لا لليأس والتشاؤم – حسين الصدر

719

لا لليأس والتشاؤم – حسين الصدر

-1-

في غمرة الانفعال من حدّة الصعوبات والتحديات التي يواجهها الشاعر قد يتطرف، ويبتعد عن شواطئ التوازن والاعتدال، فيُطلق من الاحكام مالا يصح على الاطلاق من قبيل قول الشاعر :

خلت الديارُ فلا كريمٌ يُرْتَجَى

مِنْهُ النوالُ ولا مَليحٌ يُعْشَقُ

ان الدنيا لا تخلو من الاسخياء والنبلاء ، ونحن لا ننفي امكان الانخفاض في منسوب المكارم والمآثر ولكننا ننفي غيابها الكامل عن مسرح الحياة…

ثم انّ الجمال ينبوعٌ لا ينضب فلماذا اختار الشاعر اليبس التام ؟

-2-

ويستخدم شاعر آخر ثقافته النحوية ليزرع بذور الاحباط في نفوس الناس،

وهو في هذا خارج عن حدود الموضوعية والعقلانية أيضا

اسمعه يقول :

فالرفعُ مِنْ بعدِهِ نَصْبٌ وفاعِلُهُ

عمّا قليلٍ بِحَرْفِ الجَرِّ يَنْكَسِرُ

يقول :

انّ الفاعل وإنْ كان مرفوعاً الاّ انّه سينكسر بعد قليل بحرف من حروف الجر ..!!

وكأنه حريص على أنْ يسلب البسمة من الشفاه حيث أنَّ البسمة قد تعقبها غصة وحسرة ..!!

وأين هذا من قول القائل :

كما أحسنَ اللهُ فيما مضى

كَذَلَكَ يُحسنُ فيما بَقي

انّ حسن الظن بالله يحول بين الانسان المؤمن وبين القنوط ، فتراه يعيش واثقا من رعاية ربه وعنايته ،

وهذا العنصر مهم للغاية فانه يسبغ عليه سمة السكون النفسي والاستقرار فيجعله مطمئنا واثقا ..

ونظيرُه قول الآخر :

وكيفَ أخافُ الفقرَ واللهُ رازِقِي

ورازقُ هذا الخلقِ في العُسرِ واليُسرِ

تكفّل بالأرزاقِ للخلق كلُهّم

وللضبِّ في البَيْدَا وللحُوتِ في البحرِ

ان الله سبحانه لا يتخلى عن مخلوقاته من الحيوانات، فكيف يتخلى عن خليفته المكرّم – وهو الانسان ؟

وجميل قول القائل :

لي في القناعةِ كنزٌ لا نَفَاذ لَهُ

وعِزّةٌ أوْطأَتْنِي جبهةَ الأسدِ

أُمسي وأصبحُ لا مسترفداً أحداً

ولا ضَنِيَناً بميسورٍ على أَحَدِ

فالقناعة كنز وعزّ يستغني بها المرء عن أنْ يطرق أبواب المخلوقين ، كما انه يأنف من  البخل والامساك متى ما كان قادراً على العطاء والاحسان…

-3-

ويقول آخر :

بلاني الزمانُ ولا ذنبَ لي

بلى إنّ بلواهُ لِلأَنْبَلِ

والضعف هنا في نقطتين :

الاولى :

تزكيةُ النفس وتبرئتُها من الذنوب ، وكأنّ الشاعر معصومٌ من الخلل والزلل والمعاصي والذنوب، بينما هو في الحقيقة لا يخلو من العيوب والذنوب ..!!

الثانية :

انه يجعل نفسه الأنبل من الناس ، وقبيح بالمرء أنْ يمدح نَفْسَه، وأنْ يبالغ برفعتها الى الحدّ الذي يجعلها الأنبل والأفضل ..!!

وأين هذا من قول الشاعر :

اني اذا ما نابني

أمرٌ نَفَى تَلَذُذِي

واشتد مِنْهُ جزعي

وجهّتُ وجهي للذي ..

انّ نوب الزمان كثيرة، ولكن المخرج منها هو التوجهُ نحو الربِّ العظيم، القادر على كشف الكربات، وتحقيق الأمنيات، وهو أرحمُ الراحمين وأسمعُ السامعين .

مشاركة