارة واللحم الحي الأعداء الذين يريدون اغتصاب المزيد من أراضيه ومقدساته أم ألف وأدور وأخصص دراستي          (أحصرها ) في موضوعة (( جماليات المكان ))؛ وبشكل أدق أسلوب التعبير عن جماليات المكـــــــان ؟!

جماليات المكان

مثل هذه التساؤلات والأفكار فرضت نفسها على تفكيري وأنا أقرأ كتاب الباحث الايراني ( مهدي عبيدي ) المعنون بجماليات المكان في ثلاثية حنّا مينه: حكاية بحار – الدّقل – المرفأ البعيد [ والتي تتخذ البحر أساساً لها في البناء العام ]، الكتاب الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب ( دمشق – 2011 )، والذي أردت ادخاله بوصفه أحد مصادر كتابي عن      (( مينه ))؛ فوجدته ينتهج البنيوية كوسيلة بحث ويرسم الجداول والدوائر والمثلثات والأسهم وأشكال التعابير الهندسية المختلفة / المتعددة ليصل إلى ذات الفكرة التي يعبر فيها عن سطوره المكتوبة باللغة العربية الفصحى، كما لو أنه يستخدم وسيلتين لنفس الغاية: التعبير عن جماليات المكان في هذه الثلاثية التي تسمى بثلاثية البحر في أدب (( مينه ))، على الرغم من أنه لا يقف عند ما هو جميل فقط ، بل يتحدث عن الأماكن الموحشة والمغلقة والموبوءة والسجون ومساكن الفقراء ومقاهيهم التي يتجمع بها أحيناً الحشاشون ومتعاطي المخدرات .. الخ

تناقضات الحياة في بحر (( مينه ))

في دراستنا عن مينه ككل، في رواياته وقصصه القصيرة معاً، سلطنا الضوء على الكثير من هذه المتناقضات الإيجابية والسلبية التي تشكل وحدة الحياة أو وجهي العملة الواحدة  – التي هي سمة أساسية من سمات أدب (( مينه )) – لكننا ركزنا بالدرجة الأولى على موقفه المتناقض من المرأة؛ وسنستمر في تسليط الضوء ذاته في كل سطور الكتاب لاسيّما في رواياته الأخيرة. غير أن الكاتب الايراني ( مهدي عبيدي ) سلط الضوء بالدرجة الأولى على موقف   (( مينه )) من البحر بوصفه رمزاً من رموز الحياة، والذي يحوي كل تناقضاتها وتضاداتها، لاسيّما العنصرين الأساسيين: الحياة والموت في الآن. بل وجدت أن (( مينه )) يُشبّه البحر مثل المرأة (( لا تعرف حرده من رضاه ))، ويعطي التشبيه ذاته للمرأة ” اللغز ” متقلبة الأهواء. ولأن ( مهدي عبيدي ) جعل من المكان هدفاً ومنهجاً لكتابه || جماليات المكان في ثلاثية حنا مينه ||، الذي يبدو أنه رسالة جامعية؛ ولأن البحر شغل أوسع المساحات من هذا المكان لاسيّما وأنه حصر بحثه فيما يسمى ثلاثية البحر ( حكاية بحار – الدقل – المرفأ البعيد )، فإننا سنثبت الخصائص / السمات والعناصر/ الإيجابية والتوصيفات الأخرى المعاكسة التي يحتويها البحر على ضوء ما اقتبسه الباحث الايراني من هذه الثلاثية التي تشمل الدّقل        – الرواية التي أخذت الفصل التاسع من كتابنا – إضافة إلى ما كنا قد ذكرناه عن البحر في فصول سابقة خاصة في روايتيّ {{ الشراع والعاصفة }} والياطر:

* البحر أب وجدّ رحيمان – إنه أخي – صديق طيب – سيد وصديق الوجود – مكان فسيح يأخذ فيه الإنسان الحرية والنشوة، ويمنح الصفاء والرغبة في التأمل .. الخ ؛ مقابل هذا تصف والدة ( سعيد ) البحر بأنه غول وتكرر باستمرار إن البحر غدار وعدو، وكان قد سلب منها زوجها ولا تريده أن يسلب ابنها.

* البحر عند (( مينه )) هو مصدر رزق وسد العوز. منه الخير والعطاء والبركة، تقابله حياة الفقر التي تلازم الصيادين والبحارة والعاملين في الموانئ أو في السفن الصغيرة والكبيرة.

* البحر مكان غامض وممتع في آن واحد، مغامرة كبرى ربما تكون ناجحة أو مهلكة. فيه طيور وزواحف وحيوانات أليفة وأخرى مفترسة ( أي المتناقضين معاً ).

حديث الانتظار

*الحديث عن البحر يعني الحديث عن الحنين والانتظار يقابله الحديث عن الكوارث والعواصف المدمرة، الخوف، الفراق …

* البحر معلم، لكنه بالمقابل يريد الشجاعة وروح المغامرة والاستعداد للمقارعة والصراع الذي يصل حدّ الموت: (( المقاومة أو القاع ))، ولا خيار بينهما.

* مع أن البحر يمنح الإنسان الكثير من الخيرات والجمال: اتساعه وزرقته ومراقصة بعض مرتاديه والعاملين فيه لمياهه وأمواجه كما لو أنهم يراقصون أنثى ساحرة؛ ومنه خرجت أساطير جميلة مثل (( عروس البحر ))، وهدير البحر مثل (( أغنية تترية عاطفية ))، زبده ورمله وسواحله جميلة …

… وعلى الرغم من أن والد سعيد ( بطل ثلاثية البحر ) كان يقول (( لا شيء كالإنسان، لا مخلوق أقوى منه، ولا كائن أعظم منه )) غير أن الإنسان يغدو في بعض حالات غضب وعواصف البحر ضعيفاً مثل قشة في مهب الريح؛ وقد صوّر (( مينه )) بعض هذه العواصف المدمرة خاصة في {{ الشراع والعاصفة }} وفي الثلاثية البحرية المذكورة.

* وفي نهاية المطاف فإن للبحر سلطة قسرية يتحدى بها البشر وينتصر عليهم، ولذا فإنه هزم سعيد – كما غيّب أباه صالح حزوم – ولذلك يفتتح (( مينه )) ثلاثيته بالسطور الآتية: (( وداعاً أيها البحر. لقد انتهى كل شيء الآن. لم يعد الماء ملعبي ومملكتي. لقد تعب البحار ولم يتعب البحر )). كثيرة هي الصفحات التي تتغنى بالبحر في روايات (( حنا مينه ))، خاصة الروايات ذات الطابع البحري، وربما كُتب الكثير من الصفحات حول هذه الخاصية أو الجزئية التي تمتع بها الكاتب وميزت الكثير من أعماله الأدبية، بيد أني وجدت في صفحة ( 302 من رواية الدّقل )، وما بعدها، أجمل صفات التغني بالبحر؛ إذ يصف الروائي بمهارة فنية فائقة، وخبرة لغوية وشعرية، وتجربة حياتية عميقة، عملية إقلاع السفينة التي يركبها بطله ( نموذجه الفني: سعيد ) لأول مرة، وكيف سارت الأمور في البدء برخاء ونشاط وحيوية ومسرّة لحين ما حلت العاصفة، وما أدراك ما العاصفة البحرية ؟!  غير أن هذه الصفحات كانت مرتبطة، وبالدرجة الأولى، بالإنسان وقضاياه الاجتماعية والمعيشية والروحية لاسيما الحالة النفسية التي كانت تجتاح أعماق سعيد، وليست بجماليات المكان الذي لا يمكن أن يكون هو الغاية لذاتها حتى في الشعر الرومنسي القديم الذي استفاض وأطنب كثيراً في وصف الطبيعة وجمالها وعجائبها وغرائبها. ولذلك فإن جمالية التعبير عن المكان – التي هي وسيلة فنية لا يستهان بها على الاطلاق – تحسب لصالح الكاتب ومهارة أدواته الفنية كجزء مكمل لعظمة وجمالية الإبداع والخلق، وليس العكس.

مشاركة