كورونا..من عولمة السلع الى عولمة الخدمات- د. محمد غاني

269

د. محمد غاني

حين‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬العولمة‭ ‬يطرأ‭ ‬الى‭ ‬الذهن‭ ‬بصورة‭ ‬تلقائية‭ ‬سرعة‭ ‬تبادل‭ ‬السلع‭ ‬و‭ ‬المواد‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬خصوصا‭ ‬بعد‭ ‬اتفاقية‭ ‬الغات‭ ‬و‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬سنة‭ ‬1995،‭ ‬و‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬للتطور‭ ‬الهائل‭ ‬الذي‭ ‬عرفه‭ ‬آنذاك‭ ‬قطاع‭  ‬النقل‭ ‬وكذا‭ ‬المواصلات‭ ‬السلكية‭ ‬و‭ ‬اللاسلكية‭ ‬مما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الحواجز‭ ‬و‭ ‬العقبات‭ ‬المتنوعة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقف‭ ‬حجر‭ ‬عثرة‭ ‬دون‭ ‬سلاسة‭ ‬تدفق‭ ‬السلع‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭.‬

و‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فقد‭ ‬مرت‭ ‬العولمة‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬مراحل‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬فبعد‭ ‬ان‭ ‬ولدت‭ ‬جنينا‭  ‬ما‭ ‬بين‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬و‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭  ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬ذلك‭ ‬رولاند‭ ‬روبرتسون‭ ‬الذي‭ ‬حدس‭ ‬برؤيته‭ ‬الثاقبة‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬العالم‭ ‬الى‭ ‬انكماش‭ ‬و‭ ‬زيادة‭ ‬وعي‭ ‬أهله‭ ‬بهذا‭ ‬الانكماش‭.‬

انتقلت‭ ‬العولمة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬طبعا‭ ‬الى‭ ‬مرحلة‭ ‬النشوء‭ ‬و‭ ‬تمتد‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬حسب‭ ‬نفس‭ ‬المفكر‭ ‬من‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬الى‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬ابتدأ‭ ‬فيها‭ ‬نضج‭ ‬المفاهيم‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬و‭ ‬نشأت‭ ‬مختلف‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنظمة‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقات‭ ‬و‭ ‬الاتفاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭.‬

تاتي‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬مرحلة‭ ‬الانطلاق‭ ‬و‭ ‬التي‭ ‬ابتدأت‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬الى‭ ‬غاية‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬و‭ ‬عرفت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬ضم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬غير‭ ‬الاوربية‭ ‬الى‭ ‬منتظم‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭.‬

يضيف‭ ‬نفس‭ ‬المفكر‭ ‬البريطاني‭ ‬مرحلة‭ ‬رابعة‭ ‬للعولمة‭ ‬ابتدأت‭ ‬من‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬الى‭ ‬ستينياته،‭ ‬وسمها‭ ‬بمرحلة‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬الهيمنة‭ ‬حيث‭ ‬عرفت‭ ‬حروبا‭ ‬طاحنة‭ ‬انتهت‭ ‬ببروز‭ ‬ادوار‭ ‬مؤسسة‭ ‬الامم‭ ‬المتحدة‭.‬

و‭ ‬ختم‭ ‬تيك‭ ‬المراحل‭ ‬بمرحلة‭ ‬خامسة‭ ‬جعلها‭ ‬هي‭ ‬مرحلة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬و‭ ‬تبتدأ‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬الى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬اتسمت‭ ‬بادماج‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬المنتظم‭ ‬الدولي‭ ‬العالمي‭.‬

يبقى‭ ‬ما‭ ‬يشغل‭ ‬الذهن‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬مهتم‭ ‬بهذا‭ ‬الكوكب‭ ‬الارضي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬سينتهي‭ ‬اليه‭ ‬قارب‭ ‬العولمة‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة،‭ ‬و‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬ذكرني‭ ‬بما‭ ‬سمعته‭ ‬قبل‭ ‬سنة‭ ‬ضمن‭ ‬محاضرة‭ ‬القاها‭ ‬المفكر‭ ‬الامريكي‭ ‬ريتشارد‭ ‬بالدوين‭ ‬بمدينة‭ ‬لوزان‭ ‬الفرنسية‭ ‬يصف‭ ‬فيها‭ ‬عولمة‭ ‬المستقبل‭ ‬هل‭ ‬ستتغير‭ ‬ملامحها؟

فكان‭ ‬مما‭ ‬قاله‭ ‬حدسا‭ ‬و‭ ‬صار‭ ‬يتأكد‭ ‬بصورة‭ ‬تفعيلية‭ ‬سريعة‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعلم‭ ‬بها‭ ‬آنذاك‭ ‬هو‭ ‬تطور‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬الآلي‭ ‬الذي‭ ‬سينقلنا‭ ‬من‭ ‬عولمة‭ ‬السلع‭ ‬الى‭ ‬عولمة‭ ‬الخدمات‭.‬

و‭ ‬هذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬اضحى‭ ‬عليه‭ ‬حال‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬توقفت‭ ‬المطارات‭ ‬و‭ ‬القطارات‭ ‬و‭ ‬لزم‭ ‬الفاعلون‭ ‬الاساسيون‭ ‬في‭ ‬سيرورة‭ ‬العولمة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬كورونا‭ ‬منازلهم،‭ ‬فلم‭ ‬يبق‭ ‬مع‭ ‬الذكاء‭ ‬الآلي‭ ‬الا‭ ‬عولمة‭ ‬الخدمات‭ ‬حيث‭ ‬عرضت‭ ‬المتاحف‭ ‬العالمية‭ ‬معروضاتها‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬الكترونية‭ ‬زار‭ ‬فيها‭ ‬الفقير‭ ‬هاته‭ ‬العوالم‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يجد‭ ‬لها‭ ‬سبيلا‭.‬

قدمت‭ ‬فرق‭ ‬السمفونيات‭ ‬العالمية‭ ‬عروضها‭ ‬بشكل‭ ‬مجاني‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬مخصصة‭ ‬لذلك،‭ ‬كما‭ ‬قدمت‭ ‬مكتبات‭ ‬عالمية‭ ‬نسخا‭ ‬مجانية‭ ‬لكتبها‭ ‬الالكترونية‭ ‬و‭ ‬كذلك‭ ‬فعلت‭ ‬عدة‭ ‬مكتبات‭ ‬جامعية‭ ‬عالمية‭. ‬عالم‭ ‬المحاضرات‭ ‬و‭ ‬منصات‭ ‬التعليم‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬قدمت‭ ‬كذلك‭ ‬خدماتها‭ ‬في‭ ‬عروض‭ ‬سخية‭ ‬تغري‭ ‬المتعطش‭ ‬لفهم‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬مما‭ ‬يأذن‭ ‬بعالم‭ ‬سيتغير،‭ ‬فالمجانية‭ ‬لا‭ ‬تدوم،‭ ‬و‭ ‬انما‭ ‬تعطي‭ ‬الزائر‭ ‬لمحة‭ ‬عما‭ ‬سيكون‭ ‬عليه‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬كورونا‭ ‬لذلك‭ ‬يوصي‭ ‬خبراء‭ ‬العالم‭ ‬بضرورة‭ ‬الالمام‭ ‬بالذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬الذي‭ ‬سيغزو‭ ‬العالم‭ ‬و‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬بمفاتيحه‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬سيستطيع‭ ‬التعايش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الغد‭ ‬و‭ ‬الا‭ ‬سيجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬خارج‭ ‬السرب‭. 

كاتب من المغرب

مشاركة