كيف كُنّا وكيف صرنا؟ – حسين الصدر

كيف كُنّا وكيف صرنا؟ – حسين الصدر

-1-

من طريف الذكريات أنَّ صديقاً معروفاً باللباقة والظرف حدّثني ذات يوم قائلا :

سألني شريكي ( في متجر لهما لبيعِ الحبوب ) :

هل تمانع اذا ما قُمتُ بواجب الضيافة حين أُزار في المتجر أنْ ادفع من الصندوق ثمن ما قُدّم للضيف ؟

فقلتُ له :

إنْ كان الزائرُ قد قَصَدَكَ لشراءِ شيءٍ من المتجر فلا بأس بذلك .

أما اذا زارك صديق لا ينوي شراء شيء من المتجر

فادفع من جيبك لا من الصندوق ..!!

وواضح مِنْ هذا التفضيل أنَّ المتجر المشترك بينهما لن يتحمل مصاريف الضيافة الشخصية على الاطلاق .

-2-

وذكرتني هذه القصة بما قرأتُ بالأمس عن قصة مشابهة وقعت أيام تولي الراحل (طاهر يحيى) مسؤولية رئاسة مجلس الوزراء وكان ذلك تحديداً عـــام 1964.

يقول الخَبَر :

” عام  1964 أصدر طاهر يحيى رئيس الوزراء أمراً يصرف مبلغ 50 ديناراً عن قيمة نثرية لمكتب رئيس الوزراء لتدارك نفقات شراء القهوة والشاي لضيوف مكتب رئيس الوزراء .

وحين وصلت المعاملة الى الخزينة المركزية رفضها احد موظفي التدقيق ويُدعى (كريم عبد الله ) – وهو موظف من الدرجة السابعة ( كاتب تدقيق حسابات يحمل شهادة الدراسة المتوسطة) – رفض الموافقة على صرف المبلغ ،

وكتب على ظهر مذكرة مستند الصرف :

( انها دائرة حكومية ) وليست مقهى ،

ومن أراد أنْ يُضيّف الآخرين عليه أنْ يُضيفهم مِنْ جَيْبِه الخاص وليس من اموال الخزينة العامة التي هي مال الشعب )

وبعد يومين أرسل رئيس الوزراء طاهر يحيى شخصيا اعتذاراً للموظف ،

وطلب من وزير المالية مَنْحَهُ قِدَماً لمدة ستة أشهر تقديرا لنزاهته وحرصه على المال العام ،

وتم تعميم الكتاب وما كتبه الموظف على ظهر مذكرة مستند الصرف على دوائر الدولة في العراق .

أقول :

ولهذه القصة أشباهٌ ونظائر كثيرة في العهد الملكي ايضا

ان الحرص على المال العام هو المؤشر الحقيقي على الاخلاص والوطنية والنزاهة، وفي غياب الوازع الديني والاخلاقي والوطني – كما هو الحال اليوم في معظم مؤسسات الدولة واجهزتها – يصبح النهب للمال العام لذيذاً شهياً يتنافس عليه أبناء مدرسة الفساد الاخلاقي والمالي مُحاوِلينَ الاستحواذ على أكبر مقدار ممكن منه ..!!

ومن هنا :

تجد البلاد قد اتجهت الى حافة الهاوية، بعد أنْ غصّتْ بأوجاعها المالية والاقتصادية .

والغريب انْ اللصوص والقراصنة الكبار يمارسون عمليات السطو على المال العام بكل ارتياح واطمئنان، لا يخشون الله، ولا يعيرون اي اهتمام لما قد يلاحقهم من مساءلة قانونية .

وان سيطرة شبكات الفساد أصبحتْ ظاهرةً مشهودة لا يُنكرها الاّ منكروا ضوء الشمس في رأد الضحى …

ولا ندري الى متى سيطول الانتظار ليوم الحساب الحاسم، ليستعيد العراق عافيته وأمواله ،وليكون العقاب الرادع مانعاً من اجتراح عمليات السلب والنهب للمال العام ؟

Husseinalsadr2011@yahoo.com