كلمات نور وأخرى قبور!

2031

محمد سيف المفتي

منذ سنوات بعيدة لم اتابع المسلسلات العربية ولكن بسبب الكرونة والبطالة تابعت بعض المسلسلات وكثير منها تركت متابعتها بعد الحلقات الاولى، الامر الذي استوقفني هو كثرة التنمر في الحوار والذي يراه كاتب الحوار نوع من الكوميديا كمسلسل القاهرة كابول. عندما تكرر هذا النوع من الحوارات وفي عدة مسلسلات بدأت ابحث عن حقيقة الامر ليتبين لي أن طريقة الحديث والمزاح اليومي بين الناس قد أصبحت تتسم بالتنمل، وأن مفهوم خطاب الكراهية في بلداننا لا حدود له وكأنه اميبا.

هذا البحث جعلني أرى جانبا مقيتا من حياتنا اليومية، إذ يتعرض أصحاب الشخصيات الضعيفة وذوي الاحتياجات الخاصة الى اعتداء مجحف، ولا يتدخل المجتمع بدعم من الشريحة المثقفة لتصحيح مساراته الخاطئة، ولا يضع كذلك القانون حدا لهذا الامر. من خلال متابعتي لعمل الكثير من المنظمات اعتقدت أن هذه الشريحة حصلت على بعض الحقوق والحماية، لكن على ما يبدو أن الإصلاح ورقي ولا وجود له على ارض الواقع.

ونعتقد نحن كمسلمين في كثير من الأحيان أن الإسلام واخلاقياته قد حمت بلداننا من كثير من الامراض الاجتماعية إلا أننا لا نفكر أنه هناك كثيرين لا تردعهم فكرة الجنة والنار، وابسط دليل على ذلك هو تسلل الفساد الى كل مرافق الدولة وقبولها من قبل الراشي والمرتشي تحت مسميات مختلفة، وقد يدفع حتى رجل الدين الرشوة لتسهيل أمره أو توسطه للحصول على حقوقه.

اخلاقيات التربية في بلداننا لا تزال محكومة بالموروث الثقافي، واسمع عن آباء يقولون لأولادهم ” إذا ضربك اضربه وخذ حقك” يحدث ذلك عندما يتحدث الطفل عن شجار وقع على سبيل المثال في المدرسة أو في المحلة.

عندما سألت أحد الآباء لماذا لا يفاتح المدرسة بالأمر؟ ضحك وكأنني قد جئت من كوكب آخر. من الواضح أنه لا علاقة لنا بتطور لغة الحوار وبناء العلاقات السليمة بين طلاب المدارس وبين الشرائح المختلفة. هناك خطورة كامنة وهي أن هذا الجيل هو الذي سيقود البلاد بعد سنوات ليست بعيدة، بكل ما يحمله من قيم واخلاقيات.

عندما يخاف طفل من الخروج من البيت ليلعب في الحي يبقى الاب ينتقده لجبنه ويخجل من مفاتحة جاره ومطاليته بالتدخل لوضع حد لأولاده خوفا من ان يقال ان ابنه جبان، ولا يهتم الجيران لشأن الطفل. سمعت عن أطفال لا يجرئون للذهاب الى المدرسة لما يتعرضون له من استهزاء واستصغار لا يرصد لا من قبل المدرسة ولا من قبل أولياء امر الطالب المستأسد، ويتم ملاحقته حتى وهو في بيته بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي, وكأنه تشريع لشريعة الغاب، ولا توجد جهات في رسمية في مجتمعاتنا تأخذ على عاتقها صحة الأطفال النفسية بل يتركوا للمتنمر والعنف في الشارع والمدرسة والى النقد والتقريع والضرب في البيت.

البيت والقانون

أرى أن واحدة من اكبر مشكلات المجتمعات العربية هي عدم تجريم العنف الاسري، ولا أقل تحريم. نحن بحاجة لقانون صارم لأننا عندما نقول للجاني أن الدين يحرم العنف فهو بالضبط كما نقول للحرامي اقسم انك لم تسرق فيقول جاء الفرج.

شرعنة العنف العائلي بكل أنواعه من العنف الجسدي، النفسي، الكامن، المادي تحت أي مسمى من المسميات بقصد التربية ، التهذيب الخ هو احد أسباب تفشي العنف كظاهرة مقبولة في المجتمع.

الإصلاح وفقا لأحكام الدين الحنيف لا اعتراض عليه، لكن علينا ان ندرك أننا في مجتمع فسيفسائي فيه المؤمن والمنافق والفاسق، وعليه يجب سحب البساط من تحت من يستعمل الدين كمبرر للكراهية أو العنف.

منذ الصغر ونحن نسمع كثيرا من الاحكام السبقيه المقيته، والاشكالية اننا ندعو بدون وعي لكره الانسان وليس فعله وبهذا نقوم بتعزيز هذه الاحكام السبقية بحيث ترسخ في عقولنا وتتحول الفكرة الى سلوكيات مبررة مجتمعيا.

يقول السيد م.ع ساءت الأمور الى درجة أننا عندما نسمع عن مقتل شخص خارج اطار القانون، شخص نكره سلوكياته او معتقداته نصمت على قتله وكأن ما يحدث هو من عدالة السماء وليس انفلاتا امنيا، وتشوه في القيم الانسانية.

قيل في الغرب أن خطاب الكراهية الذي يجب محاسبة صاحبه عليه هو الخطاب الذي يستهدف المعتقد، الجنس، الطائفة، الاثنية، وفي بعض الأحيان يصعب محاكمة صاحب الخطاب بسبب حرية الرأي وخصوصا إن كان بين شخصين أي ادعاء امام ادعاء بين جدران اربعة. مشكلتنا أن خطاب الكراهية الذي تنطبق عليه كل شروط الجريمة نجده في الحوارات الرسمية وعلى القنوات التلفزيونية ويمر مرور الكرام. نحن نرى قمة الجبل الجليدي للمشاكل المترتبة على خطاب الكراهية والجزء الأكبر تحت السطح لا ندرك لا حجمه.

تقول أستاذة علم اللغويات ومؤلفة كتاب خطاب الكراهية Anne Birgitta Nilsen في تعريف خطاب الكراهية ” بأنه شكل من أشكال اللغة التي تدفع بنظريات المؤامرة وتعزز العنصرية والتمييز على أساس الجنس ومعاداة المذاهب والرهاب أمام جمهور فقد القدرة على نقد وإيقاف هذا الخطاب. وهو يؤثر على كرامة الفرد أو مجموعة الناس وسمعتهم ومكانتهم في المجتمع عن طريق استخدام الأدوات اللغوية التي تستقطب المتابعين السلبيين واتخاذ مواقف أو تصورات عن مجموعة معينة أو فرد.”

بناء على هذا التعريف علينا أن نقف عند اول حوار تلفزيوني بين السياسيين لنتيقن أن خطاب الكراهية هو خطاب القادة والجمهور.

 

 

 

مشاركة