مقام المقال
لا للتعليم الإلزامي رجاءً – مقالات – علي إبراهـيم الدليمي
التعلم في الصغر كالنقش على الحجر، هكذا تعلمنا السياق الصحيح منذ صغرنا.. ولا نزال نحترم هذا المبدأ ونعمل على تجسيده بشتى الوسائل والطرق، لكي نؤدي الأمانة الملقاة على عاتقنا، وفي رقابنا أمام الله، وأمام أبنائنا، فقد كانت ظروفنا الإجتماعية والبيئية العامة ومبادئنا الإنسانية والأخلاقية تحتم علينا، وتوصينا بالإهتمام بالطفل وتعليمه منذ بدايته، وهكذا إقتضى الأمر، وتخرجت أجيال عظيمة جداً من أبنائنا المتميزين، منذ سنين طوال، وهي تقود البلاد في الميادين كافة.
وبعد ظروف الإحتلال الأمريكي، وما خلفه من نتائج سلبية يندى لها الجبين الإنساني، تولدت لدينا حالات، ضحيتها الأساسية والأولى، هي فلذاتنا البريئة، على حساب مستقبلها، وتعليمها.. وأرواحها التي تزهق يومياً بلا سبب.
فالطفل العراقي، اليوم الذي يريد أن يكمل دراسته الإبتدائية، في ظل هذه الظروف التعيسة، يواجه عقبات نفسية خطيرة، أثناء هذه المرحلة، فالفشل الدراسي إذا كان سببه التلميذ نفسه، من جراء الظروف الإجتماعية والسياسية المأساوية العامة، أو بسبب تلكؤ التعليم أساساً، أوالرسوب المتتالي، أو جميع هذه العوامل السلبية، التي تجعل عائلة التلميذ أن تدعوه لترك الدراسة ((التسرب))، والتوجه إلى العمل.. ومن ثم إلى المجهول.
وبعد ذلك، تتندر الحكومة باتخاذ إجراءات ستراتيجية حازمة، لتفعيل مشروع (التعليم الإلزامي) ومواجهة حالات التسرب في البلاد..!.
حسناً.. لقد كان هؤلاء (المتسربون) من قبل تلاميذ مواظبين في مدارسهم حسب قبولهم الرسمي في العمر، الذين جاءا بانفسهم، وهم يحملون آمالا وأماني مشروعة وجميلة في تطلعهم للمستقبل، وأنظار عوائلهم ترنو معهم إلى الأفاق البعيدة، لماذا إذاً نحملهم ما لاطاقة لهم فيه.. لينتسكوا، ويتيهوا في الحياة ؟!.
أتعلمون ياسادة، أن هكذا (مشروع التعليم الإلزامي) و(مشروع محو الأمية) وغيرها.. كم يكلف خزينة الدولة من مبالغ باهظة جداً؟.. خصوصاً نحن في زمن الفوضى والفساد المالي الفضيع، الذي يتراقص عليه الفاسدون لتحقيق مآربهم الدنيئة، وفق برنامج رسمي ممنهج حسب طاولة القانون، لتذهب هذه الأموال سدى، ولا من شاف ولا من درى!.
أنا أرى من المنطق، والواجب الوطني والإخلاقي الصحيح علينا جميعاً، وأتحمل مسؤوليته أمام الله والتأريخ والإنسانية، أن نلغي نهائياً، هكذا مشاريع (وهمية) التي يتخبأ تحتها الفساد المالي الكبير، ونحول مبالغه المخصصة لها، لبناء المدارس الراقية وتوفير المختبرات العصرية والمناهج العلمية المتقدمة، التي تسرع من مدارك ومفاهيم تلاميذنا المساكين، وصرف منها كذلك منح مادية (تكافل إجتماعي) للمحتاجين منهم، ومكأفاة المتفوقين (كتنافس علمي مشروع) وتهيئة لهم كل المتطلبات والمستلزمات التي تؤخذ بيدهم إلى المستقبل الزاهر لبناء وطننا الجريح.. وكذلك وهذا أهم سبب.. هو تتجاوز حالات الرسوب المتكررة، وإلغاء مبدأ الرسوب النهائي، في مرحلة الإبتدائية.. للتلاميذ البطيء التعلم، أو لظروفهم القاهرة، الذين يتسرب منهم سنوياً عشرات المئات، ومحاولة زجهم مع أقرانهم المتفوفين، رويداً رويداً، وحتى لا تتسرب معنوياتهم من داخل أنفسهم وبالتالي يتسربون نهائياً نحو المجهول، لتحتضتهم جهات إرهابية، توفر لهم، ملاذ تخريبي آمن، لندخل في مشروع فساد مالي فاشل أخر، تحت عنوان.. مكافحة الإرهاب.

















