كريسمس في مكة- فرح تركي العامري

704

قراءة وتحليل

كريسمس في مكة- فرح تركي العامري

كتب الكاتب والروائي أحمد خيري العمري في إحدى روائعه التي تحمل هذا العنوان ما يفيض عن القلب الكثير في التقلبات الاجتماعية والتحديات التي واجهها المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي وسقوط بغداد وتشكيل حكومة جديدة فشلت في ضبط الوضع الآمني والسياسي وجرر العراق إلى حرب أهلية وفقدت كثير من العوائل الكثير من أفرادها بسبب القتل ، كان العمري قريباً من وصف كل شيء وكانه قد وقف كطائر على أكتافنا خلال تلك الفترة وكانه أمتلك سر الولوج الى قلوبنا حتى في هذه اللحظات لنعي من كلمة وعبارة وموقف أنه يعلم تأثير ذلك فينا ، وفق في السرد وفي رسم الشخصيات مبتدأ بميادة التي هي العصب الكبير في الرواية ” سيدة عراقية” تعيش مع أبنتها خارج العراق وهي هناك بسبب خسارتها زوجها الطبيب “عمر ” الذي خطف وقتل ظلماً ليتشعب من ميادة للتطرق عن والدتها وعائلتها وعن أخوها “حيدر” الذي يعيش في الغربة وقد سبقها بسفره إليه، وهنا يبدأ الكاتب بحبكة الأحداث من حيث تطرح ميادة على أخوها رغبتها في الذهاب الى مكة تزامنا مع أعياد الميلاد في أوربا السفر إلى مكة بغية العمرة معه ومع أبنتها وبذات الوقت سيكون هناك كلا من جدها وعمها القادمين من العراق بناءً على طلبها لتكون فرصة لتتعرف أبنتها على أقاربها يستعرض العمري تفاصيل كثيرة ومقارنات بين أبنتها وبين أبنة اخ ميادة، قد تكون أشاره كبيرة من الكاتب نحو تأثير الام وكونها عربية ومن مجتمع شرقي وكيف تتشدد في تربيتها لأبنتها لكي لا تنجرف وراء حرية مزيفة وتدمر عائلتها وفي اللقاء في مكة يظهر عمق التحول في شخصيات أربع مهمة وهي الجد والعم سعد وميادة واخوها حيدر في وصف ومقارنة ومعها تساؤل واعترافات ومعه تحليل عن لسان كل شخصية، لما كان هذا التحول؟ وتحديدا الوصول على هذه النتائج، نعم وفق العمري في تثبيت نظرية مهمة وهي ” الشدة ” والظروف الصعبة التي تجعل من الانسان ينضج أسرع، أذا كان فتياً وينهار أسرع أذا كان هرما وهذا ما حصل للجد بعد سنوات قوة كسره مقتل أبنه الطبيب وبقي ألابن الثان” سعد ” حاضر معه في مكة ليرعاه في أشاره كبيرة الى بر الوالدين من عم مريم وحسد كبير من خالها سعد له على تلك التجربة، أترانا كلنا نمتلك تلك الحاجة بأن نرد جزء من ديون أباءنا الذين غمرونا بها من حب واهتمام؟ الجواب سيكون لمن في داخلة بذرة صالحة وحرمان من العائلة والترابط وأما القاسية قلوبهم سيصدر منهم كل جفاء، ويظهر معها جمال روحية مكة في عدة مواقف تجعل القارئ يشعر بالشوق الى الذهاب إلى مكة باي وقت واي شهر في مقارنة بعد ما صممت مريم صورة رقمية لشجرة الميلاد في غرفتها في الفندق.

ولم تخلو الرواية من معالجة فكرة الانتحار ومسبباتها وكذلك من الحديث عن الماديات وترتيباته مع عم مريم ، كانت ميادة تعترف بان سبب هذا اللقاء هو لمطالبة بإرث مريم لتضمن لها مستقبل مستقر بديلا عن الذي خسرته وهي بنت سبع سنوات عند مقتل والدها الطبيب “عمر” .

مريم ولقائها المميز مع جدها كان ما زين الرواية بروحية عالية حيث كان يصدر من الجد الذي يعاني من الزهايمر أصابه اثر صدمة فقدانه أبنة وبعده زوجته مواقف حاول العم تغيب بعضها أو أسبابها عن ميادة ومريم ، لقد أثر بروح الجد رؤية عينا مريم وكان يطرح سؤال مكرر لقد رأيت عينان كهذه من قبل إلى ان تصل بهم الاحداث بذروتها ويبدأ بالبحث في جناحه الخاصة بطريقة هستيريا عن عينا عمر ، وسط تلك الضجة في الاحداث تظهر ميادة وتذكر موقف استلامها مع الجد جثة عمر ، بعد سرد محزن يجذبك لمعرفة ما الذي سيحصل تذكر أن عينا عمر سلبتا منه من محجريهما عندما قتل ، الترابط في الاحداث .

كان متقناً حتى لتظن أن الرواية أكثر من حقيقة وأنه من الممكن كل من ذكروا فيها هم من عاشوها فعلاً، بالإضافة الى الربط التاريخي الذي أستخدمه الراوي أحمد العمري بين الاحداث التي مرت على بغداد من قتل وخطف وأباده وبين احتلال المغول لبغداد وسطوة هولاكو وأتباعه وذكر ما ألت إليه بغداد وسكانها من ويلات وقتل ، مقاربة إلى ذلك الليل الأسود الذي أجتاح بغداد .

مريم فتاة ذكية مشروع مهندسة معمارية وافقت لقضاء كريسمس في مكة رغم استهزاء صديقاتها عنها فضولا لترى عمها وجدها ولتعمل بحث عن العمارة العربية لتجد أن عمها أيضا مهندس وتشعر بالتوافق معه .

ميادة سيدة في منتصف الاربعينات تركت بلدها بعد مقتل زوجها في الحرب الطائفية وفية لذكرى زوجها كل همها مصلحة أبنتها في لقاء مكة بذوي زوجها تشعر بالذنب لجفائها نحوهم وتعترف أنها لم تجد منهم أي سوء حيدر ، خال مريم واخ ميادة تأتي دعوة ميادة له كأنقاذ للهروب من الالتقاء مع أبنته وحبيبها وخاصة بعد معرفته بحملها ويتملكه الندم لانه ترك زوجته الاوربية تربي أبنته يصارح ميادة فقط ويلتجا الى الله وينهار حتى لتشعر ميادة بانة سينتحر ولكنه ينجو من الخذلان سعد ، عم مريم وكأنه المتبقي الوحيد من عائلة والدها يتكرر مع كل مدى التغيير الذي طاله ، في شخصيته وفي شكله وحتى في معاملته لوالده ، يظهر كرماً نحو أبنه أخيه وحباً أشارة نحوها بأنها تنتمي لهم وشخصيات أخرى أم ميادة ، زوجة حيدر ، والكثير ممن ذكروا أسماء مع صفات ومواقف لهم كانوا أطار جميل لتكمل تلك الصورة الأدبية التي حملت عنوان ” كريسمس في مكة” النهاية كانت مفتوحة بعد وفاة الجد وتفرقهم كلا الى بلده .

مشاركة