كورونا توحّد شعباً فرقه الساسة – علي الشكري

171

كورونا توحّد شعباً فرقه الساسة – علي الشكري

يقينا أن الكوارث والنكبات والنوائب توحد ولا تفرق ، تجمع ولا تشتت ، تسطح ولا تعمق ، تعفو ولا تؤلب ، ففي زمن الحريق على الجميع حمل الماء لوأد النيران ، وفي الزمن الجميل لم يكن أكثر من ابن العراق تسامح وتسامي وتغاضي وترفع بل وعضاً على الجرح مع الغريب وليس مع ابن الدار والجلدة ، نعم لقد رأى العراق ولما يزل ما لم يرى غيره من استهدافات ونكبات وكوارث وحروب وحصارات ، وكل ذلك كان بقصد النيل من شموخه وكبريائه وكرمه وشجاعته وتصديه ودينه وغيرته واجتماعه واقتصاده ، ومن استهدف العراق كان يجهل أن الحملة التي تعرض لها على مدى عقود من الزمن خلت ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ، ويبدو أنه لما يقرأ تاريخ العراق ، او قرئه ولكن دون تبحر وتعمق ، فتاريخ العراق يروي أنه يمرض لكنه لا يموت ، غزي مرة بعد مرة لكنه لا يلبث أن يتحرر ويستقل ويقود الساعين للحرية ، قتّل علمائه وشرد طلابه ، وأحرقت مدارسه ، ونهبت مكتباته ، لكن نجمه لا يأفل وشمسه لا تغيب ، يجند اصحاب الضلالات ، ويدس المغرضون ، ويجتمع الدجالون ، لكن تدينه يبقى ساطع ، لا تغطيه الخرافات ، ليس اكثر استهدافا لماكنته العسكرية ، ولا اكثر تخطيطا للإطاحة بجيشه ، وجيشه ناهض محرر ، ومناصر لمن تعرض للاحتلال ، وقائمة الاستهدافات تطول .

وبالقطع ليس مستغرب ما تعرض له العراق ويتعرض وسيتعرض ، فالكبير يغيض الصغار ، والقوي يثير حفيظة الضعيف ، والغني يستنهض حسد الأقل غنا ، والمتميز دائما ما يكون محل رصد من شح عليه الجاه والمال والمكانة والعقل والإبداع ، فما بالك بعراق كل ما فيه ميزة وتميز ، ارث وتاريخ وحاضرة ، موقع ونهر وجبل ، زرع ونفط وثروات طبيعية ، دين وعلم وادب ، فن وريادة وتجديد ، ويسألونك عن استهداف العراق ، وهل مثل العراق بلد ؟ . وعلى مدى تاريخه لم تكن النكبات والمصائب والنائبات الا موحدة لشعبه ، جامعة لشمله ، راصة لصفوفه ، ويقيناً أن كورونا جائحة سيئة الصيت والحلول والقطاف ، لكنها كما داعش وحدت وجمعت وقربت ومازجت دماء ، سعى بعض تجار الأزمة ومراهقو السياسية هدرها بينياً .

فرحات المساعدات تنهال من كل حدب وصوب ، على من مسته كورونا برزقه ، وماله ، وعيشه ، وصحته ، واضحت خزائن من فاض فيها الخير مشرعة ، بل راح كرم الفقير يفيض ، فتقاسم قوت يومه مع من غاب عن مائدته الرزق ، بل راح من مَنَ الله عليه بنعمة هزيمة كورونا يفيض كرماً بدمه على من ابتلي بالداء الذي اعجز اكثر الدول تقدما عن اكتشاف دواءه ، فلا تزال شفرة كورونا سراً خفياً ولغطاً مجهولاً . لقد تجسدت حكمت الله بفايروس لا يرى الا بأكثر المجاهر تقدماً ، فقد حير هذا الفايروس عقول الأطباء ، ووقفت أمامه اكبر المراكز البحثية عاجزةً عن حل لغزه ، وهل اكثر من ذلك حكمة وعضة وبشير ونذير ؟

واللافت أن طغيان من شاع شره ، وامتد فساده ، وخرّب طغيانه ، وفرّقت سياسته ، وأضعفت قراراته ، راح يعتاش اليوم على أزمة الجائحة ، ليرقص على اجساد ضحاياها ، على أمل أن يحصد أصوات المساكين ، الذين راحوا حطب كل آفاق رجيم ، مرة كان جسده حطب الطائفية ، وأخرى كان جسراً للعبور بالعراق من مذبح داعش، وثالثة كان وقود حراك التصحيح ، واليوم راح بعض منافقي السياسة ممن سيلعنهم حاضر العراق وتاريخه يستثمرون الجائحة الأخطر للتغرير بهذا وتضليل ذاك عسى أن ينفعهم شرهم ليوم التضليل الأكبر ، الذي يحصد فيه صوت من طال وقوفه بانتظار التصحيح ، ولا يعلم الأفاق أن يد الله فوق أيديهم ، وقد تكون الساعة اتية ولن يقيه نفاقه وتضليله وتدليسه ، لكن اثره السيء سيبقى مروياً للأجيال ، وعبرة لمن اريد به سوءاً ، والعاقبة لمن بادر وقدم وتصدق وصدق واوفى .

مشاركة