لكل‭ ‬بلد‭ ‬مخيم‭ ‬نزوح

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

بلداننا،‭ ‬مهما‭ ‬اكتست‭ ‬ملامحها‭ ‬بعلامات‭ ‬الاستقرار‭ ‬ستبقي‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬جاهزية‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬عوامل‭ ‬الطوارئ‭ ‬والاحتياط،‭ ‬لأنها‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬حروب‭ ‬ساخنة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬آخرها،‭ ‬لذلك‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬إيلاء‭ ‬أهمية‭ ‬مركزية‭ ‬خاصة‭ ‬للتعامل‭ ‬الجاد‭ ‬مع‭ ‬ظروف‭ ‬الطوارئ‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬وزارة‭ ‬خاصة‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

حتى‭ ‬لو‭ ‬توقفت‭ ‬العمليات‭ ‬الحربية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬او‭ ‬أسابيع،‭ ‬فإنّ‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬ستبقى‭ ‬مستمرة‭ ‬وربما‭ ‬ستزداد‭ ‬بقوة‭ ‬تدميرية‭ ‬أكبر،‭ ‬استنادا‭ ‬الى‭ ‬نسف‭ ‬اتفاق‭ ‬الهدنة‭ ‬الذي‭ ‬تمّ‭ ‬بوساطة‭ ‬أمريكية‭ ‬وفرنسية‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬2024‭.‬

هذا‭ ‬الأفق‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬سيجعل‭ ‬لبنان‭ ‬يواجه‭ ‬استحقاقات‭ ‬ثقيلة‭ ‬وغير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬الدمار‭ ‬في‭ ‬الضاحية‭ ‬الجنوبية‭ ‬لبيروت‭ ‬وبلدات‭ ‬الجنوب،‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نزوح‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬قصير‭ ‬المدى‭ ‬أو‭ ‬مؤقتا‭ ‬ً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وخراب‭ ‬الديار‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تعويضه‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬والضاحية‭ ‬كمناطق‭ ‬ربما‭ ‬تصل‭ ‬في‭ ‬افق‭ ‬قريب‭ ‬الى‭ ‬أماكن‭ ‬غير‭ ‬صالحة‭ ‬للعيش،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

‭ ‬الحياة‭ ‬اللبنانية‭ ‬كلها‭ ‬سيعاد‭ ‬هيكلتها،‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬عليها‭ ‬تستوعب‭ ‬مليونين‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬المناطق‭ ‬الواقعة‭ ‬تحت‭ ‬القصف‭ ‬الى‭ ‬مدارس‭ ‬باتت‭ ‬مشغولة‭ ‬بالنازحين‭ ‬اليوم،‭ ‬والواقع‭ ‬الدراسي‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬هش‭ ‬أساس‭ ‬فكيف‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬يوفر‭ ‬بيئة‭ ‬دراسية‭ ‬لعشرات‭ ‬آلاف‭ ‬الطلبة‭ ‬لاسيما‭ ‬المدارس‭ ‬الابتدائية،‭ ‬ام‭ ‬ان‭ ‬الخيار‭ ‬المتاح‭ ‬هو‭ ‬السير‭ ‬مع‭ ‬تعطيل‭ ‬الدراسة‭ ‬او‭ ‬استثناء‭ ‬تلاميذ‭ ‬الجنوب‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬لتتكرس‭ ‬حالة‭ ‬اجتماعية‭ ‬موغلة‭ ‬في‭ ‬التدهور‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬اخر‭.‬

سمعنا‭ ‬بيانات‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬خليجية‭ ‬عن‭ ‬فتح‭ ‬مراكز‭ ‬إيواء‭ ‬للذين‭ ‬تضررت‭ ‬بيوتهم‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬يومها‭ ‬الثامن‭ ‬او‭ ‬التاسع،‭ ‬اذ‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬ان‭ ‬تطال‭ ‬الصواريخ‭ ‬العمارات‭ ‬السكنية‭ ‬او‭ ‬ما‭ ‬يجاورها‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬إيواء‭ ‬الذين‭ ‬أصبحوا‭ ‬في‭ ‬لمح‭ ‬البصر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سقوف‭ ‬تظلهم‭. ‬لاسيما‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬الأجانب‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬بديل‭ ‬لمساكنهم‭ ‬اذا‭ ‬أصيبت‭.‬

النزوح‭ ‬ليست‭ ‬حدثا‭ ‬عابرا،‭ ‬فقد‭ ‬عاش‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬حقبة‭ ‬مريرة‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬وجوهها‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬،‭ ‬وافرزت‭ ‬وضعا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬مليئا‭ ‬بالجروح‭ ‬والأزمات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬معالجتها‭ ‬كما‭ ‬تعالج‭ ‬مثيلاتها‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المستقرة‭ ‬بالمدن‭ ‬وخارج‭ ‬الخيام‭.‬

الامن‭ ‬القومي‭ ‬للدول‭ ‬مرتبط‭ ‬بالنسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وكيفية‭ ‬حمايته‭ ‬من‭ ‬التفسخ‭ ‬،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬اخطر‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬النزوح‭ ‬والهجرة‭ ‬عليه‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية