كلام بالقيراط ـ فوضى الجنسية ـ حسن النوّاب

كلام بالقيراط ـ فوضى الجنسية ـ حسن النوّاب
فجراً تركنا مدينة كربلاء المقدسة حتى نكون في طليعة المراجعين لمديرية الجنسية العامة والكائنة في الكرادة ، لغرض الحصول على صحة صدور لشهادة الجنسية العراقية التي طلبتها دائرة العقاري في كربلاء ، بعد ان قررت العائلة بيع بيت والدتي رحمها الله بسعر التراب ، وصلنا المديرية قبل ان تفتح بابها الى المراجعين وانتهزنا الوقت لتكملة اجراءات ونواقص المعاملة لدى كاتب عرائض مازال النعاس يعشش في عينيه ، وحين سمح الحارسان المتوتران للمراجعين بالدخول بعد خضوعهم للتفتيش الدقيق ، امتلأت ساحة المديرية الضيقة بالمراجعين خلال دقائق ، كنت اجد صعوبة بالعثور على موطىء قدم ، زحام يفوق زحام مدينة الطب اضعافا ، اجساد المراجعين ذكورا واناثا وشيوخا واطفالا مكبوسين ومتكدسين على بعضهم بإنتظار موظف الجنسية الذي صعد على منصة حاملاً بيده كدسٌ من الفايلات التي جاء بها من غرفة الحاسبة وبدأ ينادي بالأسماء ، كان المشهد مؤلما جدا وانا ابصر تدافع المراجعين والعرق يتصبب من وجوههم المرهقة بغية الحصول على فايلاتهم ، وتسائلت لماذا الحكومة لم تفكر بإنشاء بناية عصرية وواسعة تستوعب هذه الأعداد الهائلة من الناس ؟ ولماذا ظلت المديرية متشبثة بهذه البناية القديمة التي تشبه المعتقل ، استغربت كيف ان الحكومة طيلة عمرها الذي تجاوز العشر سنوات لم تدرج مشروع بناء مديرية جديدة تليق بالمراجعين ، ولماذا هذا الأصرار على تعذيب المواطن المعذّب اصلاً في بناية شبه مظلمة ترغمه على صعود سلالم اسمنتية متصدعة بطوابقها الثلاثة املاً بإنجاز معاملته تحت سطوة روتين قاتل وتعامل بيروقراطي مهين من قبل الموظفين الذي اغلبهم بزي الشرطة ، كنت مع اختي الكبرى واخي الذي يصغرني نصعد سلالم ونهبط اخرى وسط زحام المراجعين كتائهين ، فلا دليلاً يرشدنا على الغرفة التي يمكن من خلال موظفيها انجاز معاملتنا ، بقينا ندور لمدة نصف ساعة حتى ارشدنا مراجع ضليع بشؤون المديرية على غرفة عُلّقتْ عند بابها لوحة خشبية سمراء كُتبَ عليها ضابط تدقيق المنطقة الجنوبية ، وشاهدت امرأة انهكها التعب في الخمسين من عمرها قد نفد صبرها بعد ان عجزت من الوصول الى مبتغاها تصرخ محتجة على ضياعها وسط الزحام ومزقت الفايل الذي بيدها وتركت مبنى المديرية وهي تلهج بالدعاء المر على الحكومة وعلى موظفي المديرية ، كان الفايل الذي بيدي بحاجة الى توقيع من قبل ملازم ثان يجلس مع اخر بنفس الرتبة في تلك الغرفة التي تدور في سقفها مروحة تئن من الإهمال هي الأخرى ، ولما رجوته ان يضع توقيعه ويسهّل امري لأني جئت من مدينة بعيدة ، احتج وطلب مني الوقوف بالطابور وطبّقَ النظام بحذافيره بمجرد معرفته اني من اصحاب مهنة المتاعب ، اذعنت لأمره طائعاً والتحقت بالطابور الطويل ، وماهي الا دقائق حتى دخل احدهم برتبة نقيب وطلب من الملازم تمشية معاملات وضعها امامه على المنضده ضاربا الطابور الطويل عرض الحائط ، استغرق انجاز معاملات الوساطة عشر دقائق ، ولما عاد الملازم لإنجاز معاملة احد المراجعين من الطابور ، دخل رجل بكوفية سوداء طويل القامة ، اخترق الطابور واصبح امام الملازم احمد ناصر جبر الساعدي الذي استقبله بالترحاب وانجز معاملته بسرعة فائقة ، حينها ارتفع صوتي محتجاً لعدم تطبيق النظام على الجميع ، فأجابني الملازم مغمغما ، والطريف ان الملازم احمد اخبر مراجعه المدلل بالذهاب الى غرفة ثلاثين ، فما كان من المراجع الا دس يده في جيبه معتقدا ان الملازم طلب ثلاثين الف دينار رشوة ؟؟ اخيرا بعد ساعة من الوقوف وصل دوري الذي كان يتطلب مجرد توقيع من ذلك الملازم الذي شعر بخطئه وراح يستعرض انسانيته المفتعلة امامي حين فتح عبوة الماء لأمراة عجوز كانت تلهث من التعب وطلب منها الجلوس على كرسي بجواره ، لقد حاول ايصال رسالة زائفة من كونه يتمتع بتعامل انساني مع الجميع ، حين تركت غرفته دخل ضابط آخر بيده رزمة فايلات وطلب من الملازم احمد اكمالها بينما كان طابور المراجعين يزداد طولاً والماً وحسرات ، في الطابق الأول رأيت مدير الجنسية الذي كان برتبة لواء يتفقد احوال المراجعين ويستمع الى طلباتهم بحنو ورفق ، اعجبني تعامله الأبوي الشفيف مع المراجعين ، مثلما رأيته يشتعل غضبا عندما عثر على احد الموظفين برتبة نقيب يدك فج في احد اركان البناية تاركا المراجعين يقفون بالأنتظار عند باب غرفته ، سمعت اللواء يوّبخ ذلك النقيب وهو يردد عيب استحوا ؟؟ ارحموا المراجعين ، بعد ان هدأت ثورة غضبه ، قدّمت للواء نفسي فرّحب الرجل وطلبت معونته بسبب عراقيل صادفت معاملة اختي واخي الأصغر ، فأرسلني الى عقيد في الطابق الثاني ، بقيت دقائق عند باب غرفته حتى سمح لي بالدخول ، قلّب الفايل متذمرا ثم قال من خلف انفه يجب فتح الأضبارة للتحقق ، خرجت من غرفته حانقاً ذلك اني اكملت معاملتي بخلاف اختي واخي الأصغر فقد تعثرت معاملتهم برغم اننا جميعا في اضبارة واحدة وجئنا الى هذه الدنيا من اب واحد وام واحدة ، في الطابق الأرضي تضاعف زحام المراجعين امام كشك توزيع الأستمارات التي نفدت ؟ وسمعت صوت احد المنتسبين يهتف تعالوا غدا استمارات ماكو خرجت من البناية كما لو اني تخلصت من معتقل او من حمام ساونا نتيجة لهيب الحر ، وثمة سؤال ظل يلوب بخاطري طوال طريق العودة الى كربلاء ، تُرى متى تنجز الحكومة بناية جديدة لمديرية الجنسية وتنقذ المواطن من هذه البناية الضيقة والمظلمة والمتهالكة ومتى يلمس المراجع الأحترام ويتخلص من هذا الروتين والمحسوبية والمنسوبية ، ترى متى يمكن للمواطن البسيط مثلي ان يستلم وثائقه عن طريق بريد المنزل ؟ متى ؟
AZP20
HSNO

مشاركة