كوربن‭ ‬الحصن‭ ‬الأخير‭ ‬رغماً‭ ‬عنه‭ ‬ضد‭ ‬بريكست

339

زعيم‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬البريطاني‭ ‬سليل‭ ‬عائلة‭ ‬قاتلت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الاهلية‭ ‬الاسبانية

لندن‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)‬‭ ‬‭-‬‭ ‬يتعرض‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬البريطاني‭ ‬جيريمي‭ ‬كوربن‭ ‬اليساري‭ ‬لانتقادات‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬اتخاذه‭ ‬موقفاً‭ ‬واضحاً‭ ‬من‭ ‬بريكست،‭ ‬لكنه‭ ‬يبدو‭ ‬رغماً‭ ‬عنه‭ ‬بمثابة‭ ‬حصن‭ ‬أخير‭ ‬ضد‭ ‬خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬

فالزعيم‭ ‬العمالي‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬نحو‭ ‬70‭ ‬عاماً‭ ‬والمعروف‭ ‬بتوجهاته‭ ‬الاشتراكية‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬القلق‭ ‬لدى‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال،‭ ‬يبدو‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عدا‭ ‬عن‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬بريكست‭.‬

وكوربن‭ ‬المشكك‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬أغلب‭ ‬نوابه‭ ‬مؤيدون‭ ‬للبقاء‭ ‬في‭ ‬التكتل،‭ ‬اختار‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الغموض‭ ‬إزاء‭ ‬بريكست‭ ‬الذي‭ ‬أيده‭ ‬52%‭ ‬من‭ ‬البريطانيين‭ ‬في‭ ‬استفتاء‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬2016‭.‬

وهو‭ ‬يَعدُ‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تسلمه‭ ‬الحكم‭ ‬بالتفاوض‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬جديد‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬أكثر‭ ‬مواتاة‭ ‬لحقوق‭ ‬العمال‭ ‬يطرح‭ ‬في‭ ‬استفتاء‭ ‬جديد‭ ‬كخيار‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬خيار‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬

وحرصًا‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬إبعاد‭ ‬ناخبيه‭ ‬المؤيدين‭ ‬لبريكست،‭ ‬قال‭ ‬كوربن‭ ‬إنه‭ ‬سيبقى‭ ‬‭”‬محايداً‭”‬‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحملة،‭ ‬للسماح‭ ‬للبلاد‭ ‬بمعالجة‭ ‬انقساماتها‭ ‬منذ‭ ‬استفتاء‭ ‬عام‭ ‬2016‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المحافظين‭ ‬المتمسكين‭ ‬بخروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬بزعامة‭ ‬بوريس‭ ‬جونسون،‭ ‬يمثل‭ ‬كوربن‭ ‬بالنسبة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الناخبين‭ ‬الطريقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬لمنع‭ ‬الانفصال‭.‬

ورغم‭ ‬عدم‭ ‬ارتياحه‭ ‬لدى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬القضايا‭ ‬الدولية،‭ ‬يشعر‭ ‬كوربن‭ ‬النحيل‭ ‬بلحيته‭ ‬البيضاء‭ ‬وشعره‭ ‬الذي‭ ‬يغطيه‭ ‬الشيب،‭ ‬بالراحة‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بإزالة‭ ‬التبعات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لعقد‭ ‬من‭ ‬التقشف‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬المحافظين،‭ ‬وتصوير‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬كما‭ ‬يريدها‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬المساواة‭ ‬ومن‭ ‬امتيازات‭ ‬النخبة‭.‬

خلال‭ ‬حملته‭ ‬للانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬المبكرة‭ ‬المقررة‭ ‬الخميس،‭ ‬واجه‭ ‬كوربن‭ ‬اتهامات‭ ‬قوية‭ ‬بعدم‭ ‬التصدي‭ ‬لمعاداة‭ ‬السامية‭ ‬داخل‭ ‬حزبه‭. ‬ورفض‭ ‬الاعتذار‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭.‬

وذكرت‭ ‬صحيفة‭ ‬ديلي‭ ‬ميل‭ ‬أن‭ ‬مركز‭ ‬سيمون‭ ‬ويزنتال‭ ‬اليهودي‭ ‬اعتبره‭ ‬الشخص‭ ‬الأكثر‭ ‬عداء‭ ‬لليهود‭ ‬هذه‭ ‬السنة،‭ ‬محذرا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬ستصبح‭ ‬دولة‭ ‬‭”‬منبوذة‭”‬‭ ‬إذا‭ ‬فاز‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭.‬

بعد‭ ‬انتخابه‭ ‬رئيساً‭ ‬للحزب‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬بصورة‭ ‬مفاجئة‭ ‬رغم‭ ‬مواقفه‭ ‬اليسارية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬أقلية‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬العمل،‭ ‬تمكن‭ ‬كوربن‭ ‬بصبر‭ ‬من‭ ‬تثبيت‭ ‬مكانته‭ ‬وأحبط‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحاولات‭ ‬لإسقاطه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬نواب‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬وأعضاء‭ ‬الحزب‭ ‬القدامى‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬التيار‭ ‬الوسطي‭ ‬الذي‭ ‬يتزعمه‭ ‬توني‭ ‬بلير‭.‬

لكن‭ ‬يُحسب‭ ‬لكوربن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتمتع‭ ‬بجاذبية‭ ‬شخصية‭ ‬كبيرة،‭ ‬ثباته‭ ‬على‭ ‬أفكاره‭ ‬والتزاماته‭ ‬اليسارية‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬السبعينات‭ ‬وجذبت‭ ‬جيلاً‭ ‬كاملاً‭ ‬من‭ ‬النشطاء‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬الحزب‭.‬

لم‭ ‬يتول‭ ‬كوربن‭ ‬أي‭ ‬حقيبة‭ ‬وزارية‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬حزب‭ ‬العمل،‭ ‬من‭ ‬1997‭ ‬إلى‭ ‬2010‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬توني‭ ‬بلير‭ ‬وغوردون‭ ‬براون‭.‬

نشأ‭ ‬داعية‭ ‬السلام‭ ‬المولود‭ ‬في‭ ‬26‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬1949،‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬عائلية‭ ‬ملتزمة‭ ‬سياسياً‭. ‬وكان‭ ‬والده‭ ‬مهندساً‭ ‬وأمه‭ ‬معلمة‭ ‬التقيا‭ ‬أثناء‭ ‬تظاهرة‭ ‬مناهضة‭ ‬للحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬الإسبانية‭ ‬‭(‬1936-1939‭)‬‭.‬

نشأ‭ ‬كوربن‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬إنكلترا‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬شغوفاً‭ ‬بالدراسة‭. ‬بعد‭ ‬إنهاء‭ ‬دراسته‭ ‬الثانوية‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬جامايكا‭ ‬لمدة‭ ‬عامين‭ ‬للعمل‭ ‬مع‭ ‬جمعية‭ ‬خيرية‭. ‬عند‭ ‬عودته،‭ ‬أقام‭ ‬في‭ ‬إزلينغتون‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬لندن‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مركز‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬اليسارية‭.‬

نشط‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬النقابي‭ ‬وانتخب‭ ‬في‭ ‬1983‭ ‬نائباً‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الدائرة‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬متواضع‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬الثالثة‭ ‬المكسيكية‭ ‬التي‭ ‬تصغره‭ ‬بعشرين‭ ‬عاما‭ ‬وتتفق‭ ‬مع‭ ‬أسلوب‭ ‬حياته‭ ‬البسيط‭. ‬وهو‭ ‬أب‭ ‬لثلاثة‭ ‬أبناء،‭ ‬ونباتي،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يتنقل‭ ‬بالدراجة‭ ‬الهوائية‭.‬

بعد‭ ‬سنوات‭ ‬تميزت‭ ‬بهيمنة‭ ‬التيار‭ ‬الاشتراكي‭ ‬الليبرالي‭ ‬بزعامة‭ ‬توني‭ ‬بلير‭ ‬على‭ ‬الحزب،‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬كوربن‭ ‬أن‭ ‬يقاتل‭ ‬لفرض‭ ‬رؤيته‭ ‬اليسارية‭ ‬ومواجهة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬قيادة‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬التي‭ ‬ترفض‭ ‬أن‭ ‬يتزعم‭ ‬الحزب‭ ‬شخص‭ ‬يحمل‭ ‬رؤى‭ ‬مخالفة‭. ‬وقد‭ ‬صوت‭ ‬بالفعل‭ ‬533‭ ‬مرة‭ ‬ضد‭ ‬خط‭ ‬الحزب‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1997‭.‬

ويثير‭ ‬موقفه‭ ‬خشية‭ ‬الناخبين‭ ‬الأكثر‭ ‬اعتدالًا‭ ‬وكذلك‭ ‬دوائر‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬ماركسياً‭ ‬خطيراً‭.‬

مشاركة