كيف‭ ‬نصنع‭ ‬ضحايا‭ ‬التنمّر‭ ‬؟-د. فاروق الدباغ

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬والمدارس‭ ‬يظهر‭ ‬طفل‭ ‬يصفه‭ ‬الكبار‭ ‬بأنه‭ ‬محير§.‭ ‬طفل‭ ‬ذكي،‭ ‬لغته‭ ‬جيدة،‭ ‬ذاكرته‭ ‬قوية،‭ ‬لكنه‭ ‬ينهار‭ ‬فجأة‭ ‬عند‭ ‬تغيير‭ ‬بسيط‭ ‬في‭ ‬الروتين،‭ ‬يغضب‭ ‬بلا‭ ‬سبب‭ ‬يبدو‭ ‬مفهومًا،‭ ‬ينسحب‭ ‬من‭ ‬اللعب‭ ‬الجماعي‭ ‬رغم‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬المشاركة،‭ ‬أو‭ ‬يتمسك‭ ‬بتفاصيل‭ ‬صغيرة‭ ‬بإصرار‭ ‬يرهق‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬الأهل‭ ‬يحتارون،‭ ‬المعلمون‭ ‬يفسّرون‭ ‬كلٌ‭ ‬من‭ ‬زاويته،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُختصر‭ ‬المشهد‭ ‬بجملة‭ ‬قاسية‭: ‬هذا‭ ‬طفل‭ ‬صعب‭. ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬ليس‭ ‬لغزًا،‭ ‬بل‭ ‬رسالة‭ ‬غير‭ ‬مفهومة‭ ‬بعد‭.‬

في‭ ‬البيت‭ ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬الطفل‭ ‬حساسًا‭ ‬بشكل‭ ‬مفرط‭ ‬للأصوات‭ ‬أو‭ ‬اللمس،‭ ‬ينزعج‭ ‬من‭ ‬تجمع‭ ‬عائلي‭ ‬بسيط،‭ ‬أو‭ ‬يرفض‭ ‬تغيير‭ ‬ترتيب‭ ‬أشيائه‭ ‬كأنه‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬مصيري‭. ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬عنيدًا،‭ ‬أو‭ ‬مبالغًا‭ ‬في‭ ‬ردود‭ ‬فعله،‭ ‬أو‭ ‬دلالًا‭ ‬كما‭ ‬يُقال‭. ‬وفي‭ ‬المدرسة‭ ‬قد‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬اللعب‭ ‬الجماعي‭ ‬رغم‭ ‬محاولاته‭ ‬الصادقة،‭ ‬يفهم‭ ‬التعليمات‭ ‬بشكل‭ ‬حرفي،‭ ‬لا‭ ‬يلتقط‭ ‬السخرية‭ ‬أو‭ ‬النكات،‭ ‬ويقع‭ ‬في‭ ‬صدامات‭ ‬متكررة‭ ‬مع‭ ‬أقرانه‭ ‬لأنه‭ ‬يسيء‭ ‬تفسير‭ ‬النوايا‭. ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يصبح‭ ‬هدفًا‭ ‬سهلاً‭ ‬للتنمر‭ ‬لأنه‭ ‬مختلف،‭ ‬ليس‭ ‬لأنه‭ ‬ضعيف،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬الأدوات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬الآخرون‭ ‬بالفطرة‭.‬

هذه‭ ‬السلوكيات،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬ليست‭ ‬سوء‭ ‬تربية‭ ‬ولا‭ ‬قلة‭ ‬ذكاء‭ ‬ولا‭ ‬خللاً‭ ‬أخلاقيًا،‭ ‬بل‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬دماغ‭ ‬يعمل‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭. ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬دور‭ ‬متلازمة‭ ‬أسبرجر‭ ‬أو‭ ‬أحد‭ ‬أطياف‭ ‬التوحد‭ ‬عالية‭ ‬الأداء‭. ‬الخلل‭ ‬الجوهري‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬العقلية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الإشارات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬غير‭ ‬اللفظية،‭ ‬قراءة‭ ‬تعابير‭ ‬الوجه‭ ‬ونبرة‭ ‬الصوت،‭ ‬تفسير‭ ‬النوايا‭ ‬المضمرة،‭ ‬والمرونة‭ ‬الذهنية‭ ‬عند‭ ‬التغيير‭ ‬المفاجئ‭. ‬الطفل‭ ‬يريد‭ ‬الانتماء،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يشرحها‭ ‬له‭ ‬أحد‭.‬

عندما‭ ‬لا‭ ‬يُفهم‭ ‬هذا‭ ‬مبكرًا،‭ ‬يدفع‭ ‬الطفل‭ ‬ثمنًا‭ ‬باهظًا‭. ‬يصبح‭ ‬عرضة‭ ‬للتنمر‭ ‬من‭ ‬أقرانه،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬من‭ ‬إخوة‭ ‬أكبر‭ ‬سنًا‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬هشاشته‭ ‬العصبية،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬يتعرض‭ ‬لضغط‭ ‬أو‭ ‬عقاب‭ ‬من‭ ‬معلمين‭ ‬حسني‭ ‬النية‭ ‬لكنهم‭ ‬يفسرون‭ ‬السلوك‭ ‬خطأ‭. ‬الطفل‭ ‬لا‭ ‬يتعلم‭ ‬فقط‭ ‬أنه‭ ‬مختلف،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أنه‭ ‬مشكلة‭. ‬هنا‭ ‬تتشكل‭ ‬بذور‭ ‬القلق‭ ‬والانسحاب‭ ‬والخجل‭ ‬المرضي‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬ترافقه‭ ‬إلى‭ ‬المراهقة‭ ‬والبلوغ‭.‬

متلازمة‭ ‬أسبرجر‭ ‬في‭ ‬الطفولة‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬تلقائيًا‭ ‬مع‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭ ‬تحدياتها‭ ‬وتظهر‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البالغ‭. ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البالغين‭ ‬الذين‭ ‬نشأوا‭ ‬دون‭ ‬تشخيص‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬يكونون‭ ‬أذكياء‭ ‬وواعين‭ ‬وناجحين‭ ‬أكاديميًا،‭ ‬لكنهم‭ ‬يدفعون‭ ‬ثمنًا‭ ‬نفسيًا‭ ‬واجتماعيًا‭ ‬صامتًا‭. ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بسبب‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬لا‭ ‬سوء‭ ‬النية،‭ ‬من‭ ‬إرهاق‭ ‬اجتماعي‭ ‬نتيجة‭ ‬محاولات‭ ‬دائمة‭ ‬للتمثيل‭ ‬والاندماج،‭ ‬ومن‭ ‬قلق‭ ‬واكتئاب‭ ‬ونوبات‭ ‬هلع‭ ‬يغذيها‭ ‬إحساس‭ ‬مزمن‭ ‬بعدم‭ ‬الانتماء‭. ‬في‭ ‬العمل‭ ‬قد‭ ‬يكونون‭ ‬كفؤين‭ ‬جدًا‭ ‬تقنيًا،‭ ‬لكنهم‭ ‬يتعثرون‭ ‬بسبب‭ ‬الغموض‭ ‬والمجاملات‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬والسياسات‭ ‬غير‭ ‬المكتوبة‭. ‬وقد‭ ‬يُساء‭ ‬فهم‭ ‬حساسيتهم‭ ‬الحسية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬دلال‭ ‬أو‭ ‬مبالغة،‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬استجابة‭ ‬عصبية‭ ‬حقيقية‭.‬

لهذا‭ ‬تصبح‭ ‬مهارات‭ ‬الأطباء‭ ‬والأمهات‭ ‬والمربين‭ ‬حاسمة‭. ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬محاولة‭ ‬“تصحيح”‭ ‬شخصية‭ ‬الطفل‭ ‬أو‭ ‬دفعه‭ ‬ليكون‭ ‬نسخة‭ ‬أخرى،‭ ‬بل‭ ‬قراءة‭ ‬السلوك‭ ‬قبل‭ ‬الحكم‭ ‬عليه‭. ‬تعليم‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُعلَّم‭ ‬عادة،‭ ‬شرح‭ ‬قواعد‭ ‬الصداقة‭ ‬والتفاعل‭ ‬خطوة‭ ‬خطوة،‭ ‬تدريب‭ ‬الطفل‭ ‬على‭ ‬تسمية‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬له‭ ‬بدل‭ ‬تركه‭ ‬غارقًا‭ ‬في‭ ‬الإحساس‭ ‬الغامض‭ ‬بالخطأ‭. ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬التنمر‭ ‬مسؤولية‭ ‬الكبار‭ ‬لا‭ ‬عبء‭ ‬يُلقى‭ ‬على‭ ‬كتفيه،‭ ‬ووضع‭ ‬حدود‭ ‬واضحة‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬والمدرسة‭ ‬ليس‭ ‬قسوة‭ ‬بل‭ ‬أمان‭. ‬تقوية‭ ‬هوية‭ ‬الطفل،‭ ‬مساعدته‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬نفسه،‭ ‬وتعليمه‭ ‬أن‭ ‬اختلافه‭ ‬ليس‭ ‬عيبًا‭ ‬بل‭ ‬نمط‭ ‬وجود‭ ‬مختلف،‭ ‬هو‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬لأي‭ ‬تدخل‭ ‬ناجح‭.‬

التشخيص‭ ‬المبكر‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬وصمًا،‭ ‬بل‭ ‬وقاية‭. ‬كلما‭ ‬فُهم‭ ‬الطفل‭ ‬مبكرًا،‭ ‬قلت‭ ‬احتمالات‭ ‬تطور‭ ‬القلق‭ ‬والاكتئاب‭ ‬والسلوكيات‭ ‬الانسحابية‭ ‬لاحقًا‭. ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يُشرح‭ ‬له‭ ‬عالمه‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬لا‭ ‬يكبر‭ ‬وهو‭ ‬يظن‭ ‬أنه‭ ‬فاشل‭ ‬أو‭ ‬غريب‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مرغوب‭. ‬يكبر‭ ‬وهو‭ ‬يعرف‭ ‬حدوده‭ ‬ونقاط‭ ‬قوته‭ ‬معًا‭.‬

ورغم‭ ‬كل‭ ‬التحديات،‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬مع‭ ‬أسبرجر‭ ‬يمتلكون‭ ‬تركيزًا‭ ‬عاليًا،‭ ‬أمانة‭ ‬فكرية،‭ ‬قدرة‭ ‬تحليلية‭ ‬عميقة،‭ ‬وحسًا‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬قويًا‭. ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬قدراتهم،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬لا‭ ‬تفهم‭ ‬الاختلاف‭ ‬ولا‭ ‬تفسح‭ ‬له‭ ‬مساحة‭. ‬المأساة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليست‭ ‬متلازمة‭ ‬أسبرجر،‭ ‬بل‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬المبكر‭. ‬عندما‭ ‬نقرأ‭ ‬السلوك‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬نقمعه،‭ ‬ونشرح‭ ‬العالم‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬نعاقب‭ ‬الطفل،‭ ‬نمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬أن‭ ‬يكبر‭ ‬آمنًا‭ ‬من‭ ‬التنمر،‭ ‬متوازنًا‭ ‬نفسيًا،‭ ‬وقادرًا‭ ‬على‭ ‬الانتماء‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭.‬