لعنة كين

567

لعنة كين

موت الذات .. وخراب وطن

عبدالكريم حسن مراد

أهي أنشودة الفجيعة أم ترنيمة لموت مسبق وقادم. موت وجودي يحمل لعنة أبدية رسمها قدر أحمق تمثل بسفر (إجباري) بحثاً عن وجود آمن وذات ترنو لحياة جميلة دون أي إشارات مبهمة .. رواية لعنة كين، تراجيديا الألم والقهر ولِمَ هذه الترنيمة تعزف في محراب الصلاة التي كانت ترسم في سماوات الإله صور ملائكية تارة وأخرى كحمائم بيض. ولِمَ هم من دون كل الذوات لابد أن يكونوا دون ذوات. لِمَ فجأة يحاول الآخر قهر ذلك الذات وإلغاء هويته الإنسانية. لماذا يتخلخل دون كل الملذات ملاذهم أليسوا كائنات لها حق العيش في أنشودة كين ثمة بكاء أزلي لعوالم وشخوص وجدت نفسها مسلوبة الوجود والإرادة، فرقت صور وجودهم، قمعت أحلامهم .. مات الإيمان في دواخلهم لأن الجميع تخلى عنهم في وقت كانوا بحاجة إليهم .. عيون ذئبية ترتدي أقنعة غامضة تارة وأخرى واضحة لكن تؤد كل شيء وتمحو ذكريات جميلة. تغير خارطة المكان. تستوطن مدناً لآخرين بنوها، أو وجدت منذ قيامة الله في العلى أقنعة (لعنة كين) حماقة الأجداد التي شطبت تاريخاً كاملاً لجيل لم يعرف مكاناً آخر غير الذي وجد فيه، فكين هو الوجع الدائم الذي يحمله الأبناء صليباً يدور فيه في مدن بحثاً عن الأمان.

كين هو شهادة لولادات عدة لم تعرف من المكان الذي يعيش فيه سوى البيت الآمن، والآخرون هم من سرّ فرحهم لأنهم ينتمون إليهم بكل وجودهم لم يشعروا لحظة غربة أبداً لكن تغريدة الموت ونعيق الغربان حملت في فضاءاتهم غيوماً سوداء تحمل هزيم الشر، هذه الصور الموجعة والمؤلمة يرسمها لنا الكاتب الروائي فوزي الهنداوي في فجيعة روايته (لعنة كين) التي رسم ترنيمتها بلحن إنشادي لملحمة الإنسان الذي لم يكن يحسب أن الآخر سيلغيه في يوم ما. فأنشودة كين هي أنشودة الولادة. والحياة والموت. والسفر نحو المجهول لأبطال قدرهم أنهم ولدوا من أصلاب كتب عليها الشقاء وذلك من خلال لعبة الهوية أو اللاهوية.

يقول كافكار وهو يعبر عما كان يعيشه من سوداوية ضمن عالم متوحش لم يفهمه ” خطيئتي أني ولدت في زمن عاهر”. أجل وهذا ما ينطبق على شخوص رواية لعنة كين أو الشخصية الأساسية (البطلة) التي لم تجد من يتفاعل معها سوى جارها وصديقها (المنصف) المثقف الذي كان يمتــــــــلك روح الدعابة والمرح يشاكس فيها الفتاة البطلة التي يطلقون عليها كلمة غجرية وتشعر من خلالها بالدونية من قبل الآخرين لكن أمام (صديقها) كانت تشعر شعوراً آخر لأنها وجدت فيه ملاذاً آمن.

هذه الفاجعة يرسمها لنا الكاتب فوزي الهنداوي من خلال تراتيل السرد المتمثل بالأنشودة التي لخصت تاريخ أمة مصغرة لكائنات ليس همها إيذاء الآخرين لأن الطبيعة ميزتهم لهم بالحركة هنا وهناك بحثاً عن العيش وكانت هي ضحية أجدادها الذين عصوا تعاليم الرب فطردهم إلى العراء ليهيموا في البرية.

هذا ما ذكرته الأساطير التي سردها البطل على البطلة (ريما) لتدرك أن لعنة كين هي السبب في تشتت الغجر.

هنا وهناك لتبقى هذه اللعنة صليباً يحمله الأبناء ليهيموا في مدن العالم بحثاً عن وطن آمن ولكن دون جدوى .. لقد كان بطل الرواية يحمل روحاً إنسانية فياضة تجاه البطلة (ريما) التي لم تشعر وهي بقربه بأي غربة برغم أن العلاقة بينهما علاقة صداقة لكن بلحظة الألم التي رسمها لهم القدر حين تعرضت البطلة لتهديد من قبل ميليشيات متطرفة رسمت لهم علامات الموت على حائط كل دار في الحي الغجري.

كان ولابد لهم أن يرحلوا من هذه الأماكن التي أصبحت تحت سيطرتهم دون أن يعو أنهم أصحاب هذه الأرض، لتنتهي الرواية بالرحيل نحو سوريا مرغمة، وفي نفسها بكاء للمكان الذي ولدت فيه. لقد كان للبطل دور مهم في تغيير شيئاً من حياتها ولكن هيهات، فالمنافي خلقت لهم ولابد أن يهاجروا إليها لتنتهي بالنشيد الأخير تشير إلى الوداع ببكاء موجع.

لقد استطاع الكاتب فوزي الهنداوي أن يؤرخ مرحلة مهمة من مراحل العراق وعبر حقبتين: حقبة البعث وما قبلها، وحقبة ما بعد 2003 ليفضح الظلم الذي وقع على مجموعات بشرية مسالمة وطمس هويتهم وإلغاء ثقافتهم.

لقد صدق ما قاله المناضل الأسود الأمريكي (مارتن لوثر كنغ) الذي قال: “علينا أن نتعلم كيف نعيش سوية كالأخوة أو نهلك معاً كالحمقى”.

مشاركة