لذة الحديث – عبد المحسن عباس الوائلي

298

لذة الحديث – عبد المحسن عباس الوائلي

كم كانت الاحاديث شيقة كنا نصغي خشية ان تفوتنا كلمة وكنا نقول لاولادنا واصدقائنا بالله عليكم نبهونا على اخطائنا لأن المؤمن مرآت أخيه المؤمن.. كنا نحب النقد لانه يدلنا عن عيوبنا أما الان اختلف كل شيء وضاع منا كل شيء، ضاع الصدق والأخلاص والمحبة وحل محلها النفاق والدجل والغش والزور والرشوة والسرقة وحب الذات. ولكننا كثيرا ما نسمع ان الانسان لايرى عيبه، والكثير من أصحاب العيوب منا لايصدقون هذه المقولة، ومن منا بلا عيب؟ لهذا نردد دائما: الكمال لله. وما يعنيني هنا هو جهل صاحب العيب بعيبه، ودفاعه عن عيبه اذا اخبره احدهم به. وقد يتمادى البعض منا ويرى ان ما يراه الناس عيبا هو الامر الاصح، أو انه الصواب. والحديث عن البخلاء يأخذنا الى كتاب الجاحظ، الذي تناولهم بالطرائف الخالدة الى يومنا هذا. والبخل ليس صفة سيئة في ، ولكنه يؤثر سلبا في الاخرين. فالفقير البخيل لايلتفت اليه احد، لانه لايملك ما يبين كرمه، حتى وان أراد ذلك. اما الغني البخيل فهو الذي يتحدث عنه الاقربون والمجتمع. وما يعنيني هو ان هذا البخيل لايرى نفسه بخيلا. وقد يتمادى ويعتقد ان تقتيره هو الاصح، وان غيره هو غير السوي، أو ان تصرفاته بلا وعي، ويمكن الدفاع عن سلوكه وتقدير البراهين على انه انسان طبيعي، وانه لا شأن له بالبخل. وتنطبق صفة أصحاب العيوب الذين لايرون عيوبهم على جميع من لديه عيوب،  وحتى على طلبة المدارس، حيث ان الطالب المهمل في دراسته لايعترف بتقصيره، ويبرر ذلك بأن وضعه هو الامر الطبيعي، اما المجتهدون فهم لايفهمون وهم ليسوا اسوياء. لانهم يقضون وقتا طويلا في الدراسة، والرجل المهذار يعتقد انه طبيعي جدا، وان الصمت امر غير مستحب، وتشتهر النساء بظاهرة نقل الكلام. فمن لديها هذه الخصلة، حتى وان خسرت صداقات الأقارب من النساء، فلا تشعر بأسف على ذلك. ولا اعرف هل الكذب من العيوب أم انه اكبر من ذلك؟ فقد تهاون الناس مع الكذب، حتى صار البعض يستمتع بحديث رجل اشتهر بالكذب البريء، واصبح ممن يثيرون الضحك لانه يبالغ في كذبه. واعرف رجلا تتسابق عليه المجالس والدعوات، ويختار ما يشاء منها ليسمعهم كذبه المتقن والمبتكر، حيث يتابع الاخبار متابعة جيدة، ليقوم بتركيب فيلم جديد، وهو شخص لايعترف بأنه كاذب أو بأن عيبه ذلك. فأصبحت حياتنا عبارة عن مجموعة من التجارب، هناك الفاشلة منها، وهناك الناجحة. وهناك التي تزيدنا معرفة بالحياة، او لنقل انها تعلمنا كيف نتقن الاختيارات في المستقبل. ونظرا الى كبر الحياة وكثرة ناسها وتاريخها، ونظرا الى صغر عمرنا فيها، فليس من المنطقي ان نلم بكل شيء عن طريق التجربة، ولكن يمكننا ان نلم بأكبر قدر من المعرفة في الحياة من خلال تجارب الاخرين، التي تصل الينا عن طريق مؤلفاتهم أو بواسطة اللقاء والحوار معهم.  ونعرف ان اول درس للتجربة هو التعلم. وحين تكون التجربة مبتغانا فليس من الضروري ان نمارسها نحن لنتعلم. فحين يحذرك والدك من سلوك مشين لاترى ابعاده انت، فيجب عليك ان تأخذ به وكأنك مارسته وعايشته، فربما يكون والدك قد مر بهذه التجربة، وقد يكون أيضا سمعها ممن مر بها، واوصلها اليك دون عناء التجربة، حيث ان التعلم من تجربتك أو تجربة الاخرين يجنبك التعب. والامثلة العربية في كل قطر عربي، وكذلك الشعر العربي، اعطتا لتجربة أهميتها، فمن الأمثلة العربية “من جرب المجرب كان علقه مخربا” وهنا قد تجد من يغنيك عن تجربة الاخرين ان كان من جربهم قبلك أخا ثقة، حتى لاتصل الى اليوم الذي تقول فيه: لقد قيل لي، ولكني لم اصدق. ولبسمارك قول اثير: “الحمقى وحدهم يحتقرون تجارب غيرهم”.

 وكذلك قول “احذر الانسان الذي لايتعلم من تجاربه”، حيث يلدغ هذا الانسان من الجحر ذاته، وليس كما يقول المثل العربي: “لايلدغ المؤمن من جحر مرتين”. لنجعل تجاربنا اذن مفاتيح النجاح لنا في المستقبل، ولنجعل تجارب الاخرين درسا لنا عملا بالمثل “ألجاهل يتعلم من كيسه والعاقل يتعلم من كيس غيره”. ولاندري الى متى سيكون الحال واظن القادم اسوء بسبب عدم الاستقرار وقلة الثقافة لقلة القراءة.

مشاركة