كوة النهار

292

كوة النهار
فكر فيما سيفعل او لايفعل، اصراره القديم كل مايحركه، يحاول ان يقتلعه ولكن كيف له مايريد. وقف تحتها وعزم على ذلك بعد ان يزول عنه التعب. يستجمع قواه دون غرور.. يحاول الوصول الى منبع النهر قبل المغيب.. يغتسل فيه ويأمن على نفسه من الشرور. ليعرف بعد ذلك وجهته. اخذته قدماه بتلقائية الى قمة ربوة.. تعلق بالفضاء الفسيح والخضرة الرائعة راح يناجي الافق الممتد بعيداً في السماء.. حلمه الطاهر.. فتتاقطعت دموعه.. يغتسل بها ثانية التفظه بحيوية.. كل ماحوله يملؤه بالسعادة..
اناس كثيرون من مختلف الاعمار.. يهرولون.. يهتفون.. تهزهم الارهاصات هذا يوم الولاء.. الرمز.. الضرورة.. نغير التاريخ لنا وحدنا كل مانريد العرفان.. الطوفان.. خرق ذلك الزحام بصعوبة تم تابع خطوته المؤدية الى الطريق.. ذلك الوحيد لاغيرة.. رجع الى المنزل قرأ يومه ثم اسلم جفنيه لنوم عميق، غبطته الاشياء الى فجر الحرية حيث يعيد معها ترتيب الزمان والمكان.
الاحداث تفصح عن خطورة لا حدود لها.. وليس هناك من يد غير التأقلم معها.. لم يكن احد ليصدق ان تقع الحرب او يطول امرها استقبلنا المفاجأة على نحو غير معهود.. دخلنا في خضمها فتحملنا اوزارها، وكل قرر عبورها مهما كلف الامر، نحو الجانب الامن، وقدناء بمتابعة من جراءها لكنه حتما ذاق مرارتها.. كانت لها صورة قاتمة يحاول ان يزيحها وقد غارت عميقاً في ذاكرة كل منا سنوات خوف وقهر، خلقت الاحساس بالحيف يلحق بالجميع.. لم تكن ثمان سنوات حرب، انما كانت عمرا مريرا وخلنا فيه دون ارادتنا.. تحملنا عناؤه وهمومه ولاتزال اثاره مائلة على وجودنا ووجوهنا.. ليس لنا فيها اسماً ولا رسماً.. غير ذلك الزمان وصعوبة المكان. اجاهد من اجل الخروج الى مسار يخرجني من هو امس الاشياء.
اشياء كثيرة احتجتها تتركز في ذاكرتي.. تشكل لي وجوداً.. كانه السر الذي لازمني وكاد يحيلني ثانية الى البداية، يصمد القلب امام لين الضمور.. سوف تنفطر له. يجري الماء خلالها رقراقاً كالزلال، فتنمو على جنباته الرياحين..
علقت المرأة كي لاارى الجرار.. اطالع من خلالها قسماتي.. هل ابتسم كالاخرى، كيف اتصرف حين ينتابني الضجر، الشخص الذي كان ملثما في اللوحة المعلقة على الجوار يطالع ماحوله بامعان.. ترى هل تحجبه المرأة عني؟ يخيل الى انه يحمل معولاً يحفر فيه شقاً عميقاً.. يواصل الحفر حتى يأخذه ذلك بكامل هيأته.
عدت ثانية الى الماضي البعيد.. ثالث ايام العيد، نسير معاً في طريق ترابي متعرج. انتشرت حوله النباتات البرية بكثافة، الاشواك ذات الازهار البنفسجية انتشرت هي الاخرى بشكل تلقائي على جنيات الطريق الممتد طولاً وسط الحقول الموسمية. اشاهد حفراً عميقة خلف الشجيرات.. قد تكون لثعالب او هي لارانب برية هنا وهناك. نلاحق الخطوات.. نمضي سيراً على الاقدام من مدينة الكفل الى بابل الاثرية بمحاذاة الفرات. يتضاعف السعي بذات الاتجاه فتبدو للعيان صروح بابل القديمة، هي الان تلال ترابية مرتفعة كانت فيما مضى قصوراً وأقبية.. شوارع وارصفة معبدة.. فناءات لاناس يؤدون طقوسهم.. يرددون مع بعضهم الدعاء الزقورة تبدو الان شامخة منذ اقدم العصور شهدت حالات وحالات. تعاقب الملوك على حكم بابل تباعاً حتى اذا ما انتهى احدهم تبعه الاخر حاملاً نفس الدعاء والوصايا مكتوباً على الرقم الطينية كل بخط يده، لنقل حكمه بكل فقراته ومناحية الى عهد جديد بعد ان يردد على مواطنيه نداء القسم ويقول:
يارب العين البراقة، يارب الحكمة، ياخالق الكون، افتح لملك جموع الشعوب.. افتح له منابعك.. دع المياه تجري في قناته دع الخصب والوفرة تملأن احواض مياهه.. امنحه الادراك والذكاء.. كبر اعماله حتى يبلغ” تبدو زقورة بابل للعيان كأنها قريبة لكن هذا الاعتقاد سرعان مايتلاشى لانه امام المزيد من التعرجات والانحناءات والمنحدرات فوق طريق ترابي.. سيصل اولا الى تل النبي ابراهيم الخليل وحوله المنطقة السكنية اما المكان الثاني فانه تل بيرس والزقورة واقعة خلف البرج مع فنائين كبيرين كسراي والبناء يحيط بالمعبد من الجهات الاربع.
– هل وصلنا.. تساءل اخي الصغير ضجراً.
اجابه جدي الذي لازال يصطحبنا نحو مدينة الاثار قائلا:
– هل تعبت دعني احملك مضت ساعتين واخي يهرول راكضا امامنا..
يتوقف حينا ليقطف احدى الزهرات البرية.. فيسرع جري لملاحقته ياخذها من يده ثم يرميها بعيدا عنه وهو يخدره.. انها سامة ويرد قائلا:
– ولد بعد ثلاث بنات.. اريده سالما..
نجت الاشياء.. شعرت بتعب مضاعف.. فغدوت راكضة اسرع من ذي قبل ملاني ذلك بشعور نادر وكاني الاحق شيء ما ثم امسكه.. غادرني الحزن وصمتت.. رايت جري يضاعف نشاطه هو الاخر يتابع المشي الى نهاية المشوار من اجل زيارة مقام النبي ابراهيم الخليل عليه السلام والرحلة سوف لا تتكرر الا بعد مرور عام بحلول العيد القادم.. الزمن البابلي فتتت بوابة الدخول توجد ثلاث غرف.. واحدة لها طابع غرفة القداس، توجد في كل زاوية منها مشكاة يكاد يكون ارتفاع كل مشكاة بارتفاع رجل على الجانبين توجد مشكاتان صغيرتان تغطيهما من الاعلى الواح ومساند خشبية على الجهة اليمنى توجد غرفة قداس اخرى يوجد الى جنبها بئر ماء مسيج وكما هو مالوف حضر على جانبيه موطئا قدم تسهل مهمة النزول اليه.
الغرفة الثانية يوجد بداخلها ايضا تمثال فخاري كانه لملك يتكأ على عصاة ذهبية. بوابة الدخول تؤدي كذلك الى الغرفة الثالة وهي تحوي نحوت زخرفية وادوات موسيقية كتبت الحانها باللغة البابلية القديمة الى جانب اللغة البابلية الحديثة.. الزقورة الان تبدو اشبه ماتكون حجرية صلدة تشبه الحلزون يدور حولها رصيف او مصعد يقودك الى تله عمران..
تحدث جدي حين قال لي: لقد اصابتك الحمى جراء المشي الطويل اجلس هنا لترتاحي قليلا. سوف نعود عصرا. ثم غطى جدي بعباءته الصوفية. تسللت بين الراقدين، اردت ان اجوب معهم الازمنة الغابرة كل الابواب التي طرقتها قد اغلقت المسالك تهيء لتاريخ بلا قرار.
تنتهي الاغراءات الواحدة تلو الاخرى، الوذ الى كوة في اعلى مكان تكلمت بصوت منخفض لاحكي عن الشيطان كيف نمضي وقد اخذتنا الهواجس مشاغلنا حياتنا الاتية.. كي لاتاخذنا الاوهام ابدأ، تركت المدينة مع حلمها تبلع تسبح باتجاه غد بلا قرار سوف لا اوقظهم حتى طلوع القمر.
تراجعت خطواتي حين لم استطع التحدث اليهم، لا شأن لهم بالرحلة فالنائمون لايستطيعون الضحك.. تحركت خارجا. اصابع قدمي قد تورمت جراء المشي المتواصل جلست على الحصى نادى جدي باستغراب:
– اني انت.. ماذا تريدين..؟
رايت نظراته الحزينة واشفاقه علي. حسبت انفاسي لاح في بريق عينيه امل بلا حدود حرجة.. نشاطه بنيت قصورا بين النائم واودعتها الامل وانا بانتظار طريق العودة، امضينا بقية الوقت الى العصر بين جموع المختلفين بالعيد منهم من يعزف المزمار، اخرون يرقصون الجوبي.
احدى النساء تحدثت بصوت مسموع وهي تشير الى نافذة صغيرة وتقول:
– انظروا كان الغزالة قد دخلت من فتحة تلك النافذة لترضع ابراهيم الصغير لبناً، لقد نجاه الله بذلك من بطش النمرود.
يوم جديد يعتمر ويظل التساءل قائما بلا هوادة. فما اشبه الليلة بالبارحة.
– هل يسعفنا العزم على الرجوع ثانية. ام من كان على مستوى الحقيقة؟ خيالات هي اقرب الى الحقيقة. وهل الانسان مخيراً ام مسيراً نخوض في لجة البحث لنجد خالتنا والعودة الى بداية الاشياء (ومضت سنة الاولين) ام ان الامر هو ان نسير غور الاشياء ونخوض في مشقة الحياة.
الاحق النجوم.. كل يمتطي صهوة الامال.. يتعلق بها.. يسعى لاجلها ولا شيء غير ذلك يتعلق باحلامه كطفل رائع.. وجود انساني في كل حين.
كمل تتعلق العصافير باغصان الزيتون اخفيته في حقيبتي خفت عليه من الهرب الغيت الصمت ورحت ابدد الهواجس بطيب الامنيات.
لابد ان تمض الحياة وهي تضع خطوطا سود حينا وبيض اخرى للاشياء من حولها كي لاتخسر نفسها او تتحطم خطواتها.
– المعاناة تجلني وتقربني اكثر من الحقيقة – فبدت اكثر يقينا من اي وقت مضى.
– الزمن.. الحدث خلاص الانسان قيم نبيلة. حلق بنظراته في الافق البعيد.. الغيوم البيضاء.. بساتين النخيل.. كيف ارتاح الى جذع النخلة يراقب طيور الماء القادم الينا ذاهبون اليه، تصادفه في طريقنا كلمات تحمل الكثير من المعاني والمعاناة عليه ان لايتردد في شتى الظروف وهكذا تبدو الحياة تلقائية ومريحة الى حد ما.
سعاد عبد الحر- بغداد
/4/2012 Issue 4185 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4185 التاريخ 28»4»2012
AZPPPL

مشاركة