كيف نستمع و نحاور الآخرين؟ – إياد العناز

إياد العناز

قيمة الإنسان في حضوره الاجتماعي وتفاعله مع الوسط الذي يعيش فيه وطبيعة أراءه وكيفية معايشته للأحداث والتعبير عنها بعقل متفتح ورؤية ثاقبة واحترام للرأي الآخر والتناسق الفكري في التجاوب مع كل ما يطرح ويناقش أمامه في أي مجلس ومكان.
هنا تبرز أهمية النضج الفكري العقلاني الذي يتمتع به الإنسان وهو خلاصة سنين وتجارب من العمر التي عاشها والتي تكفيه للابتعاد عن التعمق الواسع فلا تستوقفه كثير من حالات الجدال التي تستزف قدراته الثقافية والفكرية، بل يبحث عن كيفية إيجاد قنوات للحوار الجاد والنافع وعبر التعبير الحقيقي عن الوعي والادراك الذي يمثل صدق الإنسان في علاقاته وزرع الاطمئنان ونشر البهجة في نفوس الآخرين والثقة المتبادلة معهم، عند محاورتهم والنقاش معهم بأسلوب حضاري وانساني عميق، وهو بذلك ينتصر لنفسه ويحقق ذاته في تكوين فضاء من العلاقة الوجدانية التي تشيع المحبة وتتسع لتكون مصدرًا مهمًا يمنح الضياء وشعاع التقبل والاستماع للاخرين.
مسارات الإنسان الفكرية تعطي ملامح حقيقة عن تطور بنيوي يمثل قدرته على التفكير الصحيح واتخاذ القرار السليم وفهم الأمور على حقيقتها دون تزويق أو تلوين وتحمل المسؤولية الذاتية وتقبل الاختلاف في الآراء وتقييم الأفكار بشكل عقلاني والتكيف مع المتغيرات والمواقف الجديدة التي تحيط بالمجتمع.

النضج العقلي والفكري يمنح الإنسان القدرة على الاستقرار النفسي ومراجعة الذات ومحاسبة النفس واتخاذ قرارات مناسبة مضيئة للوسط الذي يعمل فيه أو يتعايش معه، بحيث يجعل تعامله يتسم بالحكمة والعقل والمرونة عندما يحتكم لظروف الحياة وتحدياتها، وإظهار قدرته على فهمها واستيعابها والتعامل معها.

النضج الفكري لا يمثل مرحلة معينة ولا يقف عند سقف محدد وزمن عابر، بل هو حالة قائمة تمثل مسيرة إنسانية وتجارب ذاتية عمقت صورة العطاء والنضج العقلي وادراك أن الآراء تتبدل والمفاهيم تتجدد والقناعات تتغير، وما على الإنسان إلا أن جزءًا محوريًا وفاعلًا فيها، عندما يمتلك خلفية فكرية صادقة لا يكون بمعزل عنها، تلامس عمق النضج الفكري عندما لا تكون مرجعية متعالية بل تتحاور وتتقبل جميع الآراء والتيارات الفكرية والابتعاد عن اعتماد أساس واحد ومنهج موحد في تحقيق الرؤية المجتمعية وإنما توسيع دائرة الحوار ليتسع للجميع نحو مسار يوحد الرؤية وتنبثق منه برامج اصلاحية تنهض بالمجتمع وتعيد إليه اشراقاته وحضوره وتأثيره.
ركائز النضج الفكري أن يجعل الإنسان قدرته في التواصل الاجتماعي والابتعاد عن التعصب للذات وفهم الأمور والتعامل معها بشكل متساوي ومعرفة سلوك الناس وتقديم الناصح من الحياة إليهم لتصل بشكل مقبول إليهم، بعيدًا عن فرض الإرادات، بل التفاعل معهم واحترام وجودهم والاستماع لارائهم وإن حصل اختلاف معهم، فالقيمة الفكرية أن تُحقق حالة التوافق في الآراء وتعزيز الحضور الوجداني الإنساني مع من تستمع إليهم وتتقبل حواراتهم لكي يتم القبول بكل محبة وود.

لا يمكن للإنسان الناضج فكريًا أن يتميز إلا بانفتاحه وقبول الوجهات النظر الأخرى والوصول إلى بواطن الأمور وتعدد الثقافات ومسارات المعرفة المختلفة لكي يكون قادرًا على استنباط الأحداث وحل المعضلات بشكل فاعل وحضور إبداعي ورؤية اجتماعية صادقة.