كلام أبيض
كوابيس المستقبل – جليل وادي
عندما تغيب الرؤية ، تأكد ان الأمور ستشغلك بمظاهرها دون الغوص في أعماقها ، وفي النتائج دون الاسباب ، هكذا هو الحال في بلادنا ، فتحول الحلم الى كابوس ، والحرية الى فوضى ، فصرنا نصارع الفوضى والكوابيس وكأنها هي المشكلات ، بينما الأصل يكمن في سوء فهمنا لمعطيات الحاضر ، والتغافل عن دروس الماضي ، وغياب صورة محددة للمستقبل .
ظن العراقيون ان التعددية ستتيح صوغ رؤية محكمة لعراق جديد ينعم أهله بحياة رغيدة هانئة ، كما ينعم بذلك عباد الله في أرجاء المعمورة ، فاذا بهم بمواجهة رؤى ضيقة ومنغلقة على ذاتها تحركها دوافع الماضي أكثر من احتياجات المستقبل . ما جعلهم ازاء صورة بائسة للمستقبل في أحسن الاحوال
العراقيون يتطلعون الى عراق معاصر، جديد بالفعل وليس بالانشاء ، هذه هي صورة المستقبل الذي ينشدون ، ولا يغرنّكم جحافل العوام التي تحركها العواطف حينا ، والانشغال بالكد على العيال واليأس من تحسن الأحوال أحيانا ، فيواجهون تعاسة الواقع باللامبالاة ، لكنهم في لحظة يكشفون عما لا تتوقعون ، وفي التاريخ من الشواهد ما تعرفون ، ومثل هذا التطلع يقتضي رؤية منفتحة على الواقع والشركاء وتجارب الآخرين ، وبعكسه لن نحصد من البيادر سوى القش .
ومع ان الدستور على ما فيه من علل ، حاول رسم صورة للمستقبل ، الا ان الرياح جرت بعكس ما يشتهي الدستور، وخيم الصمت على حماته ، ومضى الجميع كل الى ليلاه ، منهم من رحل منكسرا ، ومنهم من أغراه الفوز ، ومنهم من أعجبه الاصطياد في المياه العكرة ، ومنهم من أثث له الاشقاء الغرف الوثيرة ، ومنهم من ينتظر رأس الشهر . ولم يبق سوى المساكين يسبحون في بحر من المؤامرات. بانتظار من ينقذهم من هذا الجحيم المستعر .
هل فعلا كان الشركاء مؤمنين بما جاء في الدستور ، ام أرادوه حقنة مخدرة لحين اجراء عملياتهم الجراحية التي تتوافق مع أهدافهم التي فيها من المتناقضات أكثر مما فيها من المشتركات ، ولكي تقلب المعادلة يراد لها رؤية واضحة ومؤمنة بمضمون الدولة وشكلها وهويتها ، ومن دون ذلك لن نعرف ملامح للمستقبل .
في التجارب السياسية الناجحة نظروا الى المضمون الاجتماعي للتغيير قبل النظر الى شكل الدولة وهويتها ، لان من الهويات ما يفرض أشكالا ومضامين متناقضة في غالبها مع الحياة المعاصرة وما بلغته الأقوام من حولنا ، بخاصة تلك الهويات العصية على التكيّف مع روح العصر، هل بالمقدور أن نوازن بين هوياتنا ومضمون الدولة المعاصرة ؟ أظن ان هذا صعب على الذين اتيحت لهم فرصة التصدي للعملية السياسية ولا يملكون تاريخا ثقافيا وادارة احترافية في قيادة الدول ، وهذا كان من بين الأسئلة التاريخية التي تعرض لها بعض السياسيين والثوار الذين وجدوا ان ما بعد الأمساك بالسلطة مختلف عما قبلها ، فذهب بعضهم الى محاكاة أقرب النماذج الى المضمون الذي يتطلعون الى اشاعته في المجتمع ، أما أصحاب الهويات الصلدة فغالبا ما أنتجت تجاربهم دولا قائمة على القمع والخوف ، وانتهت مجتمعاتهم الى التوقف في عالم يتغير كل لحظة .
وَضَعنا المزري الذي نحن فيه أمام خيارين لا ثالث لهما ، اما ان نكيّف رؤانا وهوياتنا مع المضمون المعاصر للدولة، وفي ذلك خسائر تطول بعضا من حلقات منظوماتنا الايديولوجية ، وعلينا القبول بها ، وهذا يدعو الى المباشرة بعملية اصلاح حقيقية وجدية، بدءا من مراحل التأسيس وانتهاء بالمهازل التي زج العراقيون فيها ، أو الاحتذاء بأقرب النماذج السياسية الناجحة لخصوصية مجتمعنا ، وأؤكد ( الناجحة ) وليس تلك التي غدت مثار تندر حتى الذين كنا نخجل أن نقارن بهم ، والعمل باخلاص وتفان على تحقيقه ، فقد اضحى العراق بلا لون او طعم او رائحة . ليس عيبا ان نحتذي بنماذج الآخرين ، لكن العيب ان نمضي دون ان نعرف الى أين نحن ماضون ، بينما عويل الثكالى والأرامل وأنين النازحين والمهجرين يملأ الآفاق .




















