كشف المستور.. مراثي تموز – رياض الدليمي

404

كشف المستور.. مراثي تموز – رياض الدليمي

في يوم من الايام  كنا ذاهبين صباحا الى الحقل لنزرع القثاء والبطيخ وباقي الخضراوات ، وبينما كنا منهمكين بالزرع سمعنا صوت قرع الطبول ونداءات من هنا وهناك .. تركنا الزرع وافئدتنا وكل شيء جلبناه معنا قرب الساقية التي تمر داخل بساتين (أبي الحاج) الذي أطلق يده جدي ( عبد حمد الفياض )  بكل اراضيه واملاكه   ، وكانت أمي وعمتي وأختي  يعدنّ الطعام  تحت شجرة التوت ، سمعنا أصواتا فهرعنا مسرعين نحو معبد ( ننماخ ) وكانت حشود كبيرة تتجمع وتتراكض صوب وجهتنا وما أن وصلنا حتى وجدنا ( عشتار) ممزقة ثيابها وتنوح وتصرخ بحرقة  والكهنة يلطمون ويمزقون الجيد ويحفرون بأظافرهم الطويلة وجوههم تاركين الدم ينزف  .. لقد فزعنا كما باقي الناس ونحن نتلقى الخبر المفجع ان الاِله ( تموز ) افتدى نفسه كي يأتي الى ( عشتار ) بأسرار القاع وأخبار العالم الأسفل عالم الأرواح المدفونة ليعود اليها بخبر يبدد مخاوفها من اللحظة التي ستفارقه فيها ..

انتظرنا عودة ( تموز ) .. وانتظرنا عشتار كي تزف للناس بشراها ان لا خوف عليهم ان ذهبوا الى ذلك العالم المخيف عالم الفراق عالم اللا عودة وعالم اللا لقاء كما نعتقد ..

لقد مضت الأيام  دون خبر حتى اخضر الزرع وقطفنا ثماره وحل موسم الحصاد .. وحتى جيء بالحمير التي تدوس أكداس الحنطة والشعير .. وأخذ جدي  وأبي وعمومتي وأخوتي الكبار يذرون السنابل المتكسرة جراء أقدام الحمير وأصبحت تلك الأكداس والبيادر مزيجا من الحنطة وقطعا ناعمة من السنابل وأعواد  ..

 وفي الظهيرة هبت النسائم فأخذ الجميع يذرّ السنابل وفتاتها في الهواء ليفك عنها أسرها واحتباسها ثم يجمعون حبوب القمح في أكياس ويخزنونها في غرف البيت ليأمنوا  لنا الطعام  في الأيام الآتية ..

لم تأتِ الينا ( عشتار ) بخبرٍ سارٍ عن مصير تموز حتى سمعنا قرع الطبول ثانية وبعد عدة أشهر أذاع كبير الآلهة ان اِلهنا (تموز ) قد مات ونعاه الينا بحزن وبصوت أجش والدموع تنهمر على خدوده وسط ولولات ( عشتار )  وبحضور كبار الكهنة والموظفين وزوجات الأمراء اللاتي لبسنّ السواد وارتدينَّ الخمار والنظارات السود ..

لقد تم تحديد يوم الخميس موعدا لتشييع رمزي لجنازة الإله ( تموز  ) وفعلا كان طقسا جنائزيا مهيبا ، حضره  أركان الدولة في بابل وشيوخ قريتنا ومخاتير ( كيش)  ووجهائها ورجال الدين وشيبها وشبابها حتى غص بهم شارع الموكب الذي اتشح بالسواد من بدايته حتى نهايته وفوق المباني ،  وعلقت في مداخل الشوارع  الرايات السود واللافتات التي تنعى فقيدهم شهيد الحب والعشق ..  الشهيد الذي أفدى نفسه من أجل (عشتار ) ومن أجل شعب بابل ..

هكذا شهدنا طقوس المأتم وطقوس الحزن ومرّت مواكب الوفود التي تمثل كل مدن بابل وقراها وممثلين عن أقاليم ( البحرين وعيلام وآشور وكنعان ومسقط وعكا ونجد ) وسط شارع الموكب ومن أمام المقصورة  الرئيسة للاحتفال التي وقفوا فيها ( عشتار وننماخ ) وبعض أنبياء بابل يحيون و يشكرون المعزين وهم مطأطؤا رؤوسهم كل ما مرّ موكب ما ..

لقد كان أبي محبا لتموز الذي ورث حبه  من جدي (عبد حمد الفياض ) فعمد على تعليق الرايات  على الأشجار والنخيل وواجهة بيتنا وأمر أمي وأخواتي الكبيرات والصغار والأولاد جميعا وأولاد وبنات عمومتي وجيراننا صغيرهم وكبيرهم أن يرتدوا السواد ويقيموا مجالس الذكر والشعر على روح فقيد بابل ، وأمرنا  أيضا أن تقام هذه الكرنفالات سنويا في موسم الحصاد تخليدا لذكراه الطيبة ..

في مثل هذه الأيام من كل عام وحسب الأمر الديواني والكنسي يحظر على الأزواج أن يقتربوا من زوجاتهم ، وأما المولود في مثل هذه الايام فيكون مولودا  مكروها وصاحب نحس ..  لهذا وحسب التشريعات التي تضمنتها مسلّة ( حمورابي )  يودع المولودون  لدى مدرسة أعدت لهذا الغرض في المعبد الكبير ليعلمونهم ما المطلوب منهم ؟

 وحسب الشريعة النافذة التي تنص : يتوجب على كل من بلغ الخامسة من عمره  أن يهبط الى العالم الأسفل ليكون أنيسا ( لتموز ) في مثواه وخادما له .. وعلى كل أسرة من أسر ( بابل ) ومن ضمنها  قريتنا أن تتبرع بامرأة بالغة .. وفي كل عام تلتزم هؤلاء النسوة بالهبوط  ليحرصنّ على خدمة ( تموز)  ويقيمنّ له جلسات السمر ليأنسن وحشته .. وبُلغنّ أن يلبسنّ أجمل الفساتين والحلّي ويضعنّ المكياج والعطور الشامية  ويسرحنّ شعرهنّ وكما يحلو له أن يراهنّ ..

لقد سميت كثير من الشوارع والمعابد والقرى باسم ( تموز ) تكريما لذكراه .. حتى شيوخ قريتنا اتفقوا أن يسموا أولادهم باسم ( تموز ) وينذروا البنات لأجله .. وكل ما يجنوه من بساتينهم وزراعتهم وتجارتهم ليقتسمونها مناصفة حيث يذهب نصفها الى المملكة والنصف الآخر لهم ..  لكي يبارك  ( تموز ) بنسلهم وما يملكون ويدفع عنهم البلاء من الفيضانات والأعداء الطامعين في مملكة ( بابل ).

 كنا جالسين نشرب الشاي في ليلة شتوية قارصة البرد نتسامر الحديث قال أبي :

يا أولادي لا تمرحوا علناً ولا تتعالى قهقهاتكم في الميادين العامة ولا تتبرج نساؤكم وأخواتكم كي لا تصيبنا لعنة (تموز ) ولا تجعلوا أبوكم متهما أمام الكهنة والقضاة بتهمة الازدراء من فاجعة (عشتار)   ، احذروا اقامة مناسبات الفرح علنا ولا تظهروا علامات الفرح على وجهوكم .. تكتموا على لحظات الغبطة والانشراح في أنفسكم وتزوجوا سراً كي يبارك (الاله) والملكة والكهنة بذريتكم ليصبحوا صالحين مطيعين صاغرين لكل ما يصدر عن القصر بأية تعليمات وأوامر ( وحشر مع الناس عيد ) ..

لقد كانت أمي وعمتي تذكرنا بكل ما قاله لنا أبي وتحاسبنا ان نسينا أو هفونا فتوبخانا كثيرا .. حتى وصل بنا الأمر أن نحفظ كل شاردة وواردة من تحذيرات أبي ، لقد حفظناها على ظهر قلب ونقلناها الى أبنائنا وأحفادنا ، ومن وصاياه ان الصدَّ عن الفرح واجب وله أجر صلاة .. حتى حُرّم علينا  لعب الكرة والشطرنج وأكل الحلوى والابتعاد عن باركات الألعاب وارتياد الملاعب وشرب الأركيلة وتجريم علاقات الحب والوقوف قرب مدارس البنات والجلوس مع زميلاتهم من طالبات الجامعات ، وعدم رفع رؤوسهم عندما يمرون في شارع الموكب وعليهم وضع ( باجات ) على صدورهم لصور (تموز ) ، وعلى البنات الحذر من وضع المكياج في مناسبات الأعياد ..

هكذا توارثنا التقاليد والطقوس حبا وتنسكا لفدى تموز لزوجته عشتار .

مشاركة