كلام صريح:سكرتير المسؤول- حسن النواب

684

حسن النواب

على‭ ‬مدى‭ ‬سنواتِ‭ ‬هجرتي‭ ‬الطويلة؛‭ ‬لم‭ ‬أقابل‭ ‬أو‭ ‬أصادف‭ ‬سكرتيراً‭ ‬واحداً‭ ‬يعترض‭ ‬طريقي‭ ‬عند‭ ‬مواجهتي‭ ‬لمسؤولٍ‭ ‬ما‭ ‬خلال‭ ‬مراجعتي‭ ‬للدوائر‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬أُستراليا،‭ ‬والواقع‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬أيُّ‭ ‬سكرتير‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬مسؤول،‭ ‬إنَّما‭ ‬هناك‭ ‬رقم‭ ‬تسلسلي‭ ‬تحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬جهاز‭ ‬آلي‭ ‬يقابلك‭ ‬عند‭ ‬دخولك‭ ‬لدائرة‭ ‬رسمية‭ ‬أو‭ ‬بنك‭ ‬أو‭ ‬مشفى،‭ ‬ومع‭ ‬أنَّ‭ ‬كلمة‭ ‬سكرتير‭ ‬هي‭ ‬إنكليزيه‭ ‬الأصل،‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬الإنكليز‭ ‬اخترعوا‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬واستغنوا‭ ‬عنها‭ ‬وحرصوا‭ ‬على‭ ‬تصديرها‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ومنها‭ ‬بلدي‭ ‬العراق،‭ ‬فلقد‭ ‬لاحظت‭ ‬أنَّ‭ ‬مهنة‭ ‬السكرتير‭ ‬رائجة‭ ‬جداَ‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مفاصل‭ ‬الحياة‭ ‬العراقية،‭ ‬فحتَّى‭ ‬المشعوذ‭ ‬وضع‭ ‬سكرتيراً‭ ‬يستقبل‭ ‬المغفلين‭ ‬والقابلة‭ ‬المأذونة‭ ‬وضعتْ‭ ‬سكرتيرة‭ ‬تستقبل‭ ‬النسوة‭ ‬الحوامل،‭ ‬ويمكن‭ ‬لكَ‭ ‬أنْ‭ ‬ترى‭ ‬السكرتير‭ ‬أو‭ ‬السكرتيرة‭ ‬وما‭ ‬أكثرهنَّ‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الدوائر‭ ‬الحكومية‭ ‬وحتى‭ ‬المكاتب‭ ‬الأهلية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أيُّ‭ ‬مسؤول‭ ‬حكومي‭ ‬شديد‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تعيين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سكرتير‭ ‬قبل‭ ‬الدخول‭ ‬على‭ ‬حضرته،‭ ‬طامعاً‭ ‬بمهابةٍ‭ ‬أكثر‭ ‬لجنابهِ‭ ‬الكريم،‭ ‬ولقد‭ ‬صادفت‭ ‬أوَّل‭ ‬سكرتير‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬العملية‭ ‬خلال‭ ‬خدمتي‭ ‬العسكرية،‭ ‬إذْ‭ ‬كان‭ ‬رئيس‭ ‬عرفاء‭ ‬الوحدة‭ ‬يقوم‭ ‬بمهام‭ ‬السكرتير،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الرئيس‭ ‬عرفاء‭ ‬جلفاً‭ ‬وقاسياً‭ ‬وحاقداً‭ ‬على‭ ‬الجندي‭ ‬المسكين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬آمر‭ ‬الوحدة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وينسحب‭ ‬هذا‭ ‬الوصف‭ ‬الرديء‭ ‬على‭ ‬سكرتير‭ ‬محافظ‭ ‬كربلاء‭ ‬بعد‭ ‬مذبحة‭ ‬الانتفاضة‭ ‬في‭ ‬شعبان،‭ ‬حيثُ‭ ‬كان‭ ‬مستبداً‭ ‬وجشعاً‭ ‬ومخادعاً‭ ‬ولعيناً‭ ‬وجباناً‭ ‬يشتم‭ ‬الناس‭ ‬بلا‭ ‬جنايةٍ‭ ‬أو‭ ‬جريرةٍ‭ ‬وذنبٍ‭ ‬اقترفوه‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬المحافظ‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬طيِّباً‭ ‬وشفوقاً‭ ‬ورصيناً‭ ‬وحكيماً‭ ‬وشجاعاً‭ ‬وعادلاً،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬السكرتير‭ ‬البهلوان‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬منصبه‭ ‬حين‭ ‬اكتشف‭ ‬المحافظ‭ ‬تورُّط‭ ‬سكرتيره‭ ‬الشخصي‭ ‬برشوةٍ‭ ‬كبيرةٍ‭ ‬مقابل‭ ‬أنْ‭ ‬ترسو‭ ‬مناقصة‭ ‬تنظيف‭ ‬شوارع‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬مقاول‭ ‬زائف،‭ ‬وهكذا‭ ‬أمضى‭ ‬ذلك‭ ‬السكرتير‭ ‬الظالم‭ ‬بقية‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬غريب‮»‬،‭ ‬وعندما‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬وأصبح‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬العراق،‭ ‬توسَّعتْ‭ ‬نشاطاتي‭ ‬الأدبية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وتعرَّفتُ‭ ‬على‭ ‬مسؤولين‭ ‬آخرين‭ ‬حتى‭ ‬صرت‭ ‬أقابل‭ ‬وجه‭ ‬السكرتير‭ ‬أو‭ ‬السكرتيرة‭ ‬لهذا‭ ‬المسؤول‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر،‭ ‬فسكرتير‭ ‬جريدة‭ ‬القادسية‭ ‬مثلاً‭ ‬كان‭ ‬جافاً‭ ‬وعبوساً‭ ‬ومتعجرفاً‭ ‬ورئيس‭ ‬تحريرها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬نفس‭ ‬مواصفات‭ ‬سكرتيره‭ ‬إنْ‭ ‬لم‭ ‬يزد‭ ‬عليها‭ ‬أرستقراطية‭ ‬زائفة،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬سكرتير‭ ‬صديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬حميد‭ ‬سعيد‭ ‬عندما‭  ‬كان‭ ‬بمنصب‭ ‬وكيل‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ ‬آنذاك،‭ ‬يتصف‭ ‬بالوداعة‭ ‬والبشاشة‭ ‬والتواضع‭ ‬وأذكر‭ ‬أنَّ‭ ‬اسمه‭ ‬داود‭ ‬إنْ‭ ‬لم‭ ‬تخنِّ‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وحتى‭ ‬سكرتيرة‭ ‬صديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬سامي‭ ‬مهدي‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يرأس‭ ‬تحرير‭ ‬جريدة‭ ‬الثورة،‭ ‬كانت‭ ‬تتصف‭ ‬بحنانٍ‭ ‬وارفٍ‭ ‬وطيبةٍ‭ ‬متناهيةٍ‭ ‬تُضفي‭ ‬جمالاً‭ ‬على‭ ‬روحها،‭ ‬وحين‭ ‬أصبحتُ‭ ‬محرّراً‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬الف‭ ‬باء،‭ ‬كان‭ ‬سكرتير‭ ‬صديقي‭ ‬الأستاذ‭ ‬أمير‭ ‬الحلو‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬المجلة‭ ‬ينحدر‭ ‬من‭ ‬محافظة‭ ‬النجف،‭ ‬وكانت‭ ‬ابتسامته‭ ‬الحنطية‭ ‬تستقبل‭ ‬الزائرين‭ ‬مع‭ ‬تواضعٍ‭ ‬شفيفٍ‭ ‬تلمسه‭ ‬عندما‭ ‬يتحدَّث‭ ‬إليك،‭ ‬ولعلَّ‭ ‬مهنة‭ ‬السكرتير‭ ‬في‭ ‬بلدٍ‭ ‬مثل‭ ‬العراق‭ ‬تلعبُ‭ ‬دوراً‭ ‬خطيراً‭ ‬بمعرفةِ‭ ‬شخصية‭ ‬المسؤول‭ ‬الذي‭ ‬ستقابلهُ،‭ ‬فكلما‭ ‬كان‭ ‬السكرتير‭ ‬أو‭ ‬السكرتيرة‭ ‬يتَّصفان‭ ‬بالشفافية‭ ‬والمرونة؛‭ ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬المسؤول‭ ‬الذي‭ ‬تواجههُ‭ ‬أكثر‭ ‬مرونةً‭ ‬وأكثر‭ ‬حناناً،‭ ‬بينما‭ ‬هناك‭ ‬سكرتير‭ ‬يعطيك‭ ‬انطباعاً‭ ‬مخيفاً‭ ‬عن‭ ‬المسؤول‭ ‬الذي‭ ‬ستراهُ،‭ ‬نتيجة‭ ‬غلوائهِ‭ ‬وغطرستهِ‭ ‬وغرورهِ،‭ ‬لذا‭ ‬أجد‭ ‬أنَّ‭ ‬مهمة‭ ‬اختيار‭ ‬السكرتير‭ ‬يجب‭ ‬أنْ‭ ‬تكون‭ ‬بعنايةٍ‭ ‬فائقةٍ‭ ‬وتخضع‭ ‬إلى‭ ‬دراسةٍ‭ ‬معمَّقةٍ‭ ‬لشخصيتهِ‭ ‬ونفسيتهِ‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬توكل‭ ‬لهُ‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬الخطيرة،‭ ‬فكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬السكرتير‭ ‬سبباً‭ ‬جوهرياً‭ ‬بكراهية‭ ‬الناس‭ ‬لمسؤول‭ ‬ما‭ ‬برغم‭ ‬أنَّهم‭ ‬لم‭ ‬يلتقونَ‭ ‬به‭ ‬مطلقاً،‭ ‬إنَّما‭ ‬جاءتْ‭ ‬انطباعاتهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سلوك‭ ‬سكرتيره‭ ‬المتغطرس‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬محترفاً‭ ‬بالتبخير‭ ‬والتملّق‭ ‬لسيدة‭ ‬المسؤول‭ ‬عادةً‭. ‬لقدْ‭ ‬واجهتُ‭ ‬مسؤولين‭ ‬كثر‭ ‬خلال‭ ‬حياتي‭ ‬الصحفية،‭ ‬بعضهم‭ ‬أصبحوا‭ ‬أصدقائي‭ ‬وبعضهم‭ ‬مازالتُ‭ ‬من‭ ‬ألدِّ‭ ‬أعدائهم،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬بالكَ‭ ‬بالمسؤول‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضع‭ ‬سكرتيراً‭ ‬لهُ،‭ ‬أجلْ‭ ‬كان‭ ‬صديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬الراحل‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ‭ ‬مديراً‭ ‬عاماً‭ ‬للسينما‭ ‬والمسرح،‭ ‬وكنتُ‭ ‬مع‭ ‬صديقي‭ ‬الحبيب‭ ‬كزار‭ ‬حنتوش‭ ‬نزورهُ‭ ‬إلى‭ ‬مكتبه‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر‭ ‬ولم‭ ‬أر‭ ‬هناك‭ ‬أيُّ‭ ‬سكرتير‭ ‬قبل‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬مكتبه،‭ ‬إذْ‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬الممثل‭ ‬البارع‭ ‬طعمه‭ ‬التميمي‭ ‬يجلسُ‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬على‭ ‬يمين‭ ‬مكتب‭ ‬الصائغ،‭ ‬وعرفت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬أنَّ‭ ‬‮«‬رحُّومي‮»‬‭ ‬وهذا‭ ‬اسمه‭ ‬بالدور‭ ‬الذي‭ ‬أجادهُ‭ ‬بامتيازٍ‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬الذئب‭ ‬وعيون‭ ‬المدينة‭ ‬كان‭ ‬نائبه‭ ‬في‭ ‬الدائرة،‭ ‬ولما‭ ‬زرت‭ ‬نقابة‭ ‬الصحفيين‭ ‬قبل‭ ‬شهور‭ ‬لتجديد‭ ‬هويتي،‭ ‬واجهتُ‭ ‬سكرتير‭ ‬اللامي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬منشغلاً‭ ‬بالرد‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬الزائرين؛‭ ‬ولما‭ ‬قدَّمتُ‭ ‬لهُ‭ ‬نفسي‭ ‬شعرتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬ثمة‭ ‬اهتماماً‭ ‬بدر‭ ‬منهُ‭ ‬برغم‭ ‬ملامح‭ ‬وجهه‭ ‬الصارمة‭ ‬والمخيفة،‭ ‬وحرص‭ ‬على‭ ‬استقبالي،‭ ‬حتى‭ ‬رأيت‭ ‬اللامي‭ ‬بعد‭ ‬نصفِ‭ ‬ساعةٍ‭ ‬بوجهٍ‭ ‬افتعلَ‭ ‬صلابتهُ؛‭ ‬ولما‭ ‬دنوتُ‭ ‬منهُ‭ ‬قلتُ‭ ‬استفزَّهُ‭ ‬أمام‭ ‬الحاضرين‭: ‬‮«‬خفِّفْ‭ ‬من‭ ‬غلوائكِ؛‭ ‬ماذا‭ ‬ستفعل‭ ‬لو‭ ‬صرت‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة؟‮»‬،‭ ‬فتبخَّرت‭ ‬صلابة‭ ‬وجهه‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬ابتسامته‭ ‬العفوية‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬رأيتها‭ ‬على‭ ‬وجههِ‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬مراسلاً‭ ‬لجريدة‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬التسعينيات‭ ‬قادماً‭ ‬بين‭ ‬أسبوع‭ ‬وآخر‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬العمارة،‭ ‬أقول‭ ‬أخيراً‭ ‬مائة‭ ‬مسؤول‭ ‬ولا‭ ‬سكرتيراً‭ ‬واحداً،‭ ‬ولله‭ ‬في‭ ‬خلقهِ‭ ‬شؤونْ‭. ‬

خارج‭ ‬الموضوع‭: ‬تسمعُ‭ ‬نقيقَ‭ ‬الضفدعة‭ ‬عندما‭ ‬تشتهي‭ ‬النِكاح‭.‬

مشاركة