كرة المطاط البيضاء- عبدالزهرة المنشداوي

491

كرة المطاط البيضاء

عبدالزهرة المنشداوي

لم ننته  بعد من احزاننا على  ميتة شقيقي  الصغير حسن ،حين لاحت على جدتي علامات الموت اثر حزنها عليه .   بدا لنا  الموت سيعاود زيارته لكوخنا المتهاوي . عجوزا هرمة ،فاقدة البصر، تعصب راسها بخرقة سوداء، تدخن بشراهة. كانت محط رعاية والدي،يكن لها عطفا وبرا .كبار السن  يعجل في موتهم فقدانهم لعزيز، او تحولهم من بيت الفوه لاخر لايرتبطون معه بذكرى.  بعد مرر عقود من السنيين ، يطرأ على البال  اموات عائلتي، يأتي طيف جدتي العجوز في المقدمة ،أسمع صوت دمدمتها في ليال الشتاء الطويلة مختلطة بسعال تتصاعد وتيرته  فيجعلني ارثي لحالها.مات شقيقي الصغير  جراء اصابته بمرض الحصباء، مرض لعين حصد من عائلتي  صغار عديدين شهدت  لحظات احتضارهم جميعا.

 لحظات موتهم  كانت هكذا : تتسع عيونهم وتتألق ممعنة النظر في وجوه المحيطين من افراد العائلة، يبدون اكثر استرخاء وطمأنينة .

الصغاريحزنون لحزن الكبار اكثر مما يحزنون على من يموتون.

  عويل وصراخ  ملأ بيتنا  في ذلك اليوم البعيد من تلك اليلة الشتائية  شعرت بأن عائلتي لم تعد تلك العائلة . كنا ننام الى جانب والدتي لتبدا  بقص جكايتها عن تلك العنزة المسكيتة التي اختطف وليدها ذئبا وراحت تطالبه بأعادته اليها متوسلة لكنه في كل مرة يصدها ويطاردها الى ان  طلبت من فخار اواني الطين ان  يصنع لها قرنين هددت بها الذئب المفترس الذي ارتعد خوفا واعاد الحيوان الصغير للام.كانت النزاع بيني وبين الشقيق الميت  حول توجيه الكلام ،فأن مالت برأسها نحوه ،طالبتها بامالته نحوي وان فعلت طالبها بالضد فينشأ الصراع ولايفضه غير صوت الجدة الاجش من ركن الكوخ.كنا نخشاها.

في الصباح لم يعد الامر كما كان في الليل. جاء الينا اقارب عديدين بينهم نساء بكين بصوت منغم مع والدتي ومعهن اطفال بسني طابت لي مصاحبتهم ولهوت معهم ناسيا ليلة فقداني لشقيقي حسن الصغير.

 اشتد سعال العجوز دون انقطاع ،لم ينفع التهامها حفنات الملح لايقافه، اعقبه امتناع عن تناول الطعام، بدا قلق والدي بالتزايد ، راح  يهم في  كلفة تجهيز دفنها واقامة الماتم ، افرغ  ما لديه في ماتم شقيقي  واستدان  مبالغ  لايعلم الله كيف يسددها وهاهي العجوز تنذر بالرحيل وسهر والدي لياليه منتظرا الزائر المرعب.

 دخل الموت كوخنا وراح يحاور جدتي طوال الليل وبدأ يستدرجها  فجاء ومعه العديد من موتاها ممن عرفناهم وممن لم نعرفهم , راحت في حديث مسهب معهم شقيق والدي، مات قبل ولادتي بسنين دخل طرفا في حواراتها  شاركته قريبتنا المتوفاة مظلومة، المراة العانس التي كانت تزورنا في اوقات قريبة لا لشوق او حاجة بقدر ما كان يدفعها تكاثر القمل في شعرها القصير المصبوغ بالحناء فتضعه في حضن والدتي لتستل منه ما تستل  .كانت عينا مظلومة جاحظتين  في وجه نحاسي  مدور، يخرج كلامها من انفها ،دائما ما كانت تقسم بوالدها  الذي قتل في معركة عشائرية ،لم تتزوج عاشت  تحت رعاية اقرباء لها ،تحظى باحترام الاخرين وتدلي برأيها في امور تخص الرجال ولا يدحض لها رأي. في تلك الليلة حضر كل موتى عائلتنا للحوار بحسب زمن الموت. كنت صغيرا لذلك صعب علي التعرف لكل الموتى .سمعتها تهمس لوالدي قائلة  :

_ اريد كرة حسن

قال:

_ابحثوا لها عن الكرة.

وبكى منتحبا

جاء تسلسل شقيقي حسن ضمن قائمة موتانا وعرفنا انه التسلسل الاخير .

كان لديه كرة مطاطية صغيرة وبيضاء ياتمنها لديها كلما فرغ من اللعب فتضعها في صندوقها الصغير المدهون بالنفط الاسود مثل لؤلؤوة ثمينة.

انه يقف هناك ولايريدني ان القاه بدونها

ابحثوا عنها

قال ابي ذلك وعاود نحيبه .عرفنا بأن روحها قد فاضت.

منذ تلك السنين البعيدة صارت امي تبكي لاحزان كانت قد فرغت من البكاء عليها يحلو لها ان تستذكرها وتبكينا معها.

ربما قرب الباب ،او تحت السرير. لك عينان يمكن ان تراها،  عيناي مطفئتان، ليس لي غيرك .كنتم تلهون بها.انت تعرفها،   كرة المطاط  البيضاء.اين هي ؟ ، الليلة شممت رائحة الموت،  أتستمع لي، ام انك نائما ،ام تكمن لقط تلعب معه. ،جارتنا ان ناديتها لا تستطيع سماعي، لم يبق لي من معين غيرك.عجيبة هذه الدنيا احيا ،ويموت ابني  المسكين وزوجته  في انفجار لم يكن  يخطر لي ذلك على بال . تركوا الصغير بلا معين ماذا يمكن ان افعل له انا الجدة العمياء؟

  طيف الصغير بسنينه الخمس يناديني:

– الليلة تلحقين بي تجدينني في حضن امي، نفرح بك ،ابي يريد ان يراك، اندملت جراحه وعادت اليه اطرافه التي فقدها ودفن بدونها تعالي يا جدتي بسرعة لا تتباطيء لا تاتي دون ان  تأتي بكرة المطاط البيضاء معك ارجوك ياجدتي ..اسرعي

سمعته يتوسلني..يدعونني اليهم متى ما وجدت لي الكرة اذهب اليهم،لايمكنني ان اخيب امل حفيدي,سيبكي ان لم يجدها معيولا طاقة لي على رؤيته يبكي.

هل وجدتها ؟انها هنا ابحث عنها ،لا تقل لي بانك لا تعرف اين هي، منذ موته  وانت تستأثر بها تدحرجها باقدامك هنا وهناك ، النعاس جعلك تتكاسل فلا تصغي.انت كلب كسول.

 الموت يحيطون بي ،تكلموا معي ، رايت كائنات من نور حنونة وطيبة اخذت بيدي ،ما من ميت من عائلتي تمنيت ان اراه سارعت الى احضاره امامي  صحيح انها ادخلتني في نفق مظلم لكنها اخرجتني منه للضياء ،صرت ارى مالم يخطر لي على بال من موتى لم افكر بهم من قبل  ،يريدون ان اتبعهم انهم ينتظرون ،يحملون الصغير بملابس جديدة يبدو بين ايديهم مثل طائر بجناحين ملونين ما اجمله ،معافى يبتسم لي.كنت اعرف بأنهم لايمكن ان يدعوني وحيدة يحيط بي الظلام والوحشة في بيت تهاوت جدرانه سقفه لايمنع المطر  ولا دواء لي اظنهم سمعوا نحيبي فهبوا من رقدتهم لينجدوني.

لا تدعني اذهب بدونها فلن يعانقني عندها سيشيح بوجهه ولا يدنو مني  .ظلمة البيت ليست بأشد من ظلمة عماي تستطيع ان تجدها ان حاولت انت كلب طيب ووفي  الفرح حل في نفسي ،فكني الحزن ترى كيف يمكن ان اذهب الى هناك وتبقى الكرة في البيت وهو يريدها بالحاح. يقول :جدتي لا تأتي بدونها لا تتركيها وسط البيت فيعثر عليها طفل الجيران الذي حاول مرات عديدة ان ينتزعها مني .

الكلاب لا تنام الليل ما الذي جعلك لا تسمعني ولا تاخذ بما اقول ، لا ترد تبقى صامت. علب الصفيح التي جمعها و سدادات القناني وكسرات الزجاج الملون حتى قشور البرتقال لم تطرا له على بال ،يريد كرة المطاط وحسب  .تعبت روحي من الانتظار واقفة لا تخطو الى الامام ولا ترجع الى  الخلف وهم ملوا امن انتظاري  سيدعوني ويديروا ظهورهم  لي ، كأن الامر لايعنيك .لم يكن له صاحبا غيرك.

وجدتها اخبرني لم يعد لدي وقتا؟

اشعر بتعب وانت لا تبالي، اود ان تعودا عيناي للرؤية لاهشم  رأسك بعصا غليظة ،ملعون ، احببتك من اجل الصغير اطعمتك ،ما كان لي ادعه  ليتعلق بك .

كيف تطيب  لك نفسك باللعب بها من دونه اجبني انت من جلب علينا الشر من يوم مجيئك والنحس لا زمنا صرنا نلهم التراب والرمل.

انا ذاهبة الى هناك لكنني غاضبة منك وسأقول له ما فعلته.

لف الصمت المكان والظلمة و اصبحت هناك ، قادها الكائن المضيء  لهناك ،خلفت كرة المطاط البيضاء  خلف الباب قرب الكلــــب .

مشاركة