كيف أعد كولن باول تقريره عن العراق أمام مجلس الأمن  – ترجمة:  محمد مظفر الادهمي

معلومات مخابراتية واهية بلا برهان

كيف أعد كولن باول تقريره عن العراق أمام مجلس الأمن  – ترجمة:  محمد مظفر الادهمي

في 21 كانون الأول 2002 كان مدير CIA  تنت ومساعده ماكلوكلن قد قدما إلى بوش ورايس وطاقمه في البيت الأبيض تقريراً عن أسلحة الدمار الشامل في العراق ، فجاء مخيباً لآمال بوش لأنه لم يكن فيه إثبات أو دليل ، ولن يجدي نفعا للحصول على ثقة الآخرين .كما اعتبره كارد عبارة عن ” تخبط ” ولا يوجد فيه شيء ملزم يدين العراق . ونتيجة لفشل CIA  بتقديم برهان على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل طلب بوش ورايس منهم أن يجمعوا أفضل المعلومات المتوفرة لديهم في وثيقة مكتوبة . وقد جاءت الوثيقة بـ 40 صفحة أرسلت إلى البيت الأبيض في 22 كانون الثاني 2003 م فقرر الرئيس أن يدرسها محاميين خبيرين ، فسلمت إلى ستيف هادلي وكيل مستشارة الأمن القومي ولويس” سكوتر” ليبي كبير موظفي مكتب نائب الرئيس تشيني . وقد قاما بزيارة CIA   وطرحا سلسلة من الأسئلة أجابت عليها الوكالة مكتوبة.

             في يوم السبت  25 كانون الثاني 2003 قدم ليبي عرضا مطولاً في ( غرفة الموقف Situation room  ) إلى رايس وهادلي وآرميتاج وولفوتز ودان بارتلت ومايكل جرسون .عرض ليبي خطوطاً عريضة للنسخة الأخيرة للقضية المعدة ضد صدام ، وكان يمسك بحزمة من الورق السميك ، وابتداء بالقسم المطول عن تسجيلات القمر الصناعي والمعلومات المخابراتية من الوكلاء  التي تظهر الجهود التي يقوم بها العراقيون في الخداع والإخفاء ، مثل أشياء تم حفرها وتحريكها ودفنها ، ولكن لا أحد يعرف على وجه التأكيد وبدقة ما هي هذه الأمور ، إلا أن المواقع والانسلال تطابق شكل إخفاء أسلحة الدمار الشامل . ومن الملاحظ أن ليبي قد بدأ كل مقطع من ورقته باستنتاج وهو أن صدام لديه أسلحة كيماوية وبايلوجية ، وهو يقوم بإنتاجها وإخفائها وان علاقاته بشبكة القاعدة التي يرأسها ابن لادن متعددة وقوية .

            استخدم ليبي الجزء المتعلق بالاشتباه بإرهابيين يضحكان حول حمار تم قتله بمادة الريسين وهي مادة سامة ، وكان ماكلوكلن قد أهمل هذا الجزء لأنه غير موثوق . ثم قال انه يعتقد أن محمد عطا ، وهو قائد هجمات 11/9? قد التقى في براغ ضابط مخابرات عراقي ، واستشهد بمعلومات مخابراتية عن تحقيق أربع اجتماعات معه ، بينما يعلم الآخرون أن لدى CIA معلومة على تحقيق اجتماعين محتملين ولكن لا يوجد شيء يبرهن عن ماذا كان يعمل عطا في براغ ، أو فيما إذا كان قد التقى بضابط عراقي .

تجاوز واحتيال

             أصيب وكيل وزارة الخارجية ارمتياج بالروع لما اعتبره تجاوزاً واحتيالاً وغلواً ومبالغة في المعلومات التي قدمها ليبي ، والذي كان يرسم فقط الاستنتاجات السيئة معتمداً على الشظايا والخيوط الحريرية . من جانب أخر اعتقد وولفوتز أن ليبي قد عرض قضية  قوية لان ولفوتز كان مقتنعا ومنذ سنوات باشتراك العراق في الإرهاب ضد الولايات المتحدة ، ولذلك أيد فكرة رامسفيلد بان عدم وجود الدليل لا يعني انه لا يوجد شيء ما . لقد كان مأخوذاً باحتمال وجود ارتباطات بين العراق والقاعدة وكان يعتقد أن غياب الدليل القوي هو متوقع لان القاعدة لديها انضباط أمني عالي المستوى.

            وبعكس ولفوتز ، قالت  كارين هوكز إن تقرير ليبي لن ينفع كوسيلة للاتصال بالآخرين ، وان الاستنتاجات التي جاءت في رأس كل مقطع كتبه ليبي أمر مبالغ فيه ، وأضافت إن الرئيس يريدها مثل احد المسلسلات التلفزيونية القديمة أن تكون عرضا للحقائق ونترك للناس أن يقوموا باستنتاجاتهم .

               تساءلت رايس وهادلي من هو الذي سيعرض هذه القضية أمام الأمم المتحدة بالشكل الذي أعده ليبي ؟ وكان الجواب إن رئيس الدبلوماسية باول هو الخيار المعقول للقيام بهذه المهمة . وبناء على ذلك قال بوش لوزير الخارجية باول ” أريدك أن تقوم بهذه المهمة … لان لديك المصداقية التي تؤهلك للقيام بها ” . لقد شعر باول بالغرور وهو يسأل من قبل بوش أن يعمل شيئاً لا يمكن لأي شخص آخر القيام به .

            أدلة واهية تربك باول :

            كان على باول أن يحدد  بالضبط الشيء الذي سيقوله إلى الأمم المتحدة ، لقد زوده ليبي رئيس موظفي مكتب تشيني بنسخة من 60 صفحة حول القضية ، وهى حوالي 50% أكبر من ورقة CIA والتي اعتبرها باول مثل قائمة الطعام الصينية التي سيختار منها . ولم تكن هناك في الورقة هوامش تشير إلى مصادر المعلومات، ولكن ليبي أرفق بالنسخة ملفات من مكتب موظفي مجلس الأمن القومي ومن مكتب نائب الرئيس تشيني. وقد وجد باول أن أكثر التقارير المخابراتية هي ضبابية ومظلمة وغير واضحة ، ولذلك كان يرغب أن يأخذ الحقائق من مصادرها المباشرة ليصنع قراراته . وكان وكيله آرميتاج يطالب بمعلومات موثوقة يمكنه أن يرفعها إلي باول . كما أن التدقيق في الصور الملتقطة من قبل الأقمار الصناعية صعب جدا: ماذا تعني هذه النقطة ؟ وما هي هذه الشاحنة ؟ أو النفاذ إلى الصورة لمعرفة معنى الكلمات المترجمة فيها . لقد وجد باول نفسه انه كلما تعمق ، كلما أدرك أن المصادر البشرية قليلة وبعيدة جداً عن أسلحة الدمار الشامل العراقية . أنها ليست صورة مناسبة ، ومع ذلك فقد كان باول ميالا لتصديق أن الأسلحة مخبأة ،  وكان قد استمع إلى إيجاز يقول أن معظم الوكالات المخابراتية الأجنبية الجادة في العالم قد توصلت إلي نتيجة وهي أن صدام يمتلك أسلحة دمار شامل . لقد كان باول يعلم أن مصداقية الولايات المتحدة والرئيس ومصداقيته هو نفسه ستكون على المحك في قاعة مجلس الأمن الذي حدد له يوم 5 شباط  2003 ، لإلقاء التقريرالقضية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية : ولذلك كانت أهم قضية تشغل ذهنه هي انه إذا أفرط أو بالغ في أي شيء ، أو أنه وضع شيئاً غير موثوق أو مهزوز في كلمته فان العراقيين سيمزقونه في اليوم التالي ، ولذلك كان عليه أن لا يترك أحد أجنحته مكشوفاً للعدو .        في يوم السبت الأول من شباط 2003 م ذهب باول إلى مقر CIA وقضى معظم اليوم يمحص في التقارير المخابراتية بما فيها المسودات ، وكان هناك الكثير من المواد الواهية ، وقد بقى هناك إلى ساعة متأخرة من الليل . وفي صباح اليوم التالي اصطحب معه وكيله ارمتياج واستأنف العمل ، وكان مدير CIA تنت ومساعده ماكلوكلن وآخرين من المحللين والخبراء يأتون ويذهبون إليهما وهما مستغرقان في العمل . لقد واجه باول مشكلة أن المخارج ( ما تم إظهاره ) لا تنطبق مع الكلمات ، لذلك لم يكن بإمكانه تتبع أي شيء  ولا يمكن لأي شخص أن يعرف مصادر تقرير معين بعد أن عجنت في البيت الأبيض ، ولذلك  كان عليه أن يبدأ بالنبش . أما وكيله ارمتياج فكان الشك يراوده بوجود أسلحة دمار شامل في العراق ، وربما يمتلكها الآن ولكن أين هو الدليل الأكيد والموثوق وتقارير المخابرات حول الأسلحة البايلوجية والنووية مشكوك فيها ؟

            إن أفضل شيء وجده باول و آرميتاج هو مقطع محادثة بين ضابطين عراقيين كبيرين من الحرس الجمهوري والذي كان ماكلوكلن قد استخدمه في تقريره أمام الرئيس والذي وجده بوش غير مقنع ، حيث يقول الضابط الذي هو برتبة زعيم إلى الضابط الآخر الذي هو برتبة عميد ان لديه عربة محورة من شركة الكندي ، هذه الشركة التي كانت سابقا مختصة بأسلحة الدمار الشامل . ثم ناقض الزعيم نفسه بالقول ” لقد قمنا بإخلاء كل شيء ولم يعد لدينا أي شيء ” إن هذا القول لم يكن واضحا وإنما هو إيحاء لا يمكن معرفة عن أي شيء يتكلمان ، ومع ذلك قرر باول استخدامه لأنه يخص ضابطين كبيرين ، خصوصاً وان كلمة ” إخلاء ” تبدو قوية  .وكان هناك مقطع آخر جديد يعود إلي ما قبل أسبوع يظهر احد ضباط المقر من الحرس الجمهوري يوجه أحد ضباط الميدان حول ” ذخيرة محرمة ” ومرة أخرى كان هذا الأمر مجرد إيحاء وليس دليل ، ولكن باول قرر استخدامه أيضا . أما المقطع الثالث الذي كان مالكوكلن قد استخدمه ، هو: ضابط برتبة زعيم يعطي التعليمات إلى ضابط نقيب لكي يمسح تعبير ” عناصر الأعصاب ” من تعليمات أصدرها باللاسلكي لأنه كان قلقاً جداً من أن أحدهم كان يتنصت عليه . وقد قرر باول استخدام هذه المقطع أيضا كدليل بالرغم من احتمال أن الضباط كانوا يقومون بإتلاف كتيب التعليمات لان عناصر غاز الأعصاب لم تعد موجودة .

باول أمام مجلس الأمن:

       لقد كانت أربعة أيام صعبة جداً لباول وهو يدرس التقارير المخابراتية . لقد شعر بان هناك الكثير من الاستنتاج فقط . إن رجال المخابرات استمروا يرددون إن لدى صدام بضعة درزينة من صواريخ سكود  “وان هذه الصواريخ لم يشاهدها أحد ” . وكما قرأ ، فقد رأى إن المفتشين السابقين  للأمم  المتحدة قد حسبوا ما يقارب 817 إلى 819 صاروخ سكود ، ولكن هناك معلومات أخرى تقترح انه توجد بقية منها ، ولذلك وافق أن يشير في تقريره بالقول إنه يوجد بضعة درازن منها .

امام الكاميرا

            قال باول لرئيس CIA   تنت ” ستذهب معي إلى الأمم المتحدة ” فقد أراد باول إن يجلس تنت خلفه أمام الكاميرات ، وكأن ما يقوله عند إلقاء عرضه هو قول تنت نفسه . وهكذا وأمام الملايين من الناس في العالم ، وهم يشاهدون ويستمعون إلى التلفزيون وبنقل مباشر، قدم باول عرضه وهو يرتدي بدلة سوداء ورباطاً أحمر . وقد بدأ باول حذراً حين قال ” لا يمكنني أن أخبركم كل الذي نعرفه ولكن يمكنني إن أشارككم فيه بالإضافة إلى ما تعلمناه جميعا خلال سنوات ، فان الأمر سيكون مقلقاً . إن ما سترونه هو تراكم من الحقائق ونماذج من السلوك المزعج ” لقد لعب باول حول عبارة   ( لقد أخلينا كل شيء ) [ وهي  قول العراقيين انه لم يبق شيء من أسلحة الدمار الشامل – المترجم – ]   فقد قرر أن يضيف تفسيراته الشخصية إلى الورقة التي تدرب على إلقائها . فأخذ [ المستمعين ]  بشكل أساسي بعيداً وألقى بهم في أقصى الظلمات . لقد كان قد أخبر ضباط المخابرات انه سيقوم بهذا لأنه كان قد تعلم في الجيش إن المعاني يجب إن توضح بلغة انجليزية جلية . لاحظ ما قاله :    ” لقد أخلينا كل شيء ” لقد كرر باول الآن ذلك ،  ثم قدم بعدها تفسيراته لهذه العبارة بالقول أنها تعني ” نحن لم ندمر أسلحة الدمار الشامل .نحن لم نظهرها للتفتيش، أننا لم نسلمها إلى المفتشين الدوليين “

            أما فيما يتعلق بموضوع التفتيش حول احتمال وجود ” الذخيرة الحربية المحرمة دولياً ” فقد ذهب باول بعيداً في تفسيره بالقول ” نظفوا جميع المناطق ، مناطق السكراب، والمناطق المتروكة . تأكدوا من انه لا يوجد شيء فيها ” ولم يكن أي من هذا في الورقة أمامه.

            مستشهداً بالمصادر البشرية ، قام باول بتقديم أكثر اتهاماته خطورة بالقول ” نحن نعلم من مصادرنا أن لواء  صواريخ خارج بغداد يقوم بتوزيع منصات إطلاق صواريخ ورؤوس حربية تحتوي عناصر بايلوجية حربية على عدة مواقع ” واستشهد بصور من القمر الصناعي ومصادر استخباراتية أخرى توحي إن عملية تنظيف قد جرت حول مواقع قديمة لإنتاج الأسلحة الكيماوية والبايلوجية قبل وصول مفتشي الأمم المتحدة وقال ” لا نعرف ما هو الشيء الذي أخلاه العراق … ولكن المفتشين لهم علم مسبق بهذه المواقع، وعليه فأن العراق كان يعلم أنهم قادمون إليها. يجب علينا أن نسأل أنفسنا. لماذا يقوم العراق فجأة بتحريك تجهيزات من هذا النوع قبل علميات التفتيش إذا كانوا فعلاً متلهفين للكشف عما يملكون وما لا يملكون ؟ “

            إن واحداً من أقوى اتهامات باول كان يعتمد على عدة مصادر بشرية قامت بتقديم روايات من خلال  المشاهدة حول ما قالوا إنها معامل أسلحة بايلوجية تسير على عجلات أو قاطرات سكك الحديد ، وعرض على الشاشة مخططات تفصيلية لمختبرات متنقلة كما أشار إلى طائرات مسيرة بدون طيار وقال ” لقد تحققنا من إن احدث هذه الطائرات قد وصل مداها عند تجربتها إلى 500 كيلو متر ” . وهذا يعني إن المدى هو ثلاث مرات أكثر من 150 كيلو متر المسموح بها من قبل الأمم المتحدة . وقال باول بنبرة تهديدية إن هذه الطائرات المسيرة تمثل خطرا عظيما كامناً بدون أن يقدم دليلا على ذلك وأوضح ” إن بإمكان العراق إن يستخدم هذه الطائرات المسيرة الصغيرة والتي لا يتجاوز طول جناحها بضعة أمتار ، لنقل العناصر البايلوجية إلى جيرانه أو، فيما إذا نقلت بعد ذلك،إلى بلدات أخرى بما فيها الولايات المتحدة “

            وصف باول ارتباطات العراق بالقاعدة بأنها ” علاقات أكثر شراً وبشكل كامن ” وطرح قصة الزرقاوي والاتصالات الأخرى .وقال ” إن البعض يعتقد، والبعض يدعي إن هذه الاتصالات لا يعتد بها كثيراً. انهم يقولون إن صدام حسين شخص علماني والقاعدة منظمة دينية وعليه فأنهما لا يتلاءمان . إنني لست مرتاحاً لهذا التفكير ” مضيفا بطريقة المضاربة ” الطموح والكراهية هما كافيان لان يجلبا العراق والقاعدة لبعضهما” وقال الوزير ” نحن نعلم إن صدام حسين مصمم على الاحتفاظ بأسلحته، أسلحة الدمار الشامل، وهو مصمم على زيادتها.. فهل نخاطر بالقول انه لن يستعمل في يوم ما هذه الأسلحة في الوقت والمكان الذي يختاره هو ، وفي وقت يكون العالم في وضع  أكثر ضعفاً في مواجهته ؟ إن الولايات المتحدة لن وليس بإمكانها إن تعرض الشعب الأمريكي لمثل هذا الخطر .”

            لقد استمر عرض وزير الخارجية الأمريكي باول أمام مجلس الأمن لمدة 76 دقيقة . إن الفهم العام للمصادر الاستخباراتية والوسائل والتفاصيل ربما تكون أكثر أهمية من الجوهر، بالرغم من إن باول قدم أكثر من مائة تخصيص . إن العنصر المهم هو أن باول قد قام بعرض القضية ، وإن المزج بين المبالغة وعدم المبالغة والانفعال الشخصي هي من اجل العرض التلفزيوني المؤثر .

مشاركة