لا خير في أمة لا تبصر – محمد حسب

549

لا خير في أمة لا تبصر – محمد حسب

وسط هذه الفوضى التي تسيطر على حواسنا واجزاء تكويننا المادية والحسية وخلال هذه الانفاق المظلمة التي نمر خلالها ونحن نخدع انفسنا بأننا نبصر ما يدور حولنا من ملابسات واقعية، والحقيقة ما نحن الا محدودي الارادة العقلية والفكرية. فمن منا يستيطع ان يفترض انه غير محدود التفكير وانه حر بأفكاره وآرائه وانه يرى ابعد مما تقع عيناه عليه؟  من يجب على ذلك بنعم يحتاج ان يسأل نفسه اولا، لماذا يحدث كل هذا، الفوضى، الدمار، الحروب، القتل، الفقر، العوز، انعدام الاخلاق؟  سؤال يبدو سهلا للوهلة الاولى لكنه يحتاج الى مجلدات لضم الاجابات التي تختزله.  وهل ثمة احد منا سأل نفسه لماذا هو خُلق؟ وما واجبه في هذه الحياة، وما هو الهدف الذي يقع على عاتقه، وما هي واجباتنا تجاه الحياة كبشر؟  قطعا القليل منا فكر بهذه الاسئلة، وحاول ان يبحث في طرق الاجابة عليها، لكنه انصدم بالصراخ المتطرف الذي يملأ العالم، صراخ ال (مع) والضد، وكأننا مشجعين نتجمهر حول حلبة مصارعة لا نسمع الا صراخا ولا نرى سوى عراكا لا نفع منه لأي منا. في زمن ليس بالبعيد، كان الانسان يفكر اكثر مما يتكلم، واليوم امسى الانسان يتكلم اكثر مما يفكر. ان دل هذا على شيء فهو يدل على مستوى هبوط تفكير الانسان.  صحيح ان التطور العلمي والتكنلوجي الحاصل الان هو طفرة في تأريخ التطور الصناعي، لكن من يستطيع انكار التطور الفكري الذي ساد البشرية في ظروف اصعب مما يعيشه انسان اليوم. نعم كان الانسان يغطي جسده بالقليل من قطع القماش التي تكاد تستر عورته، لكنه حقق معجزات صناعية، كأن نذكر منها معجزة بناء صرح الاهرامات في مصر، ومادمنا في مصر، من يستطيع اثبات اتجاه مجرى النيل الذي يخالف بسريانه اتجاهات كل انهار العالم؟ ولماذا لا نفترض ان الانسان هو من غير مجرى سريان النيل؟ هذا على سبيل الافتراض. ومن منا ومن علماء عصرنا يستطع اثبات ذلك او عكسه وان استطاع احدنا، فما هي الادلة التي يبني عليها افكاره؟ انا هنا لا اخاطب لا علماء الفيزياء والطبيعة  فقط وانما اخاطب من يدعون معرفة الفيزياء او من هم  بدرجته. انسان اليوم يلبس افضل الثياب، ويصنف اللباس ولونه كل حسب مناسبة معينة، فهو يهتم بمظره اكثر مما يهتم لدواعي ما يفعل، وهو سطحي دون اي عمق.  فلو طرحنا السؤال ادناه على انفسنا.

لماذا نلبس الثياب؟

ستكون الاجابة العامة تقريبا هي لستر اجسامنا، لكن يبقى السؤال يلاحق ماهية الشيء. فلماذا نستر اجسادنا دونما نستر عقولنا والسنتنا وقلوبنا؟ اليست هي اجزاء تكويننا ايضا؟

واذا اردنا سترها، فكيف؟

سؤال اخر يلوح في الافق ويطرح نفسه قائلا: لماذا تعلونا السماء، لمَ لا تكن اسفلنا وعكسها الارض؟ ولماذا لا نرى الخالق العظيم الذي ينكر وجوده الانسان المدعي التطور اليوم؟ خاصة فئة الشباب المدعية الثقافة في المعرفة، والرزانة في الفكر والرجاحة في العقل والذين ينصبون اسلحتهم ضد فكرة وجود خالق عظيم. انا هنا لست فقيه دين كي اقدم الاستفسارات، بل ربما اكون متأثرا بأفكارهم، لكن الافكار وحدها لا تشكل برهانا ودليلا عقليا، وانما وحده التفكير الحر المبني على اسس نظريات صحيحة هو الذي يبني اجابات لمثل هكذا اسئلة تنقصها الحكمة. في سابق العصور كان الانسان ”متخلف“ كما يتفق الكثيرون من البشر على ذلك، لكنه كان يسأل ويجب عن اسئلته واذا صعبت الامور بقي يبحث عن اجابة لهذا السؤال او ذاك وان استحالت الامور بقي يردد السوال وكأنه اجابة على نفسه، هذا ما كان يحدث في بلاد الاغريق قبل ثلاثة الالف سنة. اما اليوم فالانسان يتصور انه يمتلك كل الاجوبة لكل سؤال خاصة وانه يمتلك جهاز الكتروني يساعد عقله الناقص كما يظنه هو. الانسان اليوم اصبح الكترونيا اكثر مما هو طبيعيا، فلا اجوبة عقلية ولا اسئلة منطقية ولا غير منطقية للاسف. وكل هذه الفوضى التي سيطرت على العالم بأسره وخاصة ما يسمى العالم الثالث على وجه التحديد هي فوضى مخططة ومدروسة ومحبوكة بشكل جيد لاهباط وتسخيف عقلية الانسان الذي يظن انه متطور وفي الواقع ما هو الا بدائي ومتخلف. فالتخلف لا يعني دوماً انعدام المعرفة، ربما توجد المعرفة كما هو الحال في عصرنا ذا، لكن لا توجد بصيرة، والبصيرة هي الاخرى لا تأتي الا بعد تمام الاخلاق.

مشاركة