كرة‭ ‬القدم‭ ‬ترسخ‭ ‬الوطن‭ ‬الواحد- هدير الجبوري

في‭ ‬فجر‭ ‬عراقي‭ ‬استثنائي‭ ‬في‭ ‬الاول‭ ‬من‭ ‬نيسان‭ ‬2026،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الوقت‭ ‬مجرد‭ ‬ساعات‭ ‬تمضي‭ ‬نحو‭ ‬الصباح،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬موعداً‭ ‬مع‭ ‬لحظة‭ ‬ستبقى‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬العراقيين‭ ‬طويلا‭ ‬لحظة‭ ‬انتظرها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬محافظة،‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬والقرى،‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬التي‭ ‬انهكها‭ ‬القلق‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬التي‭ ‬اثقلها‭ ‬الحزن،‭ ‬لكنها‭ ‬جميعا‭ ‬اجتمعت‭ ‬على‭ ‬نبض‭ ‬واحد‭: ‬انتظار‭ ‬فوز‭ ‬منتخب‭ ‬بلادهم‭ ‬في‭ ‬مباراته‭ ‬المؤهلة‭ ‬لنهائيات‭ ‬كاس‭ ‬العالم‭.‬

لم‭ ‬ينم‭ ‬العراقيون‭ ‬الليلة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الفوز،‭ ‬كان‭ ‬السهر‭ ‬مختلفاً،‭ ‬مليئا‭ ‬بالترقب،‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬مدرجاً،‭ ‬وكل‭ ‬شاشة‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬حلم‭ ‬كبير‭.‬

‭ ‬حتى‭ ‬الاصوات‭ ‬التي‭ ‬أعتاد‭ ‬الناس‭ ‬ان‭ ‬ترتبط‭ ‬بالخوف،‭ ‬كهدير‭ ‬الطائرات‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬بعض‭ ‬المدن،‭ ‬تراجعت‭ ‬الى‭ ‬الخلف،‭ ‬خافتة‭ ‬امام‭ ‬صوت‭ ‬اخر‭ ‬كان‭ ‬اعلى‭ ‬منها‭ ‬جميعاً‭: ‬صوت‭ ‬الفرح‭.‬

في‭ ‬الموصل،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬والبصرة‭ ‬واربيل‭ ‬وكل‭ ‬المدن‭ ‬العراقية‭ ‬الجميلة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المشهد‭ ‬عادياً،‭ ‬شباب‭ ‬يحملون‭ ‬العلم‭ ‬العراقي،‭ ‬يلوحون‭ ‬به‭ ‬بفرح‭ ‬يفيض‭ ‬من‭ ‬عيونهم‭ ‬قبل‭ ‬ايديهم،‭ ‬كان‭ ‬العلم‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬وطناً‭ ‬كاملا‭ ‬يرفع‭ ‬عالياً،‭ ‬وكانت‭ ‬الدموع‭ ‬حاضرة،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬دموع‭ ‬حزن،‭ ‬بل‭ ‬دموع‭ ‬انتماء،‭ ‬دموع‭ ‬تقول‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬مر‭ ‬به،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬يجمع‭ ‬ابناءه‭ ‬حول‭ ‬فرح‭ ‬واحد‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬اجمل‭ ‬ما‭ ‬رافق‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬هي‭ ‬التغطية‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬قناة‭ ‬الشرقية‭ ‬وهي‭ ‬تنقل‭ ‬الفرح‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬وبقية‭ ‬مدن‭ ‬الوطن‭ ‬الحبيب‭  ‬،‭ ‬كانت‭ ‬الكاميرا‭ ‬تنتقل‭ ‬بين‭ ‬الساحات‭ ‬والشوارع‭ ‬والناس‭ ‬وهم‭ ‬يلوحون‭ ‬بالاعلام‭ ‬مبتسمين‭ ‬فرحين‭ ‬يشعرون‭ ‬بالزهو‭ ‬والفخر،‭ ‬وكأن‭ ‬القناة‭ ‬لا‭ ‬تنقل‭ ‬خبراً‭ ‬بل‭ ‬تنقل‭ ‬قلب‭ ‬العراق‭ ‬وهو‭ ‬يخفق‭.‬

‭ ‬كانت‭ ‬تغطية‭ ‬مليئة‭ ‬بالمحبة‭ ‬والانتماء،‭ ‬لدرجة‭ ‬اننا‭ ‬لم‭ ‬نستطع‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬متابعتها،‭ ‬كأننا‭ ‬نريد‭ ‬ان‭ ‬نرى‭ ‬كل‭ ‬مدينة‭ ‬وكل‭ ‬شارع‭ ‬وكل‭ ‬وجه‭ ‬عراقي‭ ‬يبتسم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭..‬

أما‭ ‬عني‭ ‬شخصيا‭ ‬وفي‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬كنت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬اولئك‭ ‬الذين‭ ‬طالما‭ ‬ارتبط‭ ‬لديهم‭ ‬صوت‭ ‬الطائرات‭ ‬بالخوف‭ ‬والقلق‭. ‬لكنه‭ ‬الان‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الفرح‭ ‬العراقي‭ ‬بالفوز‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعني‭ ‬الخوف‭ ‬لي‭ ‬شيئا،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬صوت‭ ‬آخر‭ ‬يعلو‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬شيء‭: ‬صوت‭ ‬العراق‭ ‬وهو‭ ‬ينتصر،‭ ‬صوت‭ ‬الناس‭ ‬وهم‭ ‬يهتفون‭ ‬باسم‭ ‬بلدهم،‭ ‬صوت‭ ‬الفرح‭ ‬وهو‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬اكثر‭ ‬القلوب‭ ‬تعباً‭ ‬وحزناً‭.‬

المشهد‭ ‬اعاد‭ ‬الى‭ ‬الذاكرة‭ ‬زمنا‭ ‬مضى،‭ ‬كأن‭ ‬الزمن‭ ‬استدار‭ ‬فجأة‭ ‬ليقف‭ ‬عند‭ ‬الثمانينات،‭ ‬حين‭ ‬تأهل‭ ‬منتخب‭ ‬العراق‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬الى‭ ‬نهائيات‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬1986‭ ‬في‭ ‬المكسيك،‭ ‬يومها‭ ‬ايضاً‭ ‬خرج‭ ‬العراقيون‭ ‬الى‭ ‬الشوارع‭ ‬بفرح‭ ‬واحد،‭ ‬ونسوا‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬الا‭ ‬انهم‭ ‬عراقيون‭. ‬كأن‭ ‬الفرح‭ ‬نفسه‭ ‬يتكرر،‭ ‬وكأن‭ ‬الاجيال‭ ‬تتبدل‭ ‬لكن‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يلح‭ ‬علينا‭ ‬كل‭ ‬مرة‭: ‬لماذا‭ ‬توحدنا‭ ‬كرة‭ ‬القدم؟‭ ‬لماذا‭ ‬ننسى‭ ‬خلافاتنا‭ ‬وننصهر‭ ‬في‭ ‬فرح‭ ‬جماعي‭ ‬عند‭ ‬فوز‭ ‬المنتخب؟

الاجابة،‭ ‬رغم‭ ‬بساطتها،‭ ‬عميقة‭: ‬لاننا،‭ ‬في‭ ‬داخلنا،‭ ‬نحب‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‭ ‬لان‭ ‬العراق‭ ‬يسكننا‭ ‬اكثر‭ ‬مما‭ ‬نسكنه،‭ ‬ولان‭ ‬الانتماء‭ ‬اليه‭ ‬اقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يفرقنا‭.‬

هذه‭ ‬المباراة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬فوز‭ ‬رياضي،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تذكيراً‭ ‬صادقاً‭ ‬بان‭ ‬العراقيين‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬يكونوا‭ ‬معا،‭ ‬ان‭ ‬يفرحوا‭ ‬معاً،‭ ‬وان‭ ‬يتجاوزوا،‭ ‬ولو‭ ‬مؤقتاً،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يثقل‭ ‬حياتهم‭. ‬

كانت‭ ‬درسا‭ ‬بسيطا‭ ‬وعظيماً‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬الوطن‭ ‬يتسع‭ ‬للجميع،‭ ‬وان‭ ‬الفرح‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬عراقياً،‭ ‬فانه‭ ‬لا‭ ‬يقسم‭ ‬ولا‭ ‬يجزأ‭. ‬ليت‭ ‬العراقيين‭ ‬يظلون‭ ‬هكذا‭ ‬فرحين‭ ‬متوحدين،‭ ‬يعلون‭ ‬فوق‭ ‬احزانهم،‭ ‬ويتخطون‭ ‬المصاعب‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بهم،‭ ‬ولا‭ ‬يتذكرون‭ ‬سوى‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭: ‬ان‭ ‬الوطن‭ ‬للجميع،‭ ‬وان‭ ‬الجميع‭ ‬اخوة‭ ‬لا‭ ‬يفرقهم‭ ‬دين‭ ‬ولا‭ ‬مذهب‭ ‬ولا‭ ‬طائفة،‭ ‬ولا‭ ‬يجمعهم‭ ‬الا‭ ‬العراق‭ ‬وحبه‭.‬

مبارك‭ ‬للعراق‭ ‬فوز‭ ‬منتخبه،‭ ‬ومهما‭ ‬سيكون‭ ‬القادم‭ ‬والمهمة‭ ‬صعبة،‭ ‬لكن‭ ‬يكفي‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬انه‭ ‬توحد‭ ‬في‭ ‬مباراة،‭ ‬وجمع‭ ‬قلوب‭ ‬العراقيين‭ ‬كلها‭ ‬تحت‭ ‬علم‭ ‬واحد‮…‬