لحن الخواء

لحن الخواء
حسين عبد الخضر
إهداء إليك.. والنصوص سجال.
بغيتي ترقد هناك، تطالعني من وراء الزجاج الساخر. كيان شفاف، رقيق، أملس، وبضع كلمات، تقف حائلا بيني وبين إعادة التوازن لعالمي الذي أصبح خاويا فجأة، ومن غير سبب. ما كنت أتوقع أن أقف هنا يوما، انتظر كعجوز تطاول به العمر ولم تنقضي في شرايينه شهوة الحياة، قوة مسترقة من حبة دواء تحمل سمات الفضيحة.
انسحبت إلي خارج الصيدلية، متواريا من خزي النظرات، أخاف أن ينقب الناس أفكاري المخجلة، من أين لهم أن يعرفوا في أي هوة سقطت. وقفت علي الرصيف كأي رجل يبذر الوقت، وصورة لا مبالاتها تفتك بمخيلتي. ليل طويل من الغموض يقف بينها وبينها، ويكاد تغيرها يقودني للجنون، طيف الكآبة الذي اكتسته فجأة، شحوبها، والبرود القاتل.
لا، لم تعشق غيري. لا يمكن لها ذلك، اعرف أنها تحبني.. تحبني لدرجة لا يحلم بمثلها أي رجل. لكن أجنحة لهفتها كفت عن الرفرفة.. توقفت كما ينقطع تدفق الحلم في صحوة مشاكسة. كانت ترفعني علي سحاب جسدها إلي السماء، فاصرخ : أنا الملك.. أنا الملك. لكنها، وفجأة، ارتدت وجهها الشمعي، فسقطت عن عرشي، وتهشمت كل أسرار بهجتي.
امرأة واحدة بقيت في الصيدلية، تلف جسدها بعباءتها السوداء، ربما كانت فقيرة، تريد أن تساوم علي سعر الدواء، فيصطدم رجاؤها بجشع الصيدلي. بعد قليل من الكلمات اللا مجدية، ألقت علي الطاولة نقودها، وخرجت.
الصيدلية فارغة الآن، وخلف الطاولة يجلس رجل سيطلع علي سر أسراري، سيخمن أن زوجتي باردة، ويعرف أنني اعجز عن دفعها إلي جنون النشوة. لن يذهب به الظن إلي أنني رجل شهواني تعجز رجولتي عن مجاراة متطلبات النساء، فمظهري لا يساعد علي تصور رجل نزق في مخيلة يسيطر عليها الجشع. ولكي لا اسمح لخياله أن يشتط بعيدا، دخلت بسرعة، وأردت أن أبدو كمن اعتاد علي إيقاظ فحولته بمحفز صناعي، لكنني تلعثمت، ولا اعرف كيف فهمني، فذهب إلي الدواء مباشرة، وناولني شريط الحبوب بوجه محايد، لم ترتسم عليه ملامح السخرية التي تصورتها ألف مرة وأنا في الطريق إليه.
دسست شريط الحبوب في جيبي بسرعة، لم التفت كي لا أثير فضول احد، وعدت انظر في اتجاه واحد.. فكرة واحدة تعكسها مرايا تفكيري.. مشهد واحد تجتره مخيلتي. الليلة سوف أخرجها من قالب الشمع.. سأعيدها، بهمتي المضاعفة، إلي ليالي الجنون والصراخ، عندما كانت تخبرني بشهقاتها أنها تحبني.. تحبني جدا.
وصلت البيت قبل الغروب بقليل، وكان هذا أفضل أوقاتها، تشع فيه نشاطا، تزداد القا، لمعانا، وكنا نلتقط الصور للغيوم الهاربة من حافة الظلام، حيث تدهشا الألوان علي الغيوم، في هذا الوقت تبدع السماء لوحات في منتهي الجمال.. وتبدع هي أسئلة ودهشة في غاية الطفولة.
نظفت البيت من الغبار المتراكم علي مدي أيام، وغسلت الصحون التي تراكمت علي حوض المطبخ، ثم أعددت العشاء، أصبحت هذه الأعمال من واجبي منذ تحولها إلي تمثال شمعي يتنقل في البيت بصمت شبح. جهزت المائدة، وسوية تناولنا الطعام. حتي عادتها في تناول الطعام تغيرت، تضع قطعة صغيرة في فمها، وتستمر تلوكها، ثم تسرح بخيالها إلي جزر نائية، بعيدة عني، ولا اعتقد أنها كانت تصغي لأحاديثي المتدفقة كنهر مضطرب. لو أنني لم أكن اعرف مدي تعلقها بي، لظننت أنها تطلب بتصرفاتها هذه الانفصال. لست بحاجة اليوم لمشاهدة فلم يثير غريزتي، كنت افعل هذا كل ليلة، علي مدي الأشهر السابقة، ولم ينفع في اقتلاع نظراتها اللا مبالية واستسلامها البارد. ذهبت إلي المطبخ، وتناولت الحبة سرا. بعد ساعة من الآن يمكنني استغلال مفعولها. عدت إلي الصالة، وتابعنا سوية، لا يمكنني ادعاء أنها كانت تتابع، ربما كانت جالسة فقط، فيلما عربيا شتت فكرته الإعلانات الطويلة، ورغم كل هواجسي، أخذت الحبة مفعولها.
ومن دون أن اكلمها، ربما لأنها اعتادت علي تلمس رغبتي، سبقتني، كالعادة، إلي السرير. استمرت نظراتها باردة، تخترق المكان، تجاهلت جريي في مساحات جسدها المستسلم، الهث، أعصر، والثم. وأعود حزينا كطفل يقضم تفاحة خيبته. شعرت بالإنهاك، وألم حاد اخذ يخترق ظهري، لكنني كنت أشجع نفسي، أقاوم سقوطي في وحل عنادها. تلاعبت بالإيقاع، سريع حد الجنون، بطيء كعزف الناي، لعلي اقتلع منها آه واحدة.. آه صغيرة كانت تمطرها في سماء نشوتي كسحابة كريمة، لكنها بقيت هادئة، وكأن الأمر لا يعنيها، أو انه يدور في مخيلتي فقط.
/2/2012 Issue 4121 – Date 13- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4121 – التاريخ 13/2/2012
AZP09

مشاركة