كرة‭ ‬القدم‭ ‬والسياسة..‬ ما‭ ‬بين‭ ‬الحلال‭ ‬والحرام –  مروان‭ ‬ياسين‭ ‬الدليمي‭ ‬

كل‭ ‬شيء‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬باتجاه‭ ‬يخالف‭ ‬المنطق‭ ‬والواقع‭ ‬والمستقبل،‭ ‬ويساهم‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬العقول‭ ‬وتغييبها‭ ‬وتهييج‭ ‬الغرائز‭ ‬البدائية‭ ‬والانفعالات‭ ‬المتطرفة‭ ‬،‭ ‬فقد‭ ‬اعتدنا‭ ‬دائما‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬السلطات‭( ‬قبل‭ ‬وبعد‭ ‬العام‭  ‬2003‭ )  ‬على‭ ‬صور‭ ‬مبالغ‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬التكريم‭ ‬والاحتفاء‭ ‬،‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تسبغ‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ماهو‭ ‬رث‭ ‬وشعبوي‭ ‬ولحظوي‭ ‬وانفعالي‭ ‬وعابر‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬يترك‭ ‬اي‭ ‬أثر‭  ‬مهم‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬الوعي‭ ‬والمعرفة‭ ‬والانتاج‭ ‬المادي‭ . ‬فلا‭ ‬الصناعة‭ ‬نالت‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬ولا‭ ‬التعليم‭ ‬ولاالزراعة‭ ‬ولاالثقافة‭ .‬

ابرز‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التدمير‭ ‬والتسفيه‭ ‬لكل‭ ‬الانشطة‭ ‬الانسانية‭ ‬الفعالة‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تحظى‭ ‬به‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭  ‬من‭ ‬افراط‭ ‬في‭  ‬الاهتمام‭ ‬والتقدير،‭  ‬ماديا‭ ‬ومعنويا‭ ‬،‭ ‬وكأن‭ ‬لاعبي‭ ‬المنتخب‭ ‬،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬فازوا‭ ‬في‭ ‬مسابقة‭ ‬كروية‭(‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬مسابقة‭ ‬غير‭ ‬معترف‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدولي‭  ) ‬سيحققون‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المفقودة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬،‭ ‬وسيستردون‭ ‬بفوزهم‭ ‬السيادة‭ ‬و‭ ‬الاموال‭ ‬العامة‭ ‬المنهوبة‭ ‬من‭ ‬خزائن‭ ‬الدولة،‭ ‬وسينال‭ ‬المواطن‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬العيش‭ ‬الكريم‭ ‬،‭ ‬ويتم‭ ‬انصاف‭ ‬ملايين‭ ‬الفقراء‭ ‬بحياة‭ ‬تليق‭ ‬بآدميتهم‭ . ‬الدولة‭ ‬ينخرها‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬رأسها‭ ‬إلى‭ ‬أساسها‭ ‬،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬بارقة‭ ‬أمل‭ ‬لكي‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المستنقع‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ذاهبة‭ ‬إلى‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير‭ ‬،‭  ‬ولكن‭ ‬رجالات‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬،‭ ‬لايعنيهم‭ ‬سوى‭ ‬تحقيق‭ ‬انتصارات‭ ‬وهمية‭ ‬على‭ ‬خصومهم‭  ‬في‭ ‬ملاعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬،‭ ‬واغراق‭ ‬العراقيين‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬من‭ ‬شعور‭ ‬كاذب‭ ‬بالتفوق‭ ‬والتعملق‭ ‬،‭ ‬ولو‭ ‬لبرهة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬،‭ ‬سرعان‭ ‬ماتزول‭ ‬هذه‭ ‬الغشاوة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬المباراة،‭ ‬ليجد‭ ‬العراقي‭ ‬نفسه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬امام‭ ‬واقع‭ ‬بائس‭ ‬وتعيس،‭ ‬ابرز‭ ‬ابطاله‭ ‬ساسة‭ ‬لصوص‭ ‬وفاسدين‭ . ‬سيارات‭ ‬وأموال‭ ‬وهدايا‭ ‬ثمينة‭ ‬تذهب‭ ‬تكريما‭ ‬لاقدام‭ ‬لاعبي‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬،‭ ‬وعقول‭ ‬المفكرين‭ ‬والعلماء‭ ‬والادباء‭ ‬والمثقفين‭ ‬المنتجين‭ ‬للمعرفة‭ ‬يطالها‭ ‬الاهمال‭ ‬والنسيان‭ ‬‭..! ‬

ما‭ ‬جدوى‭ ‬هذا‭ ‬السعير‭ ‬المحموم‭ ‬بكرة‭ ‬القدم‭ ‬؟‭ ‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬خلفته‭ ‬انتصارات‭ ‬المنتخب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المسابقات‭ ‬التي‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬استطاعت‭ ‬ان‭ ‬ترفع‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الجواز‭ ‬العراقي‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬ارتفعت‭  ‬صادرات‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬جنبت‭ ‬العراق‭ ‬شبح‭ ‬الحروب‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬وفرت‭ ‬الدواء‭ ‬لمرض‭ ‬السرطان‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬بنت‭ ‬مستشفيات‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬وفرت‭ ‬مقاعد‭ ‬دراسية‭ ‬للطلبة‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬وفرت‭ ‬احتياجات‭ ‬الطالب‭ ‬العراقي‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬ولوازم‭ ‬مدرسية‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬قضت‭ ‬على‭ ‬البطالة‭ ‬المتفشية‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬رفعت‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭ ‬العراقي‭ ‬أمام‭ ‬الدولار‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬ارغمت‭ ‬المحتل‭ ‬الاميركي‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬يحترم‭ ‬سيادة‭ ‬العراق‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬ارعبت‭ ‬اسرائيل‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬أوقفت‭ ‬تدخلات‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬العراقي‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬أعادت‭ ‬الأموال‭ ‬المنهوبة‭ ‬بصفقة‭ ‬القرن‭ ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬أرغمت‭ ‬السلطة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تبقي‭ ‬المتورطين‭ ‬بسرقة‭ ‬القرن‭ ‬خلف‭ ‬القضبان‭ ‬ولاتطلق‭ ‬سراحهم‭  ‬؟‭ ‬

هل‭ ‬ايقظت‭ ‬الشعور‭ ‬بالانتماء‭ ‬للوطن‭ ‬لدى‭ ‬الساسة‭ ‬الفاسدين‭ ‬؟‭ ‬

كرة‭ ‬القدم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬حالها‭ ‬حال‭ ‬المخدرات‭ ‬التي‭ ‬اخذت‭ ‬تفتك‭ ‬بالمجتمع‭ ‬،‭ ‬وربما‭ ‬تأثيرها‭ ‬اكبر‭ ‬منها‭ ‬،‭ ‬لان‭ ‬من‭ ‬سقط‭ ‬في‭ ‬لعبتها‭ ‬ليس‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬،إنما‭  ‬تيار‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬والفنانين‭ ‬والنخب‭ ‬الاكاديمية‭ .‬

لن‭ ‬يكتب‭ ‬لهذا‭ ‬البلد‭  ‬فرصة‭ ‬النهوض‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬،‭ ‬والعلم‭ ‬،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬التعامل‭ ‬بواقعية‭ ‬وعقلانية‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬،‭ ‬باعتبارها‭ ‬لعبة‭ ‬للتسلية‭ ‬فقط‭ ‬،‭ ‬مثل‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الالعاب‭ ‬الاخرى‭ ‬،‭ ‬وليست‭ ‬معركة‭ ‬وجودية‭ ‬تغدق‭ ‬عليها‭ ‬الاموال‭ ‬وتزهق‭ ‬بسببها‭ ‬الارواح‭ .‬‭  ‬ربما‭ ‬سأبدو‭  ‬في‭ ‬نظر‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬والمتعلمين‭ ‬بغاية‭ ‬التطرف‭ ‬في‭ ‬قناعتي‭ ‬هذه‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬سيسخر‭  ‬مني‭ ‬جمهور‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬،‭ ‬وآخرين‭ ‬سيتهمونني‭ ‬بكراهية‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬،‭ ‬وبأنني‭ ‬حاقد‭ ‬وكاره‭ ‬وطائفي‭ ‬وبعثي‭ ‬وداعشي،‭ ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬اشارك‭ ‬العراقيين‭ ‬مشاعرهم‭ ‬وفرحتهم‭ ‬بالانتصار‭  ‬،‭ ‬ومثل‭ ‬ردود‭ ‬الافعال‭ ‬هذه‭  ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬ولاغريبة‭ ‬ولاتحمل‭ ‬اي‭ ‬مفاجأة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬لآخرين‭ ‬مثلي‭ ‬يشاطرونني‭ ‬الرأي‭ ‬وهم‭ ‬كثيرون‭ .‬

انا‭ ‬انتمي‭ ‬لهذا‭ ‬البلد‭ ‬وليسى‭ ‬لانظمته‭ ‬ولاحكوماته‭ ‬،‭  ‬وليس‭ ‬بمقدوري‭ ‬أن‭ ‬انتزع‭ ‬هذا‭ ‬الانتماء‭  ‬من‭ ‬داخلي‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬حاولت‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬يأس‭ ‬،‭  ‬رغم‭ ‬انني‭ ‬لم‭ ‬انتفع‭ ‬منه‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬اكشف‭ ‬سرا‭ ‬عندما‭ ‬اقول‭ ‬بأنني‭ ‬احيانا‭ ‬اكره‭ ‬القدر‭ ‬الذي‭ ‬فرضه‭ ‬علي‭ .‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬استطيع‭ ‬أن‭ ‬اخونه‭ ‬أو‭ ‬اجامله‭ ‬،‭ ‬طالما‭ ‬أحمل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬مشاعر‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬تساوي‭ ‬محبتي‭ ‬لأهلي‭ ‬ومعارفي‭ ‬واصدقائي‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭  ‬منهم‭ . ‬ومع‭ ‬انني‭ ‬لا‭ ‬أراهن‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬اي‭ ‬كلمة‭ ‬أو‭ ‬مقالة‭  ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تحدث‭ ‬تغييرا‭  ‬مؤثرا‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬،‭ ‬إلا‭ ‬انني‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭  ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬امنع‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬تبوح‭ ‬بما‭ ‬يجيش‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬واستنكار‭ ‬واحتقار‭ ‬،‭ ‬لكل‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬شاهدتها‭ ‬خلال‭ ‬اليومين‭ ‬الماضيين‭ ‬،‭ ‬عندما‭ ‬استقبل‭ ‬عتاة‭ ‬اللصوص‭ ‬من‭ ‬الساسة‭ ‬،اعضاء‭ ‬فريق‭ ‬المنتخب‭ ‬العراقي‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬ايضا‭  ‬ذهب‭ ‬المنتخب‭ ‬بقضه‭ ‬وقضيضه‭ ‬زاحفا‭ ‬لاهثا‭ ‬لينال‭ ‬بركتهم‭  ‬وهداياهم‭ ‬،‭ ‬رغم‭ ‬علمهم‭ ‬بأنهم‭ ‬لصوص‭ ‬وفاسدين‭ ‬وبعضهم‭ ‬بغاية‭ ‬الاجرام‭ .‬

فما‭ ‬الذي‭ ‬تغير‭ ‬بين‭ ‬الأمس‭ ‬واليوم‭ ..‬ليصبح‭ ‬تكريم‭ ‬اليوم‭ ‬حلال‭ ‬وتكريم‭ ‬الأمس‭ ‬اجرام‭ .. ! . ‬

قد‭ ‬تختلف‭ ‬المسميات‭ ‬لكن‭ ‬المعنى‭ ‬واحد‭ .‬

مشاركة