لغة‭ ‬البازار‭ ‬في‭ ‬ايران

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

بعد‭ ‬اليوم‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬احتجاجات‭ ‬الشارع‭ ‬الإيراني،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الكفة‭ ‬الأمنية‭ ‬للسلطات‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تحركات‭ ‬خارج‭ ‬السياق‭ ‬المقبول‭ ‬في‭ ‬المدن‭. ‬لكن‭ ‬التساؤل‭ ‬الجوهري‭ ‬هو‭ ‬ماهي‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬سيتوقف‭ ‬عندها‭ ‬المحتجون‭ ‬عن‭ ‬اعلان‭ ‬غضبهم‭ ‬المتزايد‭ ‬في‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬ست‭ ‬وعشرين‭ ‬مدينة؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬تملكه‭ ‬السلطات‭ ‬الإيرانية‭ ‬ويلبي‭ ‬حاجات‭ ‬المحتجين‭ ‬ويسكت‭ ‬غضبهم؟

‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬السلطات‭ ‬تمتلك‭ ‬البديل‭ ‬وهو‭ ‬اقتصادي‭ ‬ومالي‭ ‬ومعيشي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬فما‭ ‬المغزى‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬الشارع‭ ‬يزداد‭ ‬اشتعالا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اسكاته‭ ‬بإصلاحات‭ ‬اقتصادية‭ ‬قبل‭ ‬تحول‭ ‬المحتجين‭ ‬الى‭ ‬درجة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الغضب‭ ‬بما‭ ‬يدعو‭ ‬لتغيير‭ ‬النظام‭ ‬السياسي؟

تبدو‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬ثقة‭ ‬تتسع‭ ‬مع‭ ‬الأيام‭ ‬بين‭ ‬الإيرانيين‭ ‬كشعب‭ ‬والنظام‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬مؤسسة‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬الحاكمة،‭ ‬وانّ‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬تتجلى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النقمة‭ ‬المغلفة‭ ‬بصعوبات‭ ‬العيش‭ ‬والحياة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬غير‭ ‬انّ‭ ‬مطالب‭ ‬التغيير‭ ‬التي‭ ‬يعبّر‭ ‬عنها‭ ‬إيرانيون‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬وقوميات‭ ‬مختلفة‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬التطور‭ ‬التاريخي‭ ‬لأي‭ ‬بلد‭ ‬محكوم‭ ‬بنظرية‭ ‬سياسية‭ ‬أحادية‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للتطور‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تحويرها‭ ‬لتكون‭ ‬ملائمة‭ ‬لكل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭ ‬ونظام‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬عاملان‭ ‬في‭ ‬الأفق،‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬المخاوف‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬الشارع‭ ‬يتوسع‭ ‬في‭ ‬احتجاجاته‭ ‬وهذا‭ ‬قد‭ ‬ينتقل‭ ‬بالإيرانيين‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬وجيز‭ ‬الى‭ ‬مرحلة‭ ‬الانقلاب‭ ‬الشعبي‭ ‬لتعطيل‭ ‬فاعلية‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬عبر‭ ‬الكتل‭ ‬البشرية‭ ‬المليونية‭.‬

‭ ‬أمّا‭ ‬العامل‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬الحذر‭ ‬من‭ ‬الافراط‭ ‬في‭ ‬قمع‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬المراقبة‭ ‬بعناية‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬رئيسها‭ ‬انها‭ ‬ستتدخل‭ ‬لحماية‭ ‬المتظاهرين‭ ‬اذا‭ ‬تعرضوا‭ ‬للقتل،‭ ‬وكعادتها‭ ‬واشنطن‭ ‬لا‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الكمية‭ ‬المسموح‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬دماء‭ ‬الشعوب‭ ‬لتسفك‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬استحقاقات‭ ‬شرعية‭ ‬لتدخل‭ ‬وحماية‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭.‬

هذه‭ ‬المرة،‭ ‬هناك‭ ‬نوعية‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬توجهات‭ ‬الشارع‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬أوقدت‭ ‬شرارته‭ ‬عقلية‭ ‬البازار‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنزلق‭ ‬في‭ ‬منحى‭ ‬سياسي‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬أدركت‭ ‬انّ‭ ‬ذلك‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬الخسارة‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬قبولها‭ ‬بانهيارات‭ ‬الوضع‭ ‬الراهن‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬لا‭ ‬يستسيغ‭ ‬الايرانيون‭ ‬التدخل‭ ‬الخارجي،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬دعما‭ ‬لمظلوميتهم،‭ ‬ولا‭ ‬تغامر‭ ‬اية‭ ‬جهة‭ ‬سياسية‭ ‬معارضة‭ ‬للاندفاع‭ ‬نحو‭ ‬هذا‭ ‬الخيار،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬العام2003،‭ ‬كحالة‭ ‬شاذة،‭ ‬مقتَها‭ ‬غازي‭ ‬العراق‭ ‬ذاته‭ ‬جورج‭  ‬بوش‭ ‬الابن،‭ ‬ولم‭ ‬يخجل‭ ‬منها‭ ‬حكّامه‭ ‬الجدد‭ .‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية