

عمر بن عبد العزيز يحيطها بجدار خماسي والخيزران أول من كساها وقلاوون بنى عليها القبة الخضراء
كسوة الحجرة النبوية الشريفة .. تعظيم وتفخيم وتوقير وتكريم – عمر علي حيدر
أغلبنا يعرف الكثير عن كسوة الكعبة المكرمة، فهي بيت الله تعالى الحرام، ومهبط الوحي على جمع من الأنبياء منذ أبي الأنبياء الخليل إبراهيم ع، حتى الرسول الكريم محمد ص، وإليها يحج الناس من كل فج عميق، وكسوة الكعبة واضحة أمام العيان، ويتم تغييرها سنوياً في أيام الحج الأكبر، وتحديداً أول أيام عيد الأضحى المبارك.
وفي العادة تذهب كسوة الكعبة القديمة بعد تغييرها إلى الحفظ في مخازن خاصة، أو المتاحف، أو يتم إهداؤها للملوك والأمراء والرؤوساء والشخصيات المؤثرة في العالم، وتعد من أنفس الهدايا لارتباطها بأقدس بقعة، وأكرم بيت، واشرف موضع تضاعف فيه الصلوات، وتزداد فيه الطاعات والقربات والأعمال الصالحات.
لكني في هذا المقال أود استعراض كسوة أخرى، لا يعرف أغلبنا عنها الشيء الكثير كما يعرف عن كسوة الكعبة، وهي ترتبط بمكان عظيم آخر، هو الحجرة النبوية الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وتقع في المسجد النبوي المبارك، وتضم قبره ص وقبر صاحبيه أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق رضي الله عنهما، فلهذه الحجرة كسوة، لكنها ليست ظاهرة للعيان، ويحول بينهما وبين الأنظار خصوصية يتميز بها البناء المقام هناك.
بداية، فإن من المعلومات المتعلقة بالحجرة النبوية الشريفة، أنها محاطة بمقصورة من النحاس، طولها 16م، وعرضها 15 م، يوجد بداخلها بناء ذو خمسة اضلاع، ذكر أن الخليفة عمر بن عبدالعزيز بناه بهذه الصفة من أجل أن لا تشبه جدرانها الأربع السابقة الكعبة فيصلي الناس لها كما يصلون للكعبة، وقد نزل نور الدين زنكي بأساس هذا البناء إلى منابع المياه، ثم سكب عليه الرصاص حتى لا يصل إليه أي أذى، ويحيط بالحجرة النبوية أربعة أعمدة أقيمت عليها القبة الخضراء المعروفة التي بنيت بأمر السلطان المملوكي المنصور قلاوون الصالحي سنة 678 هـ، أما الروضة الشريفة فهي بين المنبر وقبر الرسول ويبلغ طولها 22 مترا، وعرضها 15 مترا.
الحجرة الشريفة
ورد أن الخيزران أم هارون الرشيد هي أول من كسا الحجرة الشريفة، وكان الخليفة الناصر من بين من كسا الحجرة الشريفة، ثم آل أمر الكسوة إلى مصر التي كانت ترسلها كل ست سنوات.
تُكسى الحجرة النبوية بالحرير الخالص، وهو مبطن بقماش من القطن، عليه زخارف مدرجة تحمل بين ثناياها لفظة الشهادة (لا اله الا الله محمد رسول الله) مكتوبة بخط الثلث المهيب، ويلف الحرير بحزام مشابه لحزام كسوة الكعبة المكرمة، يحمل هذا الحزام ثلاث ستائر تحدد مكان النبي الأكرم ص وصاحبيه رض في الحجرة، ولون الكسوة هو الأخضر، أما الحزام فهو أحمر قان، خط عليه بتطريز بارز آيات قرآنية كريمة من بداية سورة الفتح ((انا فتحنا لك فتحا مبينا))، الى الآية 14 من السورة ذاتها في قوله تعالى ((ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما))، ثم يعقب ذلك توثيق لمن صنعت الكسوة في عهده.
ولعدم تعرض كسوة الحجرة الشريفة لعوامل المناخ المؤثرة في جودتها، ولبعدها عن ملامسة الايدي فإنه لا يتم تبديلها سنوياً على غرار كسوة الكعبة المشرفة، وإنما يتم كلما دعت الحاجة الى ذلك.
وإسوة بكسوة الكعبة، مرت كسوة الحجرة الشريفة بالكثير من التغييرات الفنية التي انسجمت مع كل عصر من العصور الإسلامية حتى وقتنا الحاضر، ومن خلال جولة في قاعة كسوة الحرمين الشريفين -أحد متاحف مجمع القرآن الكريم في الشارقة – وقفت على مجموعة من أستار الحجرة النبوية الشريفة، وهي موثقة ومؤرخة ومحكمة من جهات متخصصة، من بين هذه الاستار:
ستارة تعود للقرن 13 للهجرة، صنعت في عهد السلطان محمود بن السلطان عبد الحميد، وهي ممهورة بالطرة الخاصة باسمه، طولها 2.10م، وعرضها 1.10م، وقد كتب عليها بخيوط الذهب قوله تعالى (( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعيا الى بإذنه وسراجاً منيرا))، كما كتب على الجوانب لفظ الجلالة و(محمد رسول الله)، ونقشت آية الكرسي على جانبيها بخط ذهبي وخلفية حمراء.
هناك ستارة مربعة كتب في مركز الدائرة التي تتوسطها لفظ الجلالة، وحولها في اطار نصف الدائرة العلوي قوله تعالى ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها))، ومن جهة اليمين ((ليس كمثله شيء))، وتحت الدائرة ((الذي لا إله إلا هو))، ومن الجانب الأيسر ((وهو السميع البصير))، ويحيط بالدائرة دائرة كبيرة أخرى تضم الأسماء الحسني لله سبحانه، وقد صنعت في عهد الســلطان عـــــــبد الحميد بن السلطان عبد المجيد، وتعود للقرن 14 للهجرة، وهي بطول 1.05 م وعرض 1.10م، وقد صنعت بوصف سيأتي بيانه في الستارة التالية.
ستارة مربعة أخرى كتب وسطها من الأعلى بشكل نصف دائري جملة (أسماء الرسول محمد عليه السلام)، وفي النصف الدائري الأسفل كتبت آية قرانية ((إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما))، وتحيط بالدائرة كلها أسماء الرسول ص المعروفة، تمت صناعة الستارة بأمر من السلطان عبد الحميد بن السلطان عبد المجيد خان وتعود للقرن 14 للهجرة، وهي بطول 1.05 م وعرض 1.10م، من الحرير بلون أحمر، وحليت بالزخارف النباتية لصناعة الفن الإسلامي المحترف السائد في العهد العثماني، وكتبت بخيوط محلاة بالذهب والفضة، وتضم بطانة من القماش القطني لحمايتها من تقادم الزمان.
المحراب الأول
ستارة أخرى على شكل محرابين نقشت في المحراب الأول من الأعلى (بسم الله الرحمن الرحيم) وتحته ((إن الله وملائكته يصلون على النبي))، وفي المحراب الثاني قوله تعالى ((ادخلوها بسلام آمنين)) وتحت المحرابين أسماء الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة الستة الذين يشكلون العشرة المبشرين بالجنة، ثم الآيات من سورة الحشر التي تضم مجموعة من الأسماء الحسنى، وزخارف نباتية بتشكيلات منوعة جميلة تتداخل مع الشكل العام للتصميم.
وتتنوع الستائر والزخارف في بقية مقتنيات متحف مجمع القرآن الكريم في الــــــشارقة، من حيث طبيعة الطول والعرض، والألــــــوان، وطبيعة الزخارف الفنية المختـــــلفة، والكتابات من آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، وغيرها، وتلتقي جميعا بتحديد اســــــم من امر بصناعة الستارة، وتنـــــتظم جميع محتويات الستارة في قالب فني جميل، يبقى ماكثاً في الحــــــجرة النبوية الشريفة حتى يأتي أوان تغييرها وبالتالي إمكانية اطلاع الجميع عليها، ولسان حالهم في ذلك يقول هنيئاً لهذه الســــتارة التي بقيت في كنف أطهر الخلق كل هذا الزمان فزادتها بهجة الى بهجتها، وجمالا الى جمال.


















