قصة قصيرة
لعبة الأقدار
خرج مهند من قصة حب كبيرة دامت لاكثر من ثمان سنوات عندما احب قريبته (صباح) وكانت هي اول حب في حياته وكان مايزال طالبا في الثانوية العامة وهو ابن ستة عشر عاما.. فكانت قصة حب عارمة قوية جبارة شامخة كعواطفة الصادقة.. فاحب بكل قوة شبابه واندفاعه.
لقد سجل مع صباح اروع قصة حب عرفتها العائلة حتى بات يلقب بمجنون صباح نسبة الى مجنون ليلى فكان حبا عذريا شفافا وقد باركته العائليتن.
وما ان انتهى مهند من دراسته وتم تعيينه في المجال الطبي حتى تقدم لخطبتها الا ان الاقدار لعبت لعبتها في ان يقف عم صباح ضد هذا الحب ويرفض بشكل قاطع خطبته لها وعم صباح هذا هو من تكفل رعايتها ومعيشتها وهي طفلة لان والدها رجلا كبيرا وغير قادرا على تامين متطلباتها وهم اصلا يعيشون في الارياف جنوب العراق في الوقت الذي الذي يعمل فيه هذا العم بسلك التدريس ولذلك هو صاحب الرأي الاول والاخير في تزويجها من عدمه.
ورغم ان مهند قد تقدم لها اكثر من ثلاث مرات وبذل كل الجهود والوساطات الا انها كلها لم تجد نفعا مع هذا العم المتزمت والذي يعتقد ان موافقته على هذا الزواج سياكد علاقة صباح بمهند.. ويعتبر ذلك مساس بشرف العائلة، واغلقت كل الابواب بوجه مهند ولم يعد يعرف ماذا يفعل لاسيما وان صباح قد منعت من الاتصال به او ؤريته وتم فرض الحصار الشديد عليها.. الا انه لا يعترف بالياس ومايزال قلبه مليئا بالامل في ان تكون صباح من نصيبه فانه لا يتصور ان يعيش من دونها وهي له الدنيا وبما فيها وقد كرس كل حياته واوقاته لها ولوحدها وانقطعت اخبار صباح ولم يعد يعرف شيئا عنها ولصلة القرابة بينهما كان يرسل من يستطيع ان يزورها الا ان عمها قد فرض حصارا بحيث حتى الزوار لا يستطيعون رؤيتها او معرفة اخبارها.
ومرت ايام وايام ومهند يحاول رؤيتها دون جدوى ولقد كان يرابط امام دارهم ويدور حولهم الا انه لم يرها وكانت الدار خالية تماما وهذا ما اقلق مهند جدا فياترى اين يمكن ان يكونوا قد ذهبوا.. واخيرا قرر ان يسال صاحب الدكان الذي يقع في بداية شارعهم عسى ولعله يعرف شيئا عنهم وفعلا كان له ذلك واجابه صاحب المحل بانهم سافروا منذ ثلاثة ايام ولما سأله عن وجه سفرهم فاجابه بانهم سافروا لاهلهم وفهم مهند بانهم سافروا الى الارياف حيث اهل صباح.. واعتقد مهند بان سفرهم ذلك هو اعادة صباح الى اهلها وبقاءها هناك حيث عمد عمها على ابعادها عنه وكان ذلك غاية ما ينشده مهند لانه يعرف مدى طيبة اهل ا صباح ومدى حبهم له.. واطمئن مهند.. ولاول مرة ينام ملء جفونه حتى ان والدته استغربت ذلك منه وراحت تدعو له بتحقيق الاماني وان يحفظهم الله من كل مكروه.. وما ان مرت ايام عدة ومهند يمني نفسه برؤية حبيبة عمره من جديد وقرر السفر الى حيث تكون عند اهلها ليطلب يدها منهم عسى ولعل يجد عندهم ما يطمئن قلبه الا انه فوجئ بزيارة قريب لهم وليطلعهم على زواج صباح من احد المعلمين هناك وان زواجها كان رغما عنها ولم يكن يعرف هذا الزائر الارتباط الذي يربطها بمهند وهنا صعق مهند لما سمعه من قريبه وراح يسأله ان كان متاكداً من هذا الخبر.. والاخر يؤكد بانه كان مدعوا الى وليمة العشاء التي اقيمت بهذه المناسبة كما هو متعارف عليه في حفلات الزفاف (العشائرية) ودخل مهند حالة ذهول كبيرة وهو غير مصدق الخبر وطفت دمعات من عيناه حاول جاهدا اخفاءها.. وراح يردد مع نفسه (صدق) (معقولة) ثم دخل غرفته واغلق الباب وراءه.. وكانت والدته اشد خوفا عليه وهي التي تدرك مدى حبه لصباح بالرغم من انها حاولت ان تخفف عليه من وقع الخبر وراحت تقول : ان ابنها الف من تتمناه وان الذي خلقها اكيد خلق الافضل منها وبعدها راحت تقول: تحبون شيئا وهو شر لكم وتكرهون شيئا وهو خير لكم لا حول ولا قوة الا بالله ..
وفي اليوم التالي خرج مهند من غرفته وهو بحالة يرثى لها.. وغادر الدار لا ينوى على شيء وانما اخذ يتمشى دون ان تكون هناك وجهة ينشدها والافكار تتلاطم في مخيلته حائرا يائسا وبقى يمشي لاكثر من ثلاث ساعات ولما شعر بالتعب عرج على مقهى البرازيلية في شارع الرشيد ليرتاح قليلا ثم قرر ان يزور صديقه عبد الرحمن فهو الوحيد الذي يرتاح اليه والذي يشاطره همومه وتطلعاته ومشاكله وهو الوحيد الذي يعرف كيف يحادثه ويخرجه من حالته وكانت والدة مهند قد اتصلت بصديقه عبد الرحمن واطلعته عن ما جرى وطلبت منه ملازمة مهند خوفا من قيامه بعمل طائش او يفعل بنفسه شيئا وطمئنها عبد الرحمن انه سيلاقيه ويعرف الاماكن التي يرتادها وفوجئ مهند بدخول عبد الرحمن المقهى.. واعلمه مهند بانه ينوي زيارته هذه اللحظة في الوقت الذي اكد فيه عبد الرحمن بانه من الامس وهو يريد رؤيته .. ولاحظ عبد الرحمن التغير الذي طرأ على صاحبه وانه بحالة مزيرية فسأله عما به وما الذي جعله على هذه الشاكلة وراح مهند يقص عليه الاحداث الاخيرة وعبد الرحمن يستمع وهو صامتا.. وترك مهند يفرغ كل ما كان يريد الحديث عنه وما ان انتهى من حديثه حتى راح عبد الرحمن يحادثه عن صباح ويقول عنها بانها فعلا انسانة وفية ومخلصة وما حدث معها خارج عن ارادتها ويجب ان يتمنى السعادة والاستقرار لها.. وعليه ان ينساها والايام كفيلة بذلك.. وان يبدأ حياة جديدة بحب وتفاءل.. وان الدنيا لا تنتهي عندما يخفق احدنا في امر من الامور.. وراح يؤكد له عبد الرحمن بانه شاب مهذب وخلوق ومرغوب ايضا فحتما سيلاقي الانسانة التي تعوضه حبه الضائع.. ثم عاد ليقول له بانه يدرك كم هو مؤلم الامر بالنسبة له ويحتاج الى وقت حتى تشفى منه ولكن اطلب منك ان لا تترك نفسك للاحزان فان الذي ذهب لا يرجع وكان مهند يعرف كل ذلك ومؤمن بالقسمة والنصيب وادرك ان صباح لم تكن من قسمته ونصيبه.. ودارت دورة الايام وانغمس مهند بعلمه لينسى خسارته.. ومع مرور الايام قد خفت آلامه ولوعته الا ان صورة صباح لم تفارق مخيلته.. وفي العيادة الطبية التي كان يعمل بها.. تصادف مع احدى المراجعات وكانت بصحبة خالتها وتعاني بعض الالام في صدرها وكانت على جانب كبير من الرقة والجمال الذي يخطف الابصار.. وهي لا تتجاوز العشرين من العمر ملفوفة القوام وما ان رأت هي مهند حتى دخل اعماقها وكانها تعرفه منذ امد بعيد ومهند قد اصابته رجفة عند رؤيته لها.. وكان اصابته صعقة كهربائية فصور لها صورة شعاعية كانت النتيجة سالمة وخالية من كل مرض وان ذلك لم يكن سوى نزلة برد قوية ثم وصف الدواء لها وخرجت .. ولم يعرف مهند شيئاً عنها سوى ان اسمها (وزة) وهو اسم دلعها وعند المساء عندما التقى مهند عبد الرحمن في مقهى القناديل في الصالحية كما تعودا ان يكونا هناك كل مساء وقص عليه ما كان من امر وزة حتى بات عبد الرحمن يقول له: لقد شوقتني لرؤيتها عسى ولعل الله يعوضك بها خيرا..؟
وراح مهند يترقب مجيء وزة مرة اخرى الى العيادة فان الدواء الذي وصف لها مدته ثلاثة ايام ولابد ان تعاود المجيء ما ان ينتهي العلاج وذات مساء كان عبد الرحمن قد زاره مهند في العيادة ليخرجها معا بعد انتهاء عمله.. دخلت وزة برفقة شقيقتها ورحب بها مهند اشد الترحيب واجلسها في غرفته التي كان عبد الرحمن ينتظر فيها وقدم مهند لها صديقه عبد الرحمن.. فرحبت الاخرى به ودهش عبد الرحمن لمدى حسنها وجمالها وما عليه من رقة وشفافية.. وسألها مهند عن صحتها فاجابت انها بخير.. وكانت العيون بينهما هي التي تتحدث.. وكانهما يعرفان بعضهما سابقا ولقد سالها مهند اين تسكن فقالت له في كرادة مريم.. وراح يستفسر منها عن اخبارها وشرحت له هي كل شيء.. وتم وصف دواء جديد لها.. وطلب منها مهند وبكل جرأة ان لا تغيب عنه طويلا وبامكانها الاتصال به ان شاءت ووعدته خيرا وذهبت وهو يشيعها حتى الباب الخارجي للعيادة.. وقال عبد الرحمن لصديقه مهند: لو كانت هذه من نصيبك فمعنى هذا ان الله يحبك.. واكد له بانها غراقة في حبك على الاخر.. فضحك مهند واجابه بالايجاب.. وفي اليوم التالي وعند الظهيرة وكانت العيادة فراغة من المراجعين وكان مهند يتناول غداءه حيث كان يطلب غداءه من المطعم المجاور للعيادة .. وحتى لا يضطر للذهاب للبيت والعودة ثانية.. ورن الهاتف فنهض مهند متفائلا ورفع الهاتف.. وكانت المتحدثة وزة فطار مهند فرحا وهو يحادثها ويسالها عن صحتها وكانت هذه المكالمة انعطافة كبيرة في حياتهما بعد ان صارح كل منهما بحقيقة مشاعره.. وكانت وزة اكثر منه كلاما وهي بقمة اشواقها وكان مهند سعيدا راضيا وطلب منها ان يلتقي بها ليحداثها على انفراد وبحرية ووعدته انها ستحاول تحقيق ذلك له باول فرصة.
وبعد يومين حققت له (وزة) ما اراد فالتقى بها في شارع النهر وكانت برفقة شقيقتها وكانت الاخرى ذات اخلاق عالية مع انها سمراء عكس (وزة) فكانت شقراء على والدتها.. وساروا معا حتى مطعم المرايا في شارع السعدون وجلسوا هناك لتناول طعام الغداء وعرف كل شيء عن وزة كما هي عرفت عنه كل شيء واكد لها بانه سوف لا ولن يتخلى عنها بما وانها وضعت ثقتها به.. ولاول مرة تلامس يده يدها وهو يقص عليها ما تركته في نفسه من سرور وغبطة وانها قد اعادته للحياة من جديد بعد ان اظلمت الدنيا في عينيه.
وتلاحقت الايام وهما يرتشفان من ينابيع الحب ما طاب لهما.. واستطاع مهند ان يتعرف على اهل وزة بعد ان عمد على بناء صداقة متينة مع شقيقها الكبير وكان صاحب اسواق كبيرة في المنطقة وبواسطته قد تعرف على العائلة وبات معروفا من قبلهم ولقد احبوه لدمث اخلاقه وجديته.. وصارح مهند شقيق وزة بانه يريد القرب منه بالزواج ورحب الشقيق بذلك ومهد له الطريق وكان الظن انه يريد البنت الكبرى الا ان مهند صحح ذلك وقال اريد الصغيرة وكانت هناك بعض الاعتراضات ولكنها سرعان ما تلاشت.. وتمت خطبة مهند على وزة وكانت اياما سعيدة لها وتم تحديد موعد الزفاف استطاع مهند ان يكون حرا معها في ان يذهب بها اينما اراد.. وكانت اياما حافلة بذكرياتها وبحبها وكانا كالطيور تحلق في اجواء بغداد ومطاعمها وحدائقها.. ووسط ابتهاج الجميع وتبريكات الاهل والاقارب والاصدقاء تم زفاف مهند وكان يوما مشهودا ولا ينسى واستطاعت وزة فعلا ان تستحوذ على كل قلب ومشاعر مهند وتنسيه حتى اسمه..
وبالمقابل كانت هي ملاكه الجديد.. التي حملته رغما عنه الى عالمها ودنياها.. وكان حبهما حبا طاهرا شريفا كتب له النجاح..في عالم العشاق والمحبين.
محمد عباس اللامي – بغداد

















