

المسار الإبداعي والفكري للإعلامي والكاتب عبد العزيز كوكاس: جدلية التوثيق والتحرير في زمن الشتات الثقافي

نور الدين طاهري
يُمثل الإعلامي والكاتب المغربي عبد العزيز كوكاس حالة نقدية وإبداعية تتجاوز التصنيف التقليدي للكاتب والصحفي. مسيرته ليست مجرد تتابع زمني للإصدارات، بل هي مشروع فكري متكامل يقوم على جدلية توتر خلاّق بين ضغط الصحافة اليومية المُلزِمة وهاجس الكتابة الإبداعية التحررية. هذا التداخل أنتج نموذجا فريدا للكاتب الذي يعيش صراع الزمن العاجل وضده، محولا “لعنة التنقل المهني” إلى ثراء معرفي مكّنه من تشريح الواقع بحدة الناقد والاحتفاء به بصدق المبدع.
القسم الأول: الجدلية المؤسسة – تفكيك التنافر بين الصحافة والإبداع
تكمن فرادة كوكاس في توظيفه الماهر للتوتر الخلّاق بين حقلين يبدوان متنافرين: الإعلاميّة العاجلة والإبداع المتمهل. هذه الجدلية ليست مجرد تداخل وظيفي، بل هي محرك إبستمولوجي (معرفي) لصوغ رؤيته للعالم.
أولا: الصحافة: مرآة التفكك والوعي القسري
عمل كوكاس كإعلامي متمرس، تنقل بين منابر وصفها بـ”صحف النقمة”، فرض عليه نمطا من الكتابة يتسم بـالصرامة والتشريح:
– المطاردة اليومية للعابر: الصحافة هي فضاء التفاعل اللحظي مع الأحداث السياسية والاجتماعية المتغيرة. هذا الإيقاع السريع يُعلّم الكاتب حدة الملاحظة وكثافة اللغة الاختزالية (وهي مهارة سينعكس أثرها لاحقا في فن الشذرة). هي مطاردة تفرض التعاطي مع “العابر في الزمن”، مما يمنح الكاتب وعيا حادا بتقلبات الواقع.
– تشريح الأعطاب والمساءلة: أدى انخراطه في هذا الحقل إلى اكتساب وعي تشريحي دقيق لأعطاب المجتمع والسلطة، ما يجعل كتاباته السياسية والفكرية عميقة، بعيدة عن السطحية أو المواربة. هو يعترف بأن الصحافة تجعله “يذهب إلى فراشه كل ليلة مثل حكيم ويستيقظ مثل جاهل”، وهذا الشعور بـنقص المعرفة الدائم هو ما يدفعه نحو البحث والتجريب الإبداعي، في محاولة لإيجاد الإجابة التي عجزت عنها المقالة الصحفية.
– الصحافة كقدر محول: تحولت “لعنة التنقل” المهني وعدم الاستقرار في منبر واحد إلى ثراء وتنوع، ومنحته القدرة على استنشاق “هواء جديد” وعدم “الاستقرار مثل الماء”، وهو ما يعاكس الرتابة والتخشب. هذا التنقل يمنح الكاتب منظورا متعددا لتأمل الوسط الإعلامي والثقافي نفسه، وهو ما يظهر في كتاباته النقدية عن انهيار الصحافة والقيم.
ثانيا: الإبداع: مختبر التسامي ومقاومة “الموت والتخشب”
في المقابل، يمثل الإبداع (الرواية والشعر والنقد) فضاء للهروب الإيجابي والتعمق الوجودي، حيث:
– التجريب للخلود: يعتبر كوكاس الكتابة الإبداعية محاولة لـ”مقاومة الموت والتخشب”؛ فبينما تسعى الصحافة لتوثيق اللحظة، يسعى الإبداع للخلود، عبر “التجريب” اللغوي والشكلي (كما في رواية “ذاكرة الغياب”). إنه يرى أن الإبداع لا يتحقق إلا عندما يُنظر إليه ك”فعل تم واكتمل” في مادة نصية، ولكنه يظل في جوهره “غير مكتمل في الزمان والمكان”، مما يدفعه إلى التطوير المستمر لأسلوبه.
– تحويل النقمة إلى فن: ينجح الكاتب في تصفية “نقمة” الواقع اليومي وضغوط المهنة إلى “لغة فنية باذخة” ووجع متسامٍ. هذا هو جوهر التكامل؛ فالهموم التي يطاردها الصحفي تتحول إلى مادة خام غنية للمبدع، حيث تتجسد في دواوينه الشعرية والروائية.
– توحيد الأدوات (الشذرة): يظهر التكامل في تبنيه ل”الشذرة” كجنس أدبي، إذ تمثل النقطة التي يلتقي فيها الإيجاز الصحفي بعمق الرؤية الفلسفية. إنها أداة تجمع بين الإيجاز الإخباري والكثافة الوجودية، وهي محاولة لـ”كتابة الصمت” باختزال.
القسم الثاني: السرد الشعري والنقد التأسيسي – ملامح التجربة الإبداعية
تتجسد رؤية كوكاس في أعمال محددة تمثل نقاط تحول في مشروعه، حيث يتداخل فيها السرد والنقد والتنظير.
أ. الإبداع السردي: “ذاكرة الغياب” وتفكيك السردية الكبرى
تُعد رواية “ذاكرة الغياب” (2001) بمثابة النص التأسيسي الذي رسم ملامح مغايرة لكتابة كوكاس. لم تكن الرواية مجرد سرد قصصي، بل كانت بيانا جماليا وفكريا لجيل جديد من الكتاب.
– جمالية التمرد والمفارقة: تُوصَف لغة الرواية بأنها تتسم بـالمفارقة والتضليل، وهي خصائص فنية تتجاوز مجرد سرد الأحداث. هذا التمرد ليس على الموضوع فحسب، بل على سلطة السرد الخطي الذي اعتادت عليه الرواية التقليدية. يختار كوكاس البوح بالسر وإفشاءه في آن، ما يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع النصوص التي تحترف اللعب وتتحدى القناعات الكسولة.
– الجسد كـملاذ إبستمولوجي: يبرز التوظيف العميق للجسد الأنثوي بوصفه ملاذا ومنتجا للمعرفة. ففي ظل انهيار اليوتوبيات السياسية وتهاوي الشعارات الكبرى، يتحول الجسد إلى المحور الوحيد الذي يمكن من خلاله استخلاص معنى خاص، ويغدو الجمال قوة مضادة تخفي بشاعة الواقع وتُقاومه. هذا الاختيار الفني يمثل تحويلا للوعي من النقد السياسي الخارجي إلى التشريح النفسي والوجودي.
ب. الشعر: الغنائية الفلسفية في “رائحة الله”
في نصوصه الشعرية، يرتدي كوكاس “جبة الشاعر” في أعمال مثل “سطوة العتمة” وديوان “رائحة الله”. هنا يغلب التأمل الفلسفي على الوصف:
– الشعر كـ”شيء كالشعر”: اختياره لوصف ديوانه بـ”شيء كالشعر”يمثل مناورة ماكرة ضد سلطة التصنيف والتنميط، مؤكدا على أن الشعر عنده يتجاوز الحدود التقليدية ليصبح حالة وجودية.
– الغنائية وتصعيد الوجع: يتميز الشعر بصوت مليء بـالتأمل الفلسفي الممزوج بغنائية رقراقة، حيث يلمح ويُشير أكثر مما يُصرح. إنه يسائل اسمه وتباساته بـ”قسوة وعناد”، ويجادل حول مصير الأسماء بعد فناء الأجسام، مما يعكس هاجس التجريب للخلود ومقاومة هواجس الغياب عبر توكيد الذات.
ج. الناقد والمنظِّر: من القراءة الخطية إلى “فتنة بذرة الجمال”
يُكمل كوكاس مساره بأعمال نقدية تظهر وعيه بضرورة تأصيل تجربته الإبداعية وتأطيرها منهجيا:
– القراءة العاشقة كمذهب نقدي: يُقدم كتابه “فتنة بذرة الجمال.. محاولات في مداعبة النص” مذهبا نقديا يرفض الوقوف عند حدود “امتداد النص الخطي”. ينادي كوكاس بما يسميه “القراءة العاشقة” أو “مصاحبة النديم”. هذه القراءة انخراط وجداني يسعى لاكتشاف “بذرة الجمال” أو “حبة الخال” التي تمنح النص فرادته، مُعيدا للنقد وظيفته الإحساسية والاحتفائية.
– التنظير لثنائية السلطة واللعب: في أعماله النقدية مثل “اللعب في مملكة السلطان”، يظهر اهتمامه بنقد السلطة المتغلغلة في الثقافة والفن. إن مصطلح “اللعب” هنا هو آلية نقدية تتيح للمبدع تجاوز القواعد الصارمة المفروضة من قبل “السلطان”. الكتابة تصبح فعل زوغان ومحاولة دائمة للتمرد على المتوقع، سواء في السياسة أو الأدب، وهو ما يتضح أيضا في تحليلاته لكوفيد-19 (“في حضرة الإمبراطور المعظم”) أو قضية الصحراء (“جبهة بوليساريو: الصعود نحو الهاوية”).
القسم الثالث: التأطير المنهجي – الكاتب كـ”اللا منتمي” الملتزم
إن المسار الإبداعي لعبد العزيز كوكاس لا يرتكز على تخصص واحد، بل على هوية “اللا منتمي” (كما يصف نفسه) الذي يسكنه قلق التجريب.
– تجاوز التصنيف الجمالي: يرفض كوكاس أن يُقيد بجنس أدبي واحد. إبداعاته تقع على حدود “الما بين” (بين الشعر والنثر، بين التقرير والقص)، وهذا التحرر الجمالي هو في جوهره تحرر من سلطة التصنيف الأكاديمي والاجتماعي التي قد تحد من قدرة الكاتب على التعبير الشامل عن الواقع.
– نقد ثقافة التفاهة: لا يقتصر نقده على النص، بل يمتد إلى تحليل “ثقافة التفاهة” في زمن العولمة والفورة التقنية، حيث يرى أن اندحار الصحافة هو انعكاس لانهيار القيم. هذا الوعي بالانهيار الشامل يفسر توجهه نحو الشذرة (الاختزال المكثف)، كشكل أدبي قادر على التقاط شرارة المعنى وسط ركام التفاهة والثرثرة.
– المبدع كـ”مرآة للمجتمع”: يضمن كوكاس لنفسه موقعا لا يحدده جنس أدبي، بل يحدده هم التجريب وقلق الحقيقة. إن مشروعه الأدبي هو في نهاية المطاف مرآة للمجتمع الحداثي المغربي، مرآة تعكس التمزق بين الأمل واليأس، الجمال والبشاعة، والذات والتاريخ. وهو بذلك، ينجح في تحويل قصة الكاتب والصحفي الذي اضطر إلى إدارة “صحف النقمة” إلى مشروع فكري رصين يدمج التوثيق الإعلامي في التحليل الوجودي.
إن المشروع الإبداعي والفكري لعبد العزيز كوكاس يمثل في جوهره عملية دمج عضوي لخبرات متباينة، حيث لا يمكن فصل الكاتب عن مواقفه اليومية أو انشغالاته المهنية. لقد أسس كوكاس لـ”الأدب الكُلّي”، الذي يرفض التقسيمات الجامدة بين الأجناس والمعارف، محولا “التيه” المهني—الناجم عن التنقل بين صحف وصفها بـ”النقمة”—إلى ثراء في الأجناس وخصوبة في الرؤى. هذه التجربة سمحت له بالتحول من مجرد موثق للأحداث إلى مؤرخ للوعي الراهن، يستخدم الإيجاز الصحفي لالتقاط اللحظة، والعمق الإبداعي (في “ذاكرة الغياب” و”رائحة الله”) لهضمها وإعادة إنتاجها على شكل أسئلة وجودية وفلسفية لا تخضع لزمن الحدث العابر. هذا التحرر من النمطية، الذي تجسد في “الشذرة” كجنس أدبي يزاوج بين الإيجاز الإعلامي والكثافة الفلسفية، وفي “القراءة العاشقة” كمذهب نقدي، يؤكد أن كوكاس اختار البقاء على “الحدود الفاصلة”. وبهذا الموقف، يضمن لنفسه سلطة الناقد اللا منتمي الملتزم، الذي يرفض الانضواء التام، ويستخدم كل أداة معرفية لـمقاومة النسيان، ولتحويل تمزق الذات إلى نسيج فني وفكري متماسك ينير أعطاب الواقع.


















