كلام بالقيراط ـ حياة باسلة ـ حسن النوّاب

كلام بالقيراط ـ حياة باسلة ـ حسن النوّاب
اسمحوا لي ايها القراء الأعزاء ، ان تكون زاويتي لهذا الأسبوع عن روايتي حياة باسلة والشهادة التي قرأتها في جلسة نادي السرد … ما اكثر الروايات التي تحدث مع كل شهقة في دروب الحياة ، وما أقل التدوين عنها ، كل يوم نستقيظ فيه هو رواية نكتبها دون ان تدري ، لكن تدوينها ليس على الورق انما ينقش في الذاكرة وفي الشوارع وفي زحام الناس ، حياتنا روايات تترى تضيع عبثا نتيجة الإهمال والعبث والكسل ، كل كائن يجلس في هذه القاعة هو روائي لكن الأحداث التي تصادفه يدعها تذهب ادراج الرياح او تنصهر تحت شمس ظهيرة او وابل مطر ، قلوبنا جميعا ملآى بالروايات ورؤوسنا ايضا بل حتى انفاسنا المتقطعة من لهاثها وكدحها بهذه الحياة التي تستحق الأنحناء ، ولا اظن ان هناك رواية مكتملة ، او بلغت درجة الكمال ، كل الروايات التي دوّنت مازال الرائي فيها ينادي على افكارنا وموهبتنا ان نملأ الفراغات الهائلة التي تركناها في جسد الرواية ، ذلك ان الرواية مثل امرأة تبادلها العاطفة الملتهبة على فراش لكن فحولتك تخذلها ولم تشبع غريزتها الثائرة ، اجل الرواية امرأة تضج بالأنوثة وما احوجها الى الى فحل من طراز خاص يملأ جب جسدها بماء الكلام ، واذا كان الشعر صديقي وانيسي في التسكع والحانات فأن الرواية هي غريمتي حين يجن الليل ويبدأ اغواء التدوين يسيل من يراعي مثل نبع في صحراء ، لم اجد رواية وصلت حد الأرتواء من حبر كاتبها ، جميع الروايات التي دوّنت لما تزل ظمأى الى حبر الجنون والبوح الذي يجعل سطور الورقة تهتز من لوعة الأنتظار ، وما روايتي حياة باسلة الا مقطعا عابرا من هذه الحياة الضاجة بما هو غريب ومدهش ، عشر سنوات وربما يزيد عمر تدوين هذه الرواية ، بدأ منتصف التسعينيات من خلال كتابي ضماد ميدان لذاكرة جريحة ، لكن بوحي الشرس كان تحت الرقيب ، فذبح مئات الأوراق منها خشية من غضب الحكومة انذاك ، ولذا جاءت الإستذكارات مثل جندي خرج من حرب عنيفة لا يمشي الا على عكازتين ، ولما وصلت الى استراليا ، كانت اولى مشاريعي زيارة جان دمو الى سدني بعد فراق عنه لمدة سبع سنوات ، كنت مرتبكا في بيرث وانا احط رحالي مع عائلتي ، فلا لغة تسعفني في حينها ، وكنت بحاجة الى شهرين على اقل تقدير حتى استقر ، ثم اطير بأول طائرة الى سدني ، لكن مهاتفة الشاعر غيلان اغتالت ذلك الوجد العاصف بصدري الى حبيبي جان ، قال لي بصوت يقطر دمعا ، لقد مات جان ؟؟ وشعرت حينها ان قطعان غربان وبومات تنعب وتنعق في وديان صدري ، لقد تحول رأسي الى مأتم في عاشوراء ، ولم اجد وسيلة للخلاص من الأختناق الذي حاصرني سوى تدوين حياتي مع جان ومع اترابي الصعاليك الآخرين ، وبدأت ادوّن بأصابع تنزف قارا على ازرار الحاسوب ، لم يكن النت قد وصل العراق عندما بدأت انشر حلقات حياة باسلة في موقع كتابات ، بعد شهر وصلتني رسالة من مدير الموقع يخبرني ان عدد القراء لحياة باسلة فاق المتوقع في ارجاء الوطن العربي ، لا اذكر لكم الرقم حتى لا تتهموني بالغرور ، فتحمست لمواصلة التدوين ، ولما ارسلت حلقة منها الى جريدة القدس العربي ، وصلتني رسالة من الشاعر امجد ناصر يقترح فيها نشر الرواية بالكامل على صفحات الجريدة ، ولم يكن يعلم ان تدويني كان يوميا ولم اكن قد اكملت الرواية ولا اعرف كيف ستنتهي ، غير ان ساعات الأستغراق بالكتابة كانت من الذ ايام حياتي ، ذلك ان السطور كنت اراها غارقة بالدمع والحسرات والثمالة والشهقات والدهشة ، فجأة توقفت عن مواصلة الكتابة ، بعد ان استوعبتُ اللغة الأنكليزية ، وفكرت بأعادة تدوينها بحروف افرنجية ، لكن الغربة اكلت طموحي ذلك ، اهملت حياة باسلة اربع سنوات ثم عدت وكتبتها مرة اخرى لكني هذه المرة لم اتوقف ، انما عزمت ان لا اضع اصبعي على نبع النزف حتى اصل الى نهاية المطاف ، وهكذا خرجت حياة باسلة بعد اعادة ترميم استمر طويلا ، كنت بغاية الخوف ان ما صرفته من جهد سيذهب في نهر سراب ، وكنت ابحث عمّن لا يجاملني حين يقرأها ، ارسلت الرواية الى المبدع حمزة الحسن ، وتأخر رده اسابيع ، كاد حينها قلبي ان يتوقف من هواجس الفشل حتى وصلتني رسالة مقتضبة منه يقول فيها ؟؟ لقد دوختني ياحسن .. العن دينك ، مت مطمئنا الآن ، فشجعني ان ابعث بالرواية الى صديقي علي حسين عبيد ، وكانت اجابته مدهشة ، قال لي حتى لو توقفت عن الكتابة لايهم بعد الآن ، ثم ارسلتها الى وارد بدر السالم ، فكتب سطورا جعلت عيني تثمل بالدمع ، بعدها تأكدت ان حياة باسلة هي باسلة حقا ، اقول اخيرا .. اذا كان تدوين اية رواية هو الشقاء بعينه ، فأن الوصول الى مبنى الأتحاد من مدينة كربلاء اكثر عناء ومشقة، واذا كان الشعر ظلي فأن الرواية زوجتي الثانية ، وتعرفون جيدا اي دلال تنعم به زوجة ثانية مع رجل دخل كهف الشيخوخة مبكرا ، حياة باسلة هي حياة العراقيين الذي صافحوا كف الموت وعبروا الى الضفة الأخرى لمصافحة كف الجحيم الذي مازال يستعر حتى الآن في ضلوع الوطن .
AZP20
HSNO