كلام صريح:مشاهد من ثورة تشرين- حسن النواب

642

حسن النواب

المكان‭:‬‭ ‬جسر‭ ‬الزيتون‭ ‬في‭ ‬الناصرية

رائد‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬مكافحة‭ ‬الشغب‭ ‬أراد‭ ‬عبور‭ ‬الجسر،‭ ‬فاستوقفهُ‭ ‬فتىً‭ ‬بعمر‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬ومنعه‭ ‬من‭ ‬المرور،‭ ‬غضب‭ ‬الرائد‭ ‬وصرخ‭ ‬بالفتى‭:‬‭ ‬ولك‭ ‬أنا‭ ‬برتبة‭ ‬رائد،‭ ‬أجابهُ‭ ‬الفتى‭ ‬بتحدٍّ‭:‬‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كنتَ‭ ‬برتبة‭ ‬فريق‭ ‬لن‭ ‬تعبر‭ ‬على‭ ‬الجسر،‭ ‬وإذا‭ ‬أردت‭ ‬العبورعليك‭ ‬التفاهم‭ ‬مع‭ ‬مسؤول‭ ‬السيطرة‭ ‬حسوني،‭ ‬سألهُ‭ ‬الرائد‭:‬‭ ‬وأين‭ ‬حسوني‭ ‬هذا؟‭ ‬أجابَ‭ ‬الفتى‭ ‬انتظر‭ ‬هنا،‭ ‬بعد‭ ‬لحظات‭ ‬وصل‭ ‬حسوني‭ ‬مسؤول‭ ‬السيطرة‭ ‬وكان‭ ‬بعمر‭ ‬عشر‭ ‬سنوات؛‭ ‬وإذا‭ ‬به‭ ‬يوجِّه‭ ‬كلامه‭ ‬للفتى‭:‬‭ ‬إذا‭ ‬عبر‭ ‬الرائد‭ ‬أعاقبك،‭ ‬وفي‭ ‬مرة‭ ‬ثانية‭ ‬لا‭ ‬تطلب‭ ‬مني‭ ‬الحضور‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬تافه‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمام‭ ‬الرائد‭ ‬سوى‭ ‬الرجوع‭ ‬عن‭ ‬الجسر‭ ‬مهزومًا‭ ‬من‭ ‬شجاعة‭ ‬الأطفال‭.‬

في‭ ‬مجلس‭ ‬عزاء‭ ‬أحد‭ ‬شهداء‭ ‬ثورة‭ ‬تشرين،‭ ‬الأب‭ ‬يبكي‭ ‬بحرقة‭ ‬وغير‭ ‬مصدِّق‭ ‬رحيل‭ ‬ابنه‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬عمره‭ ‬السادسة‭ ‬عشر‭ ‬ربيعًا،‭ ‬والناس‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬تحاول‭ ‬تهدأتهِ،‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬ظلَّ‭ ‬يذرف‭ ‬الدمع‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭:‬‭ ‬قبل‭ ‬استشهاده‭ ‬بيوم‭ ‬واحد،‭ ‬طلبَ‭ ‬مني‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬حتى‭ ‬يعمل‭ ‬لا‭ ‬فتة‭ ‬مكتوب‭ ‬عليها‭ ‬نريد‭ ‬وطن،‭ ‬فأقسمتُ‭ ‬لولدي‭ ‬أنّي‭ ‬لا‭ ‬امتلك‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ،‭ ‬بسبب‭ ‬وضعنا‭ ‬المادي‭ ‬الشحيح،‭ ‬ولذا‭ ‬أنا‭ ‬أبكي‭ ‬بحرقة‭ ‬لأني‭ ‬لم‭ ‬أحقق‭ ‬رغبته‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬يستشهد‭.‬ك،‭ ‬فضجَّ‭ ‬المأتم‭ ‬بالنحيب‭.‬

ممرضة‭ ‬في‭ ‬مشفى‭ ‬الناصرية‭ ‬كانت‭ ‬تدوّن‭ ‬أسماء‭ ‬الشهداء،‭ ‬وحين‭ ‬رفعت‭ ‬الغطاء‭ ‬لرؤية‭ ‬وجه‭ ‬أحد‭ ‬الشهداء،‭ ‬شهقت‭ ‬وأغشيَ‭ ‬عليها،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الشهيد‭ ‬شقيقها‭.‬

مسؤول‭ ‬رفيع‭ ‬قام‭ ‬بتوزيع‭ ‬مئة‭ ‬دولار‭ ‬لكل‭ ‬طالب‭ ‬في‭ ‬الفلوجة‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬في‭ ‬التظاهرات،‭ ‬بعد‭ ‬انصراف‭ ‬المسؤول‭ ‬الرفيع،‭ ‬جمع‭ ‬الطلاب‭ ‬ما‭ ‬وهبهم‭ ‬المسؤول‭ ‬وأرسلوا‭ ‬جميع‭ ‬المبلغ‭ ‬إلى‭ ‬المتظاهرين‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭.‬

كتب‭ ‬أحد‭ ‬المتظاهرين‭ ‬النجف‭ ‬مفجوعة،‭ ‬وصلتُ‭ ‬قبل‭ ‬4ساعات‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬نقطة‭ ‬يتواجد‭ ‬فيها‭ ‬المتظاهرون‭ ‬عند‭ ‬مرقد‭ ‬الحكيم‭ ‬و‭ ‬قد‭ ‬دفعوهم‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬العشرين‭ ‬باتجاه‭ ‬الكوفة‭ ‬فهم‭ ‬حالياً‭ ‬قرب‭ ‬شارع‭ ‬البريد،‭ ‬أبعدوهم‭ ‬باستخدام‭ ‬الرصاص‭ ‬الحي‭ ‬والقنابل‭ ‬المسيلة‭ ‬للدموع‭ ‬بينما‭ ‬تقف‭ ‬قوات‭ ‬الطوارئ‭ ‬مكتوفة‭ ‬الأيدي‭  ‬خلفنا‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬مواجهة‭ ‬من‭ ‬يرتدون‭ ‬‭(‬الدشاديش‭)‬  ‬أو‭ ‬ليس‭ ‬لديها‭ ‬أمر‭ ‬بحماية‭ ‬الناس‭ ‬و‭ ‬ربما‭ ‬عرف‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬المجهولة‭ ‬التي‭ ‬نزلت‭ ‬من‭ ‬السماء‭!!‬  ‬تقدمت‭ ‬باتجاه‭ ‬اعتصامنا‭ ‬قبل‭ ‬يومين‭ ‬و‭ ‬كادت‭ ‬تعبر‭ ‬الجسر‭ ‬لولا‭ ‬وقوف‭ ‬المتظاهرين‭  ‬في‭ ‬طريقهم‭ ‬و‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭  ‬و‭ ‬الدماء‭ ‬تسيل‭ ‬بلا‭ ‬هوادة،‭ ‬شباب‭ ‬يقتلون‭ ‬و‭ ‬جرحى‭  ‬تزدحم‭ ‬بهم‭ ‬سيارات‭ ‬الإسعاف‭ ‬هذا‭ ‬الضياع‭ ‬و‭ ‬الموت‭ ‬نتيجة‭ ‬بدهية‭ ‬لسلطة‭ ‬فاقدة‭ ‬للشرعية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مراحل‭ ‬حكمها‭ ‬فالتحريض‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬نار‭ ‬يسكبها‭ ‬القتلة‭ ‬على‭ ‬شعب‭ ‬سرقت‭ ‬خيراته‭ ‬فجفت‭ ‬عروق‭ ‬الصبر‭ ‬فيه‭. ‬متظاهر‭ ‬آخر‭ ‬يكتب‭:‬‭ ‬هل‭ ‬تعلمون‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الفاجعة؟‭ ‬هي‭ ‬أنْ‭ ‬يرزق‭ ‬زوجان‭ ‬بولدٍ‭ ‬وحيد‭ ‬بعد‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬زواجهما‭ ‬،‭ ‬ويقتل‭ ‬هذا‭ ‬الأبن‭ ‬بدم‭ ‬بارد‭. ‬الفاجعة‭ ‬هي‭ ‬أنْ‭ ‬يرفض‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬وضع‭ ‬ابنهما‭ ‬الشهيد‭ ‬في‭ ‬نعش‭ ‬عند‭ ‬نقله‭ ‬إلى‭ ‬المقبرة،‭ ‬وضعاهُ‭ ‬في‭ ‬حضنيهما‭ ‬طوال‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬مثواه‭ ‬الأخير،‭ ‬تخيلوا‭ ‬كيف‭ ‬دفنوه؟‭ ‬الفاجعة‭ ‬هي‭ ‬أنْ‭ ‬يكتب‭ ‬أحدهم‭ ‬منشوراً‭ ‬على‭ ‬فيس‭ ‬بوك‭ ‬مرفقاً‭ ‬بصورة‭ ‬شهيد‭ ‬مجهول‭ ‬الهوية‭ ‬ويطلب‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬معلومات‭ ‬حول‭ ‬مكان‭ ‬سكنه،‭ ‬فيعلِّق‭ ‬أحدهم‭ ‬هذا‭ ‬ابني‭ ‬مهدي‭. ‬الفاجعة‭ ‬هي‭ ‬أنْ‭ ‬تتصل‭ ‬أم‭ ‬على‭ ‬ولدها،‭ ‬فيجيبها‭ ‬الطبيب‭ ‬من‭ ‬المستشفى‭ ‬،‭ ‬البقية‭ ‬في‭ ‬حياتك‭  ‬ابنك‭ ‬نال‭ ‬الشهادة‭..‬الفاجعة‭ ‬أنْ‭ ‬تنادي‭ ‬مكبرات‭ ‬الصوت‭ ‬في‭ ‬الناصرية‭ ‬محتاجين‭ ‬توابيت‭ ‬للطب‭ ‬العدلي‭ ‬بعد‭ ‬نفادها‭ ‬بسبب‭ ‬كثرة‭ ‬الشهداء‭ .. ‬كأنَّ‭ ‬الفجيعة‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬متظاهر‭ ‬بعمر‭ ‬الوَرْد،‭ ‬كانت‭ ‬إصابته‭ ‬بليغة،‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬تحامل‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬وأوصى‭ ‬أصدقائه‭ ‬قائلاً‭:‬‭ ‬إذا‭ ‬استشهدتْ،‭ ‬إخبروا‭ ‬أمي‭ ‬أني‭ ‬سافرت‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬قطر‭ ‬لمشاهدة‭ ‬مباراة‭ ‬المنتخب‭ ‬العراقي‭. ‬رفضت‭ ‬الأم‭ ‬مبارحة‭ ‬ولدها‭ ‬الشهيد،‭ ‬كانت‭ ‬مؤمنة‭ ‬أنهُ‭ ‬نائم‭ ‬من‭ ‬تعب‭ ‬التظاهرة،‭ ‬وسيستيقظ‭ ‬بعد‭ ‬حين‭. ‬سائق‭ ‬التكتك‭ ‬وحده‭ ‬الذي‭ ‬سحق‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمر‭ ‬وتقدَّم‭ ‬بثبات‭ ‬لقطاف‭ ‬ثمار‭ ‬ثورة‭ ‬تشرين‭ ‬التي‭ ‬نضجت‭ ‬الآن‭.‬

[email protected]‭.‬com

مشاركة