لبنان – 1991 رحلة في كوكب ممزق – احمد عبد المجيد

285

كتاب جديد لحسين الهنداوي يستخلص العبرة والإعتبار

لبنان – 1991 رحلة في كوكب ممزق – احمد عبد المجيد

تحتمل تجربة لبنان 1991  التي انهت صراعا دمويا دام 16 عاما بين فرقاء (الكوكب) الواحد، تفسيرات عدة. فهي تجربة الانقلاب على الهوية الوطنية، وتجربة الاستنزاف المادي والبشري المدمر، وتجربة الارتهان للخارج والاعتماد على دعم اقطاب الصراع السياسي الدولي المعتاد وغير المعتاد، وهي تجربة الاستقواء باسرائيل، من قبل بعض اللبنانيين خلال حقبة مهدت لغزو الجيش الاسرائيلي للجنوب ثم الزحف نحو العاصمة بيروت، ثم تجربة الصحوة والامتثال للمشتركات الوطنية قبل التمهيد لمؤتمر المصالحة او الاتفاق على اللجوء الى الحوار وانهاء لغة البنادق والسلاح الثقيل الذي قتل البشر وحطم الحجر. ثم هي تجربة طي صفحات الماضي بكل ما تحفل به من دم ودموع واوجاع، وقبول الاتفاق الذي اعاد للبنان وضعه المقبول داخليا والمأمول خارجيا.

درس الأرز

ازاء هذه التجربة وما بعدها وما رافقها يقف الرأي العام يتأمل العبرة ويستخلص الدرس من احوال بلد الارز المفعم بالاقتدار والاجتهاد والقدرة على اعادة الامور الى طبيعتها والاسواق الى ما كانت عليه، لكن مشكلة هذا البلد تظل قائمة بوجود الاستقطابات وشبح التبعية وان تظلان غير قادرتين الى جر الاوضاع الى الهاوية كما حدث عام 1976 حيث اندلعت الحرب الاهلية، التي يسميها الدكتور حسين الهنداوي (داخلية) في كتابه الجديد الذي صدر في بغداد مؤخرا بعنوان (لبنان 1991 – رحلة في كوكب ممزق). وقد يتوهم البعض فيرى ان لبنان تجاوز المرحلة التي يتناولها المؤلف في الكتاب، وانه لا استحقاقات قائمة لها حاليا، لكي يتولى كتاب بحجم كتاب الهنداوي ليتناولها بعد نحو 27 عاما من انصرام احداثها، لكن الواقع يكشف عكس ذلك ولاسيما ازاء تجارب تتكرر واوضاع تتبلور، تحت تأثير العوامل ذاتها احيانا، وضغط ذات المسوغات والاهداف احيانا اخرى. واني اجد صدور هذا الكتاب في سنوات راهنة يمر بها العراق وبلدان ما سمي بالربيع العربي التي كان لبنان بمنأى عنها، يكتسب اهمية خاصة ويدفع الى الزام السياسيين واصحاب القرار بقراءة الكتاب واستخلاص العبرة من تجربة لبنان، والافادة من الاجراءات والمبادرات التي شجعته على العبور الى لغة العقل واعتماد اليات الحوار ومنها الاليات الديمقراطية التي تمتلك مقومات احباط نذر النزاعات الدموية واحتواء محاولات اشعال الفتن، وان وصلت احيانا الى نقطة اللاعودة او المربع الاول. وكمثال على امكانية الافادة من تجربة لبنان 1991 يذكر الكتاب كيف تسنى استيعاب اعضاء المليشيات في المؤسسة العسكرية ويقول (من الظواهر السلبية الرئيسة التي نتجت عن مرحلة الحرب الاهلية اللبنانية وسيادة سطوة المليشيات انتماء الاف كثيرة من الشباب اللبناني الى هذه المليشيات كمقاتلين محترفين. فقد بلغ عدد هؤلاء عند المباشرة بتنفيذ اتفاقية الطائف ما يزيد على خمسين الفاً كان الكثير منهم بلا تأهيل مهني يسمح لهم بالانخراط في الحياة العامة وتنظيم حياتهم الخاصة اعتماداً على المقدرة الذاتية). وبرغم الصعوبات التي واجهتها الحكومة المشكلة بعد 1991  في انجاز هذا المشروع نتيجة الموازنة الطائفية والتمزق الولائي، كما يصح تسميته، فانها نجحت في استيعاب اعداد منهم في اجهزة الدولة التي لا تتطلب مهارة مهنية او خبرة وظيفية او لا تتطلب سوى دورات تدريبية سريعة. ولان المعوق الاصعب الذي واجهها يكمن في الاستحقاق المادي او المالي فقد جرى الاتفاق على استيعاب 20  الفا من عناصر المليشيات المدنيين في الاجهزة العسكرية والمدنية.

خطط مرحلية

اي ان الفرقاء اذعنوا الى القبول بالخطط المرحلية وتعاملوا مع الواقع القائم بحس برغماتي يفضي الى مكسب عام. ولا يكتفي الكتاب برسم ملامح العبرة من تجربة لبنان عند هذا الملف حسب، بل يشرح افاق الخطوات التي رافقت انجازه، من خلال اجراءات ميدانية تولتها قيادات الجيش الوطنية وامكنها تصحيح مسيرة الهياكل العسكرية التي توزعت ولاءاتها بين الطوائف والقوى السياسية النافذة، واعادت الاعتبار الى الجيش اللبناني كقوة حاسمة تعكس بدورها هيبة الدولة وتضع نهاية لتعدد الولاءات وتشتت البنادق داخل رقعة لبنان الارض. وفي هذا الاطار يتحدث المؤلف باسهاب عن الخطوات التي قطعها العماد ميشيل عون قائد الجيش النظامي الرافض لوثيقة الطائف (رئيس الجمهورية الحالي) وادخال الاصلاحات في ألويتها بمعونة اللواء سامي الخطيب انذاك. وكانت الخطوة الاولى في تنفيذ هذه الاصلاحات تعيين قائد مسيحي جديد للجيش هو العميد الركن اميل لحود الذي اصدر اوامره وتعليماته باعادة تنظيم الوحدات التابعة له وتعيين قيادات جديدة لمعظم الالوية والمناطق العسكرية.

وسارت خطة الاصلاحات على اساس رفع العدد الاجمالي لقوات الجيش من نحو 30  الفاً نهاية 1991   الى نحو 35  الفاً في المستقبل المنظور، وتعزيز وتحديث تسليح القوات المسلحة بشكل مناسب واعادة تجديد قيادات الجيش ورفع مستوى الملاك العسكري، فضلا عن وضع خطة مستقبلية لتقوية الجيش. وتظهر هذه الخطوات اهمية ان يكون اي جيش في العالم موحدا وقويا ليكون الوطن بالتالي، متماسكا معافى وثابتا. كما يفرد الكتاب فصلا للحديث عن المنظمات اللاحكومية والاحزاب والشخصيات الفاعلة واثرها في تفعيل وتشجيع خطوات اعادة لبنان الى عافيته، ويسجل للمؤلف، بحكم المهمة التسجيلية التي قام بها اساسا انذاك، انه التقى مئات الشخصيات اللبنانية واجرى حوارات معمقة مع اغلبها وارتبط بعلاقات صداقة معها اثمرت عن مده بالمعلومات المفيدة واطلاعه على بعض الاسرار والخلفيات التي ساعدته في كتابة (تقريره) الذي هو في الاساس مادة كلفته بها منظمة العفو الدولية. وربما لهذا السبب جاءت تقويمات التقرير الذي هو مادة الكتاب الاساسية، حيادية وتتصف بالموضوعية والدقة والامانة. ولاشك في ان كون الهنداوي عراقيا وليس لبنانيا، فان هويته افادته في بلوغ هذه الغاية، وان كانت تنطوي على محاذير في التعامل مع بعض اطراف الصراع اللبناني يومذاك.

وتضمن الكتاب الذي يقع في 337  صفحة ملاحق، بينها وثيقة الوفاق الوطني اللبناني او ما عرف باتفاق الطائف الموقع في 5  تشرين الثاني 1989 وانهى الكتاب بخاتمة تحت عنوان (هل كانت الحرب اللبنانية حتمية فعلا؟) وهو سؤال قد لا يحتاج الى اجابة من منطلق ان التضحيات التي رافقت تلك الحرب كانت جسيمة والدمار الذي تسببت به كان باهظا، غير ان لبنان خرج منها وقد اعاد ترتيب بعض اوراقه وتوجه مجددا الى حالة الدولة، ويرى المؤلف (ان لبنان دفع ثمن حرب لا علاقة له بها، حرب قسمته وقسمت ابناءه الى مناطق وجماعات متنازعة بشكل يصعب تصور نهاية لنزاعها)، ولان قضية لبنان مثل قضايا اخرى مرتبطة بأزمة الشرق الاوسط فان المؤلف يرى (اذا نجح الامريكيون في تحقيق السلام في الشرق الاوسط فان لبنان لن يكون مستفيدا بالضرورة من هذا السلام)، وهو رأي اشكالي كما يبدو لنا بحاجة الى وقفة لمناقشته، مثلما تحتاج هذه الخاتمة برمتها الى القول انها برغم تناولها محاور عدة، فهي غرقت بالتوصيفات السياسية الشعارية التي تتعارض مع القيمة البحثية والمؤهلات الاكاديمية التي تتصف به شخصية الدكتور حسين الهنداوي. واسجل له، اعتماد لغة بسيطة غير معقدة تقترب من لغة الصحافة قائمة على البناء السردي الروائي، احيانا والتوثيق التاريخي احيانا اخرى، ما يؤكد كفاءته في التناول اولا واحاطته بالموضوع والمهمة المكلف بمتابعتها ثانيا، وفي ظني ان اقامته في لبنان طيلة مدة اعداد التقرير وقد استغرقت نحو مئة يوم موزعة على زيارتين، سبقتهما تحضيرات اولية واتصالات ضرورية مع ابراز الشخصيات السياسية والصحفية والثقافية اللبنانية المقيمة في اوربا، ساعدته في جعل الكتاب وثيقة تحليلية امينة. ان مادة الكتاب في جوهرها حصيلة خام مصدرها، كما يذكر المؤلف، لقاءات مع عدد كثير من الشخصيات الحكومية اللبنانية وممثلي الجهات الرسمية، ولاسيما ذات العلاقة بحقوق الانسان ومع قادة المليشيات والاحزاب الرئيسة ومع عدد غفير من رجال القضاء والقانون من مختلف المستويات والانتماءات والهيئات والجمعيات والشخصيات اللبنانية المهتمة بحقوق الانسان وقضايا المعتقلين واوضاع السجون.

حصيلة فريدة

 وهي حصيلة فريدة، ربما كانت بحكم زخمها وراء وجود تكرار ملحوظ في عرض بعض المواقف والحوادث في ثنايا الكتاب، اعترف المؤلف بوجودها في التمهيد الذي كتبه، مع الاشارة الى انه اضطر الى (ادخال بعض الهوامش الطفيفة المستوجبة استدعاها التوضيح او التنقيح الضروريين).

ورأينا ان نوعا من الشعور بتقادم الزمن لازم المؤلف عند صدور الكتاب، لكن ما يشفع له ان تجربة لبنان 1991 ستظل حية يحتاج المؤرخون والمحللون الى مراجعتها وتقويم نتائجها السلبية والايجابية لجيل السياسيين وصناع القرار في الوقت الراهن، ليستوعبوا دروسها ويتجاوزوا منزلقاتها واخطارها ويتجنبوا الوقوع في خطايا الكبرى (الحروب الاهلية او الداخلية)، التي لا تزيد اوضاعهم الا تعقيدا واحوال بلدانهم الا دمارا واوجاعا وانزلاقاً نحو الفوضى.

مشاركة