
فاتح عبدالسلام
في الصف الثاني المتوسط ، دخل علينا مدرس مادة الجبر، وقال بملامح قاسية ونيّة مبيتة ،اخرجوا الاوراق البيض هناك امتحان فوري .
كان الخبر كالصاعقة ، وازددنا صعقاً، حين كان السؤال صعباً وليس من موادنا المدروسة، واحترقت قلوبنا ،حين قال المدرس أنّ الوقت المخصص للامتحان خمس دقائق فقط.
شعرنا لحظتها انّ نهاية العالم اقتربت وكل شيء ينهار، فلا أحد يعرف الاجابة والوقت لايسمح حتى بالتفكير. سحبَ المدرسُ الاوراق من بين ايدينا كأنّه يسحب مصروفنا اليومي العزيز من جيوبنا.
شعرنا بالاحباط والمرارة وربّما العار من ضعفنا وعدم قدرتنا على الرد. جلسَ المدرس في نهاية الصف، واختلسنا النظر اليه من عيون مليئة بروح الافتراس.
كان يقلب أوراقنا ويبتسم ويكتب عليها شيئاً. تُهنا في التوقعات المتضاربة، كيف يبدو على وجهه الارتياح، واجاباتنا كالقطران الأسود.
توقعنا انه يسخر من غبائنا ،وهو يسطر لنا كلمة صفر، تلك الكلمة الشبيهة بالرصاصة. بعد دقائق، نهض المدرس ثم وزّع الأوراق علينا ،وقد كتب عليها، بالحبر الصيني الثخين، كذبة نيسان. تلك كانت أول مرة نقع فيها صيداً جماعياً لهذه الكذبة، التي بتنا نحاول تجنبها طوال السنة، وحين يأتي الأول من نيسان من كل عام، ننسى التاريخ ونأكل المقلب.
قبل يومين اتصلت بصديق من تلك الفترة الذهبية في تاريخنا الشخصي، وذكرته بتلك الحادثة مع مدرس الجبر، وتوقعته يتذكرها بحرارة مثلي، لكنه بكل برود وثقة ،وكأنّه يحضر جدول دروس الصف الثاني المتوسط لليوم التالي، قال، لا أتذكر ما حصل لأنني كنت غائباً ذلك اليوم.. عندي مغص في بطني، فانفجرت ضاحكاً من قوة ذاكرته أو من قوة قدرته على التملص من موقف الى موقف.
ضحك معي هو أيضاً، وقال، انك تتحدث عن حدث كأنه نادر أو هو كذلك بالنسبة لك. أما أنا في هذا البلد ، فأعيش في كل يوم كذبة جديدة ، حيث كل شهر له كذبة من لون معين، وكل مناسبة وطنية أو دينية تبدأ بكذبة مسؤول وتنتهي بكذبة مسؤول آخر، وفي هذه الأيام العراقيون جميعهم يعيشون أجمل الأكاذيب التي لها مفعول إبر التخدير الجميل ، وعود بالرفاهية والعيش الرغيد ترافق الانتخابات. وكنا نعتزم كل مرّة ألا نقع في نفس الاخطاء ونخوض في نفس الخيسة، لكن لاندري ما يحصل لنا، فنذهب خائضين بنفس الطين الى الصناديق ذاتها. وقديماً قالوا انّ الغبي ليس مَن يرتكب الخطأ من تصرف معين، لكن الغبي هو مَن يكرر نفس التصرف السابق ظنّاً منه انه لا يكون ناتجه خاطئاً هذه المرة.
رئيس التحرير – الطبعة الدولية



















