كيف‭ ‬تطفو‭ ‬الذاكرة؟-كامل عبدالرحيم

 

قبل‭ ‬أيام‭ ‬قررت‭ ‬الذهاب‭ ‬لشراء‭ ‬قنينة‭ ‬شراب‭ ‬لعلني‭ ‬أحتفل‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬الميلادية،‭ ‬هناك‭ ‬محلان‭ ‬كبيران‭ ‬لبيع‭ ‬وتجهيز‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الرغبات‭ ‬المكبوتة،‭ ‬أحدهم‭ ‬غربي‭ ‬بغداد‭ ‬قرب‭ ‬نفق‭ ‬الشرطة‭ ‬وكان‭ ‬هو‭ ‬هدفي‭ ‬ويبعد‭ ‬قرابة‭ ‬12‭ ‬كيلومترا‭ ‬عن‭ ‬البيت،‭ ‬واخترت‭ ‬الذهاب‭ ‬إليه‭ ‬مشيا‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬مرامي‭ ‬أصلا‭ ‬هو‭ ‬المشي‭ ‬والتجوال‭. ‬خرجت‭ ‬ويداي‭ ‬في‭ ‬جيوبي‭ ‬وفي‭ ‬بالي‭ ‬اختيار‭ ‬طريق‭ ‬المحلة‭ ‬609‭ ‬كونه‭ ‬الأهدأ‭ ‬والأقل‭ ‬زحمة‭ ‬بالناس‭ ‬والسيارات‭ ‬مبتدئا‭ ‬من‭ ‬زقاقه‭ ‬والذي‭ ‬يطل‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬العام‭ ‬فيمتد‭ ‬حتى‭ ‬بلوغ‭ ‬تقاطع‭ ‬سهام‭ ‬العبيدي‭ ‬وسيد‭ ‬الحليب‭.‬

لي‭ ‬ذكريات‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الزقاق‭ ‬ومع‭ ‬تلك‭ ‬المحلة،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الباص‭ ‬رقم‭ ‬30‭ ‬بالطابقين‭ ‬يخترقه‭ ‬تاركا‭ ‬خلفه‭ ‬الطريق‭ ‬الرئيسي،‭ ‬وكنت‭ ‬أحب‭ ‬تلك‭ ‬العطفة‭ ‬فأراقبها‭ ‬من‭ ‬الطابق‭ ‬الثاني‭ ‬للباص،‭ ‬فأرى‭ ‬ربات‭ ‬البيوت‭ ‬ينشرن‭ ‬الغسيل‭ ‬والرجال‭ ‬الذين‭ ‬أحيلوا‭ ‬للتقاعد‭ ‬وهم‭ ‬يسقون‭ ‬حدائقهم‭ ‬بإسالة‭ ‬الماء‭ ‬الخام‭( ‬الخابط‭ ) .‬

وتبلغ‭ ‬متعتي‭ ‬أقصاها‭ ‬عندما‭ ‬ينعطف‭ ‬الباص‭ ‬نحو‭ ‬شارع‭ ‬الأميرات‭ ‬ومقترباته‭ ‬فتتسع‭ ‬الحدائق‭ ‬ومساحات‭ ‬البيوت‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من2000‭ ‬متر‭ ‬مربع،‭ ‬وقد‭ ‬استأجرت‭ ‬مرة‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬البيوت‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬تحول‭ ‬لاحقا‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬للسفارة‭ ‬المصرية‭ ‬ومالكته‭ ‬امرأة‭ ‬ارستقراطية‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬الهيمص‭.‬

في‭ ‬أيام‭ ‬الحرب‭ ‬الطائفية‭ ‬كنت‭ ‬أسلك‭ ‬هذا‭ ‬الزقاق‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬مبتعدا‭ ‬عن‭ ‬السيارات‭ ‬المفخخة‭ ‬والعبوات‭ ‬الناسفة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمر‭ ‬يوم‭ ‬الا‭ ‬نسمع‭ ‬أو‭ ‬نمر‭ ‬بواحدة‭ ‬منها‭ ‬وكون‭ ‬الشارع‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الصراع‭ ‬الطائفي،‭ ‬رغم‭ ‬هذا‭ ‬حصل‭ ‬تفجير‭ ‬على‭ ‬الكنيسة‭ ‬المنيفة‭ ‬والتي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الزقاق،‭ ‬تلك‭ ‬الكنيسة‭ ‬التي‭ ‬يرتفع‭ ‬في‭ ‬جبهتها‭ ‬صليب‭ ‬هائل‭ ‬الحجم‭ ‬بالغ‭ ‬الطول‭ ‬قد‭ ‬يكفي‭ ‬لصلب‭ ‬مئة‭ ‬مسيح،‭ ‬كنت‭ ‬أقصد‭ ‬حينها‭ ‬بائع‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬الشيوعي‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬سهام‭ ‬العبيدي‭ ‬وكممارسة‭ ‬للرياضة‭ ‬أيضا‭.‬

كانت‭ ‬فرصة‭ ‬إذن‭ ‬لمعاينة‭ ‬ما‭ ‬استجد‭ ‬في‭ ‬الزقاق‭ ‬إذ‭ ‬فارفته‭ ‬منذ‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬السنين‭ ‬وفي‭ ‬بالي‭ ‬معلمان،‭ ‬الأول‭ ‬أسواق‭ ‬نجاة‭ ‬وأيضا‭ ‬ماذا‭ ‬حل‭ ‬بمحلات‭ ‬مختار‭ ‬محلة‭ ‬609‭ ‬الحاج‭ ‬أبو‭ ‬أحمد‭ ‬وكان‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬موزع‭ ‬مواد‭ ‬البطاقة‭ ‬التموينية‭ ‬ولي‭ ‬معه‭ ‬حديث‭ ‬وذكرى،‭ ‬سأعود‭ ‬لأسواق‭ ‬نجاة‭ ‬ولأبي‭ ‬أحمد‭ ‬لاحقا‭ ‬ودعوني‭ ‬أتابع‭ ‬مسيرتي‭ ‬لهدفي‭ ‬وفي‭ ‬الطريق‭ ‬إليه‭ ‬عشرات‭ ‬العلامات‭ ‬فمررت‭ ‬بجامع‭ ‬المأمون‭ ‬وبحثت‭ ‬عن‭( ‬حارسه‭ ) ‬الذي‭ ‬كتبت‭ ‬عنه‭ ‬وصلة‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬بعنوان‭( ‬حارس‭ ‬الجامع‭ ) ‬حينما‭ ‬تم‭ ‬هدم‭ ‬الجامع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجديده‭ ‬فأقام‭ ‬هذا‭ ‬الحارس‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬ولا‭ ‬عمل‭ ‬له‭ ‬غير‭ ‬النظر‭ ‬بشكل‭ ‬منحرف‭ ‬للجامع،‭ ‬تم‭ ‬تجديد‭ ‬الجامع‭ ‬ولا‭ ‬أثر‭ ‬للحارس‭ ‬وهكذا‭ ‬مرورا‭ ‬بكنيسة‭ ‬تم‭ ‬تحديثها‭ ‬وجامع‭ ‬أعادوا‭ ‬بناء‭ ‬صليبه‭ ‬ومولات‭ ‬ومطاعم‭ ‬مستحدثة‭ ‬وشارع‭ ‬رئيسي‭ ‬أزال‭ ‬المقاول‭ ‬أرصفته‭ ‬ولما‭ ‬لم‭ ‬يقبض‭ ‬ماله‭ ‬تركه‭ ‬على‭ ‬حاله‭ ‬مخربا‭ ‬وهو‭ ‬الشارع‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬فبلغت‭ ‬نفق‭ ‬الشرطة‭ ‬واخترت‭ ‬الاستدارة‭ ‬على‭ ‬ساحته‭ ‬دورة‭ ‬كاملة‭ ‬واقتربت‭ ‬من‭ ‬هدفي‭ ‬وقد‭ ‬خططت‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬قبل‭ ‬منتصف‭ ‬النهار‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يتوافد‭ ‬الزبائن‭ ‬عليه‭ ‬ويفوتون‭ ‬علي‭ ‬متعتي‭ ‬البصرية‭. ‬دخلت‭ ‬مول‭ ‬المشروبات‭ ‬فوجدته‭ ‬كسول‭ ‬الحركة‭ ‬بزبائن‭ ‬معدودين‭ ‬فاستثمرت‭ ‬الحال‭ ‬لجولة‭ ‬ومتعة‭ ‬بصرية‭ ‬متفرسا‭ ‬مدققا‭ ‬بالماركات‭ ‬ومناشئها‭ ‬ونسبة‭ ‬الكحول‭ ‬فيها‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أسعارها‭ ‬بالضبط،‭ ‬تقاطعت‭ ‬مع‭ ‬شيخ‭ ‬مثلي‭ ‬ومعه‭ ‬معاون‭ ‬وسائقه‭ ‬وهذا‭ ‬الأخير‭ ‬يدفع‭ ‬بعربة‭ ‬تسوق،‭ ‬توقف‭ ‬الشيخ‭ ‬وهو‭ ‬يبتسم‭ ‬لي‭ ‬ويحاور‭ ‬معاونيه‭ ‬وبيده‭ ‬بطل‭ ‬ويسكي‭ ‬أراه‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬ومكتوب‭ ‬عليه‭( ‬فخر‭ ‬الصناعة‭ ‬العراقية‭ ) ‬وسعر‭ ‬القنينة‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬دينار‭ ‬فقط،‭ ‬سألني‭ ‬مبتسما‭( ‬شنو‭ ‬رأيك‭ ‬حجي‭ ) ‬فأجبته‭( ‬ألف‭ ‬عافية‭) ‬اتسعت‭ ‬ابتسامته‭ ‬فبانت‭ ‬أسنانه‭ ‬التي‭ ‬نهشها‭ ‬الزمن‭ ‬بقسوته‭ ‬التي‭ ‬جربتها‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬ضحكة‭ ‬وهو‭ ‬يشرك‭ ‬معي‭ ‬معاونيه‭( ‬سآخذها‭ ‬للحوثيين‭ ) ‬ابتسمت‭ ‬بدوري‭ ‬مثل‭ ‬الأبله‭ ‬وإن‭ ‬فهمت‭ ‬أنه‭ ‬يقصد‭ ‬عمالا‭ ‬أو‭ ‬حرسا‭ ‬عنده‭ ‬وتسميتهم‭ ‬بالحوثيين‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬البسالة‭ ‬وأيضا‭ ‬الفقر‭ ‬وتقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬تذكرت‭ ‬أو‭ ‬أعادني‭ ( ‬الحوثيون‭ ) ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭ ‬عندما‭ ‬دعوت‭ ‬أصدقائي‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬في‭ ‬مزرعة‭ ‬تعود‭ ‬لصديق‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬اليوسفية‭ ‬وكان‭ ‬عندي‭ ‬مجموعة‭ ‬عمال‭ ‬مصريين‭ ‬في‭ ‬تجارتي‭ ‬فجلبت‭ ‬اثنين‭ ‬منهم‭ ‬للمساعدة‭ ‬وخدمة‭ ‬الضيوف،‭ ‬عمال‭ ‬اثنان‭ ‬صعايده،‭ ‬مازلت‭ ‬أذكر‭ ‬اسميهما،‭ ‬محمد‭ ‬وسعيد‭ ‬فيهما‭ ‬كل‭ ‬صمت‭ ‬ونبل‭ ‬أهل‭ ‬الصعيد‭ ‬ولما‭ ‬اكتملت‭ ‬السهرة‭ ‬سألت‭ ‬الصعيدين‭( ‬هل‭ ‬تشربان‭ ) ‬فأجابا‭( ‬لا‭ ‬يابيه‭ ) ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬شربا،‭ ‬الكبير‭ ‬منهم‭ ‬وهو‭ ‬طويل‭ ‬وضخم‭ ‬يذكرني‭ ‬بعاشور‭ ‬الناجي‭ ‬بطل‭( ‬الحرافيش‭ ) ‬تناول‭ ‬بطل‭ ‬عرق‭ ‬سرمهر‭ ‬ففتحه‭ ‬وشربه‭ ‬صرفا‭ ‬وربضة‭ ‬واحدة‭ ‬فلم‭ ‬يترك‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ربعه‭ ‬وذهب‭ ‬لينام،‭ ‬وفي‭ ‬الصباح‭ ‬نهض‭ ‬مثل‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬ليقوم‭ ‬بواجباته‭ ‬المعتادة‭ ‬ولم‭ ‬يتغير‭ ‬فيه‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬نظرته‭ ‬البلهاء‭ ‬فاعتورها‭ ‬ذكاء‭ ‬عابر‭.‬

أكملت‭ ‬جولتي‭ ‬متريثا‭ ‬مستمتعا‭ ‬برفوف‭ ‬المول‭ ‬الأنيقة‭ ‬بقنانينها‭ ‬الملونة‭ ‬مختلفة‭ ‬الأحجام‭ ‬والأشكال‭ ‬والألوان‭ ‬ونوعيات‭ ‬المسكرات‭ ‬وقريبا‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬الدفع‭ ‬انتبهت‭ ‬إلى‭ ‬مايشبه‭ ‬الخزانة،‭ ‬مثبتة‭ ‬على‭ ‬الحائط‭ ‬ومرتفعة‭ ‬عن‭ ‬أطول‭ ‬قامة‭ ‬لرجل،‭ ‬خزانة‭ ‬بمثابة‭ ‬قفص‭ ‬زجاجي‭ ‬مقفل‭ ‬وفي‭ ‬داخلها‭ ‬معروض‭ ‬قنان‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أنها‭ ‬مميزة،‭ ‬اقتربت‭ ‬منها‭ ‬فقرأت‭ ‬لافتة‭ ‬تعريفية‭ ‬تقول‭( ‬مشروبات‭ ‬الأسواق‭ ‬المركزية‭ ‬والسوق‭ ‬الحرة‭ ‬معتقة‭ ) ‬فهفت‭ ‬روحي‭ ‬إليها‭ ‬وهي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مشروبي‭ ‬المفضل‭ ‬القديم‭ ‬والذي‭ ‬انقرض‭ ‬وتوقف‭ ‬انتاجه‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭ ‬وهو‭ ‬ويسكي‭ ‬نوعية‭ ‬لوكان‭( ‬Logan‭)‬،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬اقترب‭ ‬تراقصت‭ ‬لناظري‭ ‬أرقام‭ ‬أو‭ ‬أسعار‭ ‬تلك‭ ‬المشروبات‭ ‬فبدا‭ ‬تحت‭ ‬قنينة‭ ‬اللوكان‭ ‬رقم‭ ‬قرأته‭ ‬180،‭ ‬فقلت‭ ‬لنفسي‭ ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬180‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ ‬أو‭ ‬180‭ ‬دولار‭ ‬سأقتنيك‭ ‬وأشتريك‭ ‬وأذبحك‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة،‭ ‬اقتربت‭ ‬أكثر‭ ‬فاتضح‭ ‬الرقم‭ ‬لي‭ ‬وخاب‭ ‬أملي،‭ ‬كان‭ ‬سعر‭ ‬القنينة‭ ‬الواحدة‭ ‬1800‭ $ ‬أمريكي‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الشراب‭ ‬الثقيل‭ ‬رفيقي‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬البعيدة‭ ‬فنحصل‭ ‬عليه‭ ‬بسعر‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬السبعة‭ ‬دنانير‭ ‬ونحصل‭ ‬عليه‭ ‬بلا‭ ‬عناء‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬المركزية‭ ‬وبعد‭ ‬فترة‭ ‬لاحقة‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬الحرة‭ ‬حيث‭ ‬يجلبه‭ ‬لي‭ ‬بائعون‭ ‬مختصون‭.‬

قلت،‭ ‬ومن‭ ‬يشرب‭ ‬مشروبا‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الأسعار‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬للعرض‭ ‬فقط‭. ‬وقبل‭ ‬يومين‭ ‬وأنا‭ ‬أتابع‭ ‬لقاء‭ ‬مع‭ ‬مشعان‭ ‬الجبوري‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭ ‬أنه‭ ‬يجتمع‭ ‬بمحمد‭ ‬الحلبوسي‭ ‬بعد‭ ‬الساعة‭ ‬الواحدة‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬ملمحا‭ ‬بأن‭ ‬مجلسهما‭ ‬مجلس‭ ‬شراب،‭ ‬عندها‭ ‬أدركت‭ ‬من‭ ‬يشتري‭ ‬تلك‭ ‬البضاعة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عرفت‭ ‬من‭ ‬يبيعها‭.‬

  ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬محلة‭ ‬609‭ ‬وكما‭ ‬قلت‭ ‬كنت‭ ‬أفكر‭ ‬بالذي‭ ‬حل‭ ‬بأسواق‭ ‬نجاة‭ ‬لجهة‭ ‬إشباع‭ ‬فضولي‭ ‬فحسب‭ ‬لكن‭ ‬أصحاب‭ ‬الأسواق‭ ‬وهم‭ ‬عائلة‭ ‬تتوارث‭ ‬إدارة‭ ‬الأسواق‭ ‬أبناء‭ ‬لأولاد‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬غطوا‭ ‬واجهات‭ ‬الأسواق‭ ‬الزجاجية‭ ‬بما‭ ‬يحجب‭ ‬محتوياته‭ ‬بورق‭ ‬إعلانات‭ ‬أسود‭ ‬ففاتني‭ ‬مشهد‭ ‬الأسواق‭ ‬حيث‭ ‬تزدحم‭ ‬سلعه‭ ‬من‭ ‬بيض‭ ‬ومخبوزات‭ ‬ومعجنات‭ ‬ولحوم‭ ‬ورفوف‭ ‬ملأى‭ ‬بأنواع‭ ‬المواد‭ ‬مع‭ ‬أريحية‭ ‬بالحركة‭ ‬واكتفاء‭ ‬للزبون‭ ‬وكرم‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الأسواق،‭ ‬وهي‭ ‬أسواق‭ ‬يمتد‭ ‬عمرها‭ ‬إلى‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬وأكثر‭. ‬وكانت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسواق‭ ‬عريقة‭ ‬تتنافس‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬المنصور‭ ‬وتنتشر‭ ‬على‭ ‬رقعة‭ ‬صغيرة،‭ ‬هي‭ ‬أسواق‭ ‬اليرموك‭ ‬وبابل‭ ‬ونجاة،‭ ‬تحدثت‭ ‬مرة‭ ‬وأكثر‭ ‬عن‭ ‬اليرموك‭ ‬وأسواق‭ ‬بابل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬محمصة‭ ‬بن‭ ‬وكافيه‭ ‬صغير‭ ‬وهو‭ ‬ملتقى‭ ‬لي‭ ‬ولبعض‭ ‬الأصدقاء‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬وبالطبع‭ ‬لا‭ ‬أنسى‭ ‬أسواق‭ ‬عكاظ‭ ‬وكلها‭ ‬تشكل‭ ‬مربعا‭ ‬شهد‭ ‬طبقات‭ ‬وفئات‭ ‬وجاليات‭ ‬تأتي‭ ‬وتصعد‭ ‬وتذهب‭ ‬وتنزل،‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬بحثت‭ ‬عن‭ ‬بيت‭ ‬الشاعر‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يسكن‭ ‬هنا‭ ‬يوما‭ ‬لكن‭ ‬حركة‭ ‬الأعمار‭ ‬العشوائية‭ ‬والتجديد‭ ‬التجاري‭ ‬للبيوت‭ ‬و‭ ‬واجهاتها‭ ‬ضيع‭ ‬علي‭ ‬المعالم‭.‬

عدت‭ ‬إذن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اقتنيت‭ ‬مشروبي‭ ‬الذي‭ ‬أخفيته‭ ‬جيدا‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬وكون‭ ‬طريق‭ ‬العودة‭ ‬لا‭ ‬يتحمل‭ ‬مشقة‭ ‬سلكه‭ ‬سيرا‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭ ‬مثل‭ ‬الذهاب‭ ‬فاتخذت‭ ‬مقعدا‭ ‬متهرئا‭ ‬ومتعبا‭ ‬في‭( ‬كيا‭ ) ‬قديمة‭ ‬وكانت‭ ‬قبالتي‭ ‬امرأة‭ ‬ترتدي‭ ‬الحجاب‭ ‬والنقاب‭ ‬فلا‭ ‬يظهر‭ ‬منها‭ ‬غير‭ ‬عينيها‭ ‬ويصعب‭ ‬تقدير‭ ‬عمرها‭ ‬وأحسست‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬عينيها‭ ‬القلقة‭ ‬وكأنها‭ ‬تعرف‭ ‬سر‭ ‬ما‭ ‬أحمله‭ ‬بين‭ ‬طيات‭ ‬الأكياس،‭ ‬لكنها‭ ‬لأمر‭ ‬ما‭ ‬خاطبتني‭ ‬ب‭( ‬عمو‭ ) ‬فهدأ‭ ‬خاطري‭ ‬كما‭ ‬أني‭ ‬خمنت‭ ‬عمرها‭ ‬من‭ ‬صوتها‭ ‬كونها‭ ‬أصغر‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭.‬

‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬وربما‭ ‬بعد‭ ‬منتصفه‭ ‬وكنت‭ ‬قد‭ ‬كتبت‭ ‬شيئا‭ ‬على‭ ‬صفحتي‭ ‬علق‭ ‬الصديق‭ ‬س‭. ‬س‭. ‬ن‭ ‬عليه‭ ‬وعكس‭ ‬التعليق‭ ‬ربما‭ ‬مزاجا‭ ‬جيدا‭ ‬فاتصلت‭ ‬به‭ ‬ونحن‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك‭ ‬بين‭ ‬فترة‭ ‬وأخرى،‭ ‬اتصلت‭ ‬به‭ ‬لأحدثه‭ ‬عن‭ ‬قنينة‭( ‬Logan‭ ) ‬وسعرها‭ ‬المذكور،‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬لي‭ ‬هدفا‭ ‬للعام‭ ‬الجديد‭ ‬وهو‭ ‬سرقة‭ ‬هذه‭ ‬القنينة‭ ‬بأية‭ ‬طريقة‭ ‬ممكنة‭ ‬فضحكنا‭ ‬وهو‭ ‬يؤكد‭( ‬بوكها‭ ‬كامل‭ ) ‬بمعنى‭ ‬أسرقها‭ ‬وذنبك‭ ‬برقبتي‭ ‬وقادنا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬القنينة‭ ‬إلى‭ ‬الحانات‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نرتادها‭ ‬كل‭ ‬بشلته‭ ‬وعالمه‭ ‬فذكرنا‭ ( ‬الشاطئ‭ ‬الجميل‭) ‬بطابقيه‭ ‬فإذا‭ ‬بنا‭ ‬كنا‭ ‬نرتاده‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الأوقات‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الفترة‭ ‬تلك،‭ ‬بالطبع‭ ‬لم‭ ‬أتعرف‭ ‬على‭ ‬الصديق‭ ‬س‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬2003‭ ‬وكان‭ ‬تعارفنا‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬وفيما‭ ‬كنا‭ ‬نسترجع‭ ‬الشاطئ‭ ‬الجميل‭ ‬انبثقت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬حطام‭ ‬وركام‭ ‬الذاكرة‭ ‬حادثة‭ ‬كانت‭ ‬بوضعية‭ ‬إلغاء‭ ‬تام‭ ‬ولم‭ ‬تقدح‭ ‬يوما‭ ‬بذهني،‭ ‬كنا‭ ‬مجلسين‭ ‬أو‭ ‬مائدتين‭ ‬كبيرتين‭ ‬متجاورتين‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬متباعدتين‭ ‬فقاعة‭ ‬الحانة‭ ‬واسعة‭ ‬جدا،‭ ‬ورغم‭ ‬القمع‭ ‬وأجواء‭ ‬الحرب‭ ‬وقتذاك‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬الحديث‭ ‬حرا‭ ‬ومتحررا‭ ‬بل‭ ‬وبالضرورة‭ ‬يكون‭ ‬وبسبب‭ ‬صديق‭ ‬أو‭ ‬صديقين‭ ‬لهم‭ ‬أيضا‭ ‬صديق‭ ‬واثنان‭ ‬في‭ ‬المائدة‭ ‬الأخرى‭ ‬حصل‭ ‬تواصل‭ ‬وارتفعت‭ ‬نبرة‭ ‬الحديث‭ ‬وفارساه،‭ ‬كنت‭ ‬أنا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وفي‭ ‬المائدة‭ ‬الأخرى‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬واختلفنا‭ ‬يومها‭ ‬واسترجعت‭ ‬كامل‭ ‬الحوار‭ ‬وبنفس‭ ‬الوضوح‭ ‬جاءني‭ ‬يقين‭ ‬تام‭ ‬والصديق‭ ‬س‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬على‭ ‬الخط،‭ ‬بأن‭ ‬الشخص‭ ‬المقصود‭ ‬والذي‭ ‬اختلفت‭ ‬معه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غير‭ ‬س‭ ‬نفسه‭ ‬وأخبرته‭ ‬بذلك‭.‬

‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬أفكر‭ ‬بطريقة‭ ‬عمل‭ ‬الذاكرة‭ ‬وكيف‭ ‬تطفو‭ ‬طوابق‭ ‬منها‭ ‬وتغوص‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬وحل‭ ‬أو‭ ‬أعماق‭ ‬من‭ ‬النسيان‭ ‬والإهمال‭ ‬بعملية‭ ‬معقدة،‭ ‬وتلك‭ ‬الطبقات‭ ‬المغمورة‭ ‬تنتظر‭ ‬قدحة‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬كلمة‭ ‬أو‭ ‬صوتا‭ ‬أو‭ ‬وجها‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬قنينة‭ ‬شراب‭ ‬مستحيلة‭ ‬الشراء‭ ‬فتنبجس‭ ‬وتظهر‭ ‬وتطفو‭ ‬معلنة‭ ‬بأن‭ ‬الأشياء‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬لكنها‭ ‬تختفي‭ ‬فحسب‭….‬