لا يوجد تباين بين الرواية والقصة والمسرحية – اضواء – عبد الصاحب البطيحي
اجرت الكاتبة الأمريكية ميغن كوراشج الحوار الآتي مع القصاص الأمريكي بَن لوري يخص كتابه الأول” حكايات الليل والنهار ” ومنهجه في الكتابة.آثرتُ ترجمة هذا الحوار إلى اللغة العربية لما له من تأثيرٍ في الكشفِ عن مسالك الفكر عند هذا القاص الأمريكي الحداثوي البارع , وعن دوافعه الإنسانية التي يضفي عليها رونقَ وروعةَ أسلوبه الخاص به ,فهو ينشد الواقعَ في مكامنه بهالةٍ من الخيال , ويخرج بحزمةٍ من القصص تحمل الكثيرَ من النقد اللاذع المبطن بالسخرية , يخاطب من خلالها, ذهن الصغار والكبار في وقت واحد .
( المترجم )
ميغن : مرحباً بن
بن لوري : مرحبا ميغن
ميغن : حكايات الليل والنهار هي مجموعة من القصص القصيرة . ولأن هناك عدداً رائعاً منها ، ولأنها العمل الأدبي الأول الخاص بك ، ولأن لك ميل خاص لهذا النمط من الكتابة كما افترض، أسأل ما الذي شدّك الى القصة القصيرة ؟ وما هي في رأيك الخصائص التي تجعل مجال الرؤية عندك جيداً ؟ أتجد نفسك مع قصةٍ تنمو الى ما بعد طول القصة القصيرة ؟ وماذا تفعل بعد ذلك ؟
بن لوري : حسن . صحيح انني أكتب قصصاً قصيرة – غالباً ما تكون قصيرة جدا- لكنني كما أعتقد لا أجد تبايناً بين القصة القصيرة وبين الرواية أو الرواية القصيرة أو المسرحية أو مسرحية الشاشة أو الأفلام أو القصيدة الملحمية . اهتمامي في الحقيقة ينصبُّ على القص نفسه مهما كان طول القصة أو أجوائها . وكقارئ ، انا أبحث عن الرؤية الأصيلة ، الرؤية الخلاقة المغلفة بإطار عاطفي ، كما أميل الى التفكير بكون القصص تقنيات أو تعاويذ مصممة لتحويل الإدراك .
أساساً ، أنا ارسطي ، أبحث عن التطهير والارتخاء . أما لماذا أكتب القصة القصيرة – لا أعلم ،إذ ذاك ما يظهر للعلن . أعتقد انني أحب ذلك فقط عندما تنمو الأشياء في الذهن . لكنني لا أعارض كتابة نص أطول شرط أن يكون لدينا نص أطول . لا ارى أي مبررٍ لجعل القصة أطول لمجرد رغبتنا بإظهارها كذلك .
ميغان : تحدث في قصصك اشياء غرائبية لكن ، وبجزئها الأكبر ، تحدث على نحو بالغ الجدية أو ببراعة غير مفاجئة، كيف ترد الى ذهنك تلك الأفكار؟ هل هي من وحي عالم الأحلام ؟ أم هي نابعة من اللامكان ؟ هل هي رموز أم اصفار أم اشياء تخطر على بالك ؟ ما الذي يسحبك نحو ما هو غرائبي وعجائبي ؟
بن لوري : عندما أكتب تبدو الكتابة ، في المراحل الأولى على الأقل ، كما الحلم على الصفحة ، فأنا أجلس خالي الذهن من أية أفكار أو مسلمات مسبقة ، وما يُكتَب هو ما يردُ الى الذهن في صورته الأولى ، لذا تأتي تلك الصورة ، دائماً ، غامضة ( ذلك لأنني لا امتلك أيّ فكرة من أين ولماذا تأتي تلك الصورة )،و من ثَمَّ ،ينبغي أن أخلق شخصيةً لتتفاعل معهاوبهذا أكون قد حددت المسار. واعتقد ان هذا هو العمل في مجالات القص كلها .فهو يشبه لغماً ينفجر في غموض تام فيكشف عن عوالم حيث تكون القوانين الفيزيائية فيها عوالم شعرية . لا اتعامل مع الرموز أو الأصفار إن كنت تعنين تلك التي ترافق توصيفات مسبقة ، انا لا يشغلني توضيح الفكرة إذ شاغلي هو البحث عن المعنى . أما ما الذي يدفع بي نحو الغرائبية والعجائبية . . . ماذا أقول ؟ لا أحب أن أكون مُضجِراً .
ميغن : أحسب أن قصة ” البط ” هي قصتي المفضلة . لقد قرأتها ، أصغيت اليها وهي تُذاع في المذياع، وتركت شخصاُ ما يقرأها على مسامعي .أنا شغوفة بها جداً . إنها توجه لي ركلةً على البطن, اسأل : من بين قصصك ، ماهي الأكثر إثارة في نفسك ؟
بن لوري :جميع قصصي توجه لي ركلات على البطن .لا انشر نصاً ما لم أجد مشقةً في مواجهته . و بطبيعة الحال فان هناك قصصا اكثر صعوبة من غيرها . . هناك عدد قليل منها لم يسبق لي أن تمكنت حتى من قراءتها في الأماكن العامة ذلك لأنني أعرف انني لا أدبر أمرها , مثالها قصص : نهاية كل شيء,وعجلة فيرس , ومنزل على الجرف والبحر , وهادلي , وعلى نحو ما قصة البئر . إذ أنها تنقلني الى عالم آخر .ميغن : انت تعيش في لوس انجلس واشتغلت ككاتب سيناريو ، كيف اثّرت هذه الحقائق من سيرة حياتك على عملك ككاتب ؟
بن لوري : أنا مدين بكل شئ ، والى حدٍ كبيرٍ ، الى كتابة السيناريو ذلك لأنها تدفع بك نحو التفكير بالبناء القصصي . ليس عليك الاختفاء خلف مهارة كتابة الجمل ، انما عليك مواجهة الصراع بثباتٍ واتخاذ طريقك من خلاله ، إذ لا وجود لشيء آخر في كتابة السيناريو سواه ، إضافةً إلى انه يعلمك أيضاً أن تفكرين بصيغ رؤى بصرية .
اما لوس انجلس فأنها مكان غريب ، انها عالم أحلام شفيف يقطنه حالمون لهم تأريخهم الروحي العظيم مع شعور ضئيلٍ بالتماسك . لا اعتقد أن باستطاعتي الكتابة بالطريقة التي اكتب بها الآن لو كنت أعيش في . . قل في نيويورك ، ففيها واقعية أكثر مما ينبغي وكذلك أكثر مما ينبغي من الحركة . ليس لديك وقت أو خلوة لتحلمين كما تشتهين . لو كنت اعيش هناك فمن الأرجح أن أكون قد كتبت عن العقاقير وعن التسكع في الأزقة خلف الحواجز.
ميغن : ما الذي تفضله في الكتابة ؟ ما هو الشيء الذي يمثل الحد الأدنى مما تفضله ؟ أمن الممكن أن تتخيل القيام بعمل آخر ؟ إن كان نعم ، فما هو ؟ وإن كان لا ، فلماذا؟
بن لوري : الكتابة عندي تكثيف تجريدي على نحو مطلق يشبه القفز من على قمة منحدر شاهق أو القذف بك في الفضاء . ان الشعور الذي احصل عليه وانا أمارس كتابة قصة جديدة أمر مبهج للغاية ، لا يضاهيه شعور آخر – وكما يقال ، انا شغوف بالموسيقى وأعزف دائماً ، لكن الإختلاف بين الكتابة والموسيقى يكمن في كونك عندما تعزفين فانك تفعلين ذلك بمصاحبة الآخرين . وهنا أخذ وعطاء – إ حساس بالوجود الجمعي – وهذا ما يطمئن . إنه يجري على نحوٍ ممتعٍ لكن ليس كما وأنت تفتحين مصاريع العالم منفردةً .
الكتابة حرية مطلقة – ومن ثَمَّ تغدو عملا . بعد ذلك ينتهي الانفجار الشعوري المفاجئ الأول يعقبه الجزء الأصعب من العمل . أين تحدد كل شيء وتجعله مفهوماً ومقبولاً وترصف الأجزاء الى بعضها على نحوٍ ملائمٍ . وذلك العمل متعة أيضاً ، لكن على العكس من كونه مطلقاً .انه يشبه علم الآثار القديمة أو شيئاً آخر : إزالة الأتربة من العظام ، الصور ورصفها على هيئة مجموعات واجراء الاختبارات عليها ثم المراجعة والمحاولة وتصبب العرق والغضب والبصق في الهواء – لكن في آخر وقت من النهار تنالين الكثير من الشعور بالقناعة ( إن كنت قد رتبت كل شــــــيء على نـــحوٍ صحيحٍ ) . وأنت دائماً تتعلمين شيئاً لم تكن تعرفينه عن نفسك .
ان الجزء الأسوء في مجال الكتابة هو ما يتعلق بالنشر . وحتى ان هذا ليس بذلك الشيء الرديء.
ميغن :يتملكني فضول مفرط حول شئ ما ، وهو ما أسأل عنه المؤلفين دائماً :من خلال الكتابة ، كيف تكّون القصة نفسها ؟ هل تراها وهي تدورفي ذهنك ؟ هل تسمعها ؟ إم هي تخطو الى الأمام بعرض الحروف على الصفحة ؟
بن لوري : إنها نوع من الشعور يماثل ما يحدث في الحقيقة – إنها حيوية وخطرة تماثل حلم امتلكه واواجهه بصورة شبه واعية – لكنها في الوقت ذاته تنكشف أمامي كفيلم أو رسوم متحركة – أنا لا ارى الكلمات عند الكتابة ، إنما هي مُجاهَدةٌ تشبه مُجاهَدة مراسلٍ حربي يكتب تقريره بعنفٍ محاولاً السيطرة على الجنون .
ميغن : ما الذي يجعلك تعرف أن القصة التي تكتبها ناجحة ؟ هل يحدث هذا بعد الانتهاء من الكتابة؟
بن لوري : أعرف ذلك حالما تنهمر دموعي على نحو مفاجئبعد الانتهاء من كتابة السطر الأخير .
ميغن : ما الذي تعمله الآن ؟ ما هي مشاريع بن لوري في المستقبل القريب و التي نتطلع اليها بشغف عظيم ؟
بن لوري : أعمل الآن على كتاب مصور للأطفال مع مجموعة بنجوِن ، سيرى النور في العام القادم أو نحو ذلك ، كما انني اواصل كتابة القصص وتحت يدي مجموعتان . سوف نرى مبغن : وداعاً .
بن لوري : وداعاً..

















