كفى‭ ‬ظلماً‭ ‬للأنثى- قيس الدباغ

منذ‭ ‬ساعات‭ ‬ولادة‭ ‬الأنثى،‭ ‬يلاقيها‭ ‬والدها‭ ‬بوجهٍ‭ ‬مُسَوَّدٍ،‭ ‬وهو‭ ‬كَظِيم‭. ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬حالةً‭ ‬عامةً‭ ‬الآن،‭ ‬لكنها‭ ‬موجودة‭ ‬ومتأصلة‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭.‬

كان‭ ‬لديَّ‭ ‬زوج‭ ‬أختٍ‭ ‬حاصل‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬ماجستير‭ ‬ويدرس‭ ‬للدكتوراه،‭ ‬وحدث‭ ‬أن‭ ‬ولدت‭ ‬له‭ ‬أولَ‭ ‬وِلادةٍ‭ ‬فكانت‭ ‬أنثى‭. ‬لم‭ ‬يحضر‭ ‬ولادتها‭ ‬وتركها‭ ‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬لمدة‭ ‬شهر‭ ‬كامل،‭ ‬لم‭ ‬يَرَها‭ ‬ولم‭ ‬يَرَ‭ ‬زوجته،‭ ‬وكان‭ ‬‭ ‬كما‭ ‬ذكره‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬‭ ‬مُسَوَّدَ‭ ‬الوجه‭ ‬وهو‭ ‬كَظِيم،‭ ‬ومحتجًّا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬زوجته‭ ‬رُزقت‭ ‬بأنثى‭.‬

ولو‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬الجاهلية‭ ‬الأولى‭ ‬لقلنا‭: ‬إن‭ ‬الأب‭ ‬يفرح‭ ‬بولادة‭ ‬الذكر‭ ‬لكونه‭ ‬سيصبح‭ ‬مستقبلاً‭ ‬مقاتلاً‭ ‬يَذُبُّ‭ ‬عن‭ ‬القبيلة‭ ‬ويدفع‭ ‬الأذى‭ ‬عنها،‭ ‬ولكننا‭ ‬في‭ ‬حضارة‭ (‬الإنسانوية‭ ‬وليست‭ ‬الانسانية‭ ‬فقط‭) ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين،‭ ‬وبقي‭ ‬الفكر‭ ‬الجاهلي‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭.‬

ما‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الأنثى‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الطفولة‭ ‬حتى‭ ‬تُكلَّف‭ ‬بواجب‭ ‬حمل‭ ‬أخيها‭ ‬الصغير‭ ‬المدلَّل‭ ‬بجسدها‭ ‬النحيل،‭ ‬وترعاه‭. ‬وإذا‭ ‬بكى‭ ‬الصغير‭ ‬انهالت‭ ‬أمها‭ ‬عليها‭ ‬بالتعنيف‭ ‬والضرب‭ ‬أحيانًا،‭ ‬وسبب‭ ‬بكاء‭ ‬الصغير‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬سماح‭ ‬أخته‭ ‬له‭ ‬بجَذِّ‭ ‬جدائلها‭ ‬والعبث‭ ‬بشعرها‭.‬

تنتهي‭ ‬من‭ ‬حمل‭ ‬الأخ‭ ‬وتبدأ‭ ‬بمساعدة‭ ‬أمها‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬المنزلية؛‭ ‬لأن‭ ‬الأم‭ ‬حامل‭ ‬بذكرٍ‭ ‬ثانٍ‭ ‬سَيُشَرِّفُ‭ ‬بحضوره‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭. ‬تترك‭ ‬دراستها‭ ‬الابتدائية‭ ‬رغم‭ ‬تفوقها؛‭ ‬لترعى‭ ‬إخوتها‭ ‬الأصغر‭ ‬منها‭.‬

ما‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬جسدها‭ ‬الغضُّ‭ ‬بالنمو،‭ ‬تبدأ‭ ‬توجيهات‭ ‬الأم‭ ‬بزجرها‭ ‬إذا‭ ‬قامت‭ ‬وإذا‭ ‬جلست‭ ‬ولم‭ ‬تراعِ‭ ‬الأعراف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بحجب‭ ‬جسدها‭ ‬وستره‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬أقرب‭ ‬الأقرباء‭.‬

ويأخذها‭ ‬حظها‭ ‬العاثر‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬حظوة‭ ‬من‭ ‬جمال‭ ‬إلى‭ ‬الزواج‭ ‬المبكر‭. ‬يأخذها‭ ‬الزوج‭ ‬الذي‭ ‬يكبرها‭ ‬بخمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬عامًا؛‭ ‬لتبقى‭ ‬شابة‭ ‬ناضجة‭ ‬عند‭ ‬هرمه‭. ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تحكم‭ ‬أم‭ ‬الزوج‭ ‬وأخته‭ ‬العانس‭ ‬فيها،‭ ‬وتُحرَم‭ ‬من‭ ‬زيارة‭ ‬ذويها‭ ‬بحجة‭ ‬واجبات‭ ‬المنزل‭ ‬من‭ ‬طبخ‭ ‬وتنظيف‭ ‬وغسل‭ ‬وخبز‭ ‬ورعاية‭ ‬الحيوانات‭ ‬أحيانًا‭.‬

وفي‭ ‬المجتمعات‭ ‬القروية،‭ ‬تقود‭ ‬الجرار‭ (‬أو‭: ‬التراكتور‭) ‬لقلب‭ ‬الأرض‭ ‬وزراعتها‭. ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬سلمت‭ ‬من‭ ‬دفعها‭ (‬فِدْيَةً‭) ‬أو‭ (‬فَصْلِيَّةً‭) ‬لتُطْفِئَ‭ ‬نار‭ ‬الثأر‭ ‬بين‭ ‬القبائل‭. ‬والقبيلة‭ ‬التي‭ ‬تستلم‭ ‬الفتاة‭ ‬مُقَابِلَ‭ ‬عدم‭ ‬أخذ‭ ‬الثأر‭ ‬تُزَوِّجُها‭ ‬لشيخ‭ ‬كبير‭ ‬ليس‭ ‬لديه‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الإنجاب؛‭ ‬لتبقى‭ ‬أسيرة‭ ‬في‭ ‬عشيرته؛‭ ‬لأنها‭ ‬إذا‭ ‬أنجبت‭ ‬ذكرًا‭ ‬يحق‭ ‬لها‭ ‬الخيار‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬أهلها‭ ‬بعد‭ ‬ترك‭ ‬وليدها‭ ‬لدى‭ ‬العشيرة‭ ‬التي‭ ‬أخذتها‭ (‬كفِدْيَةٍ‭).‬

وقد‭ ‬يستغرب‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العرف‭ ‬انتهى،‭ ‬ولكننا‭ ‬سنعود‭ ‬إليه‭ ‬بعد‭ ‬زمن‭ ‬بسيط‭ ‬إذا‭ ‬بقي‭ ‬ظلم‭ ‬الأنثى،‭ ‬كما‭ ‬ستعود‭ ‬معه‭ ‬أعراف‭ ‬سيئة‭ ‬أخرى‭.‬

أما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬حضرية‭ ‬وتقدمت‭ ‬في‭ ‬الدراسة،‭ ‬فبإمكان‭ ‬أي‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬أقاربها‭ ‬‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يجيدون‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬حاملة‭ ‬الشهادة‭ ‬المرموقة‭ ‬الزواج،‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬العم‭ ‬له‭ ‬الحق‭ ‬بالزواج‭ ‬منها‭ ‬دون‭ ‬غيره‭.‬

ناهيك‭ ‬عن‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬والذبح‭ ‬بحجة‭ ‬غسل‭ ‬العار،‭ ‬وكثير‭ ‬منهن‭ ‬قد‭ ‬تعرضن‭ ‬للاغتصاب‭ ‬دون‭ ‬إرادتهن،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬الناس‭ ‬إليهن‭. ‬وتُقتل‭ ‬الأنثى‭ ‬مرتين‭: ‬مرة‭ ‬باستلاب‭ ‬إنسانيتها،‭ ‬ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬باستلاب‭ ‬روحها‭.‬

ناهيك‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬إذا‭ ‬تعرضت‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬مضايقة‭ (‬أو‭: ‬تحرش‭) ‬خرجت‭ ‬عن‭ ‬الحدود،‭ ‬فلا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬ترد؛‭ ‬لأنها‭ ‬إذا‭ ‬ردت‭ ‬ومانعت‭ ‬رماها‭ ‬المجتمع‭ ‬بالسفه‭ ‬وقلة‭ ‬الحياء‭. ‬على‭ ‬الأنثى‭ ‬أن‭ ‬تبلع‭ ‬الإهانة‭ ‬وتمشي‭ ‬بخُفَّةٍ‭ ‬مطأطئة‭ ‬الرأس‭.‬

وإذا‭ ‬شكت‭ ‬لأهلها‭ ‬جاءها‭ ‬الجواب‭: “‬أنتِ‭ ‬لا‭ ‬تحترمين‭ ‬نفسك‭ ‬وتلبسين‭ ‬ملابس‭ ‬تبرز‭ ‬مفاتنك،‭ ‬فتتعرضين‭ ‬للمضايقة‭”. ‬والمجتمع‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬بيتها‭ ‬مرتدية‭ ‬جلبابًا‭ ‬يغطيها‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬الرأس‭ ‬إلى‭ ‬أخمص‭ ‬القدم،‭ ‬ويحرم‭ ‬عليها‭ ‬ارتداء‭ ‬حجاب‭ ‬ملون؛‭ ‬لأنه‭ ‬يجلب‭ ‬انتباه‭ ‬الذكور‭ ‬بشتى‭ ‬أعمارهم‭.‬

لا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يخترعون‭ ‬عطرًا‭ ‬مقززًا‭ ‬ذا‭ ‬رائحة‭ ‬كريهة؛‭ ‬لكي‭ ‬يطرد‭ ‬الذكور‭! ‬ومع‭ ‬هذا،‭ ‬فهنالك‭ ‬من‭ ‬الذكور‭ ‬من‭ ‬يمارس‭ ‬الجنس‭ ‬مع‭ ‬الحيوانات،‭ ‬فأي‭ ‬شيء‭ ‬يمنعهم‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬النساء‭ ‬بعد‭ ‬هذا؟

وإذا‭ ‬كبرت‭ ‬الأنثى‭ ‬ومات‭ ‬والدها،‭ ‬فإن‭ ‬إخوتها‭ ‬‭ ‬الذين‭ ‬يحرصون‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬الشرع‭ ‬يمنعون‭ ‬أخواتهم‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬الأرض‭ ‬والمباني‭ (‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬كانوا‭ ‬منصفين‭!)‬،‭ ‬ويُشاركونهن‭ ‬الأموال‭ ‬النقدية‭ ‬فقط‭.‬

وأقسى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬سكوت‭ ‬الجميع‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المخالفات‭ ‬في‭ ‬شرع‭ ‬الله‭.‬

وأخيرًا،‭ ‬تُقتل‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭ ‬على‭ ‬أتفه‭ ‬الأسباب،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬بدون‭ ‬أسباب‭.‬

لن‭ ‬‭ ‬ولم‭ ‬‭ ‬تنهض‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إنصاف‭ ‬المرأة؛‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تصنع‭ ‬وتبني‭ ‬المجتمع‭.‬