


د. موج يوسف
أظن أن الموت مرّ ليختبر كتابتها في مديح الأمل وعندما علم أن هذا ليس شأنه، قرر أن يحتفي بها على طريقته فسرق نبضات قلبها ووزعها على شكل كلمات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة وكأن هذا الموت يريد أن يحيى بموتها ونسي أن الميتة امرأة وضعت قلمها بحبر الحياة ومنحته مرتبة عالية من الشرف ، فهل يريدنا أن نتذكره بهذا اليوم الخاص بنا؟ أم أراد الموت أن يؤنث نفسه فخطفها منّا؟ لا يهمني جنس الموت في السابق لكن بعد رحيل الروائية والمترجمة لطفية الدليمي في الثامن من آذار ونحن نتلقى التبريكات ( كل عام وأنت بخير أيتها المرأة) ايقنت أن الموت رجل مرهف الحس اختار امرأة تنحي الكلمات أمام ذوقها وحسّها، فهل كانت تخطط للرحيل معه بهذا اليوم؟ لذلك كتبت جملتها الأخيرة في مقالها الأخير بعنوان ( نعمة العيش بقلب لا يعرف الضغينة) وختمت بقولها( ما قيمة نجاح مقترن بقلق مزمن؟ وما معنى انجاز يُبنى على خصومة دائمة مع النفس والآخرين) وكأنّها توصي بتطهير الذات من الضغائن والمكائد فلا قيمة للروح أن نسيت وظيفة القلب. من يتأمل كلماتها الآن يلاحظ أنها خططت لرحلتها لكنها لم تخبرنا لئلا تجرحنا، لذلك نشرت وصاياها، وجمعت أحلامها ( بعيداً عن ضوضاء العالم) الكتاب الصادر مؤخرا الذي تقول لقارئها( أن تحاول في تجاوز الحزن هو الموت البطيء لقلوبنا .. عيشوا حزنكم بتفاصيله وأنتم واثقون إنكم ستخطوا ذلك). نعم أنها ركبت طائرة الرحلة بالموعد المحدد لتعود إلى التراب الذي غادرته من سنوات (الوطن) لكن الحرب اللعينة اوقفت الطيران والأوطان أغلقت مجالالها الجوي لذا غيّرت واجهة رحلتها إلى (الأبدية البيضاء) لقهر أوجاع الغربة.
إنّ موت النساء مثل موت النجوم كما يزعم، لكنَّ صاحبة رواية( سيدات زحل) جعلت عمر النجوم يمتد على قدر سطور رواياتها التي لا تنتهي بموت ابطالها، وهي تنسج حكايا النساء من ريش الحريات وتحاول أن تصادر دموعهن مقابل الأمل، هكذا هي لطفية بكاتابتها الروائية لا تتجاهل غدد الدمع حتى الموجودة بالمدن أيضا، من كان يظن أن المدنية تبكي وتتذكر أولادها الغائبين ؟ فعلتها برواية (عشاق وفونوغراف وأزمنة) عندما بحثت عن بغداد عبر طرق العشق والنساء والموسيقى فهن هويّتها ورئتها الرئيسة، إذ قررت أن تستعيدها بعدما حاولت الحروب والصراعات الداخلية قطع الهواء عن تلك المدينة وتغيّب دور الرئة، لذا تصدت الدليمي لكلّ تلك المحاولات بدفاعها عن حرية الجسد والأرض والوعي فهذا الأخير كان يحتاج إلى بريق يضيء ليله وهذا ما أكّدت عليه بكتابها الأخير وكأنها تعطي خلاصة تجربتها للعالم الذي سيبقى بعد رحليها( خلاصك يكمن في ذاتك. قد تخدمك بعض الفلسفات وأنماط التفكير في تحسين نمط عيشك، لكن خلاصك وطيب مزاجك وطرد أشباح الخوف من أن تتسلل إلى روحك هي أفعال أنت تصنعها، ولن يتبرع أحد بأدائها بدلا عنك). فهي خرجت من شرنقة الروائية وحلقت نحو الفكر والتأمل بحياة البشرية و التي صارت مرهونة بشاشة مرئية نعيش من خلالها، لذا أقول إن لطفية الدليمي لا تُقرأ متقطعة لأنّها مشروع أدبي فكري يأخذ مادته من التجارب المعاشة و عملت على اشراك القارئ بمشروعها وجعلته يفكر معها ويتسائل كيف يتعامل مع الاحباط ، وانتشار الأوهام؟ وكيف يكون الخيال بوصلة الانسان للوصول إلى الحقيقة ، وكيف يستطيع الأدب أن يغيير العالم، ومن أين يبدأ التغيير؟ لذلك سيجدها القارئ تركز على الذات وخلاص الانسان يبدأ من ذاته. الكاتبة لطفية الدليمي شجرة معمرة تنوعت أغصانها بين الكتابة الأدبية والفكرية والنقدية والترجمة وهذه الأخيرة هي الجزء الثاني من مشروعها الذي أخلصت لها وأصفه بالمشروع لأنها ترجمت بشكل منهجي يقترب من شغفها الأدبي والفلسفي والحكمة اليومية فأنا لا أنظر بعين الكم لنتاجها الثقافي والمعرفي بل أنظر إلى ذاتي وكيف تصغي إلى اسئلة الواقع في المتخيل الموجود بكتابتها وهي تقترح الأمل في كل زوايا الحياة، وبرحليها لم تمنحنا الوقت لنتدرب على الحزن ولا نملك أدوات تعبيرية لنكتب عن وداعها لأننا سننشغل بوصاياه ونواصل الكتابة التي تساعدنا على فهم ذاتنا والعيش بعالم مضطرب.


















