

د. ريم محمد حفوظي
تعدّ الرواية اليوم أهم الفنون الأدبية انتشاراً وتداولاً على مستوى الإبداع وعلى مستوى التلقي معاً، حتى وصفت لدى كثير من الباحتين والنقاد بأنها ديوان العصر بدلاً من الشعر الذي كان ديوان العرب في السابق، وقد تنوع الاهتمام بهذا الفن من لدن كثير من المؤسسات الثقافية في العالم والوطن العربي أيضاً، وأكبر شاهد على ذلك الجوائز الكبرى التي رصدتها مؤسسة كتارا سنوياً في قطر ثم جائزة البوكر العربية وجوائز أخرى كثيرة جداً، مما يدل دلالة قاطعة على هذه الأهمية والانتشار والتداول، فضلاً عن إقامة الندوات والمؤتمرات في الجامعة والمؤسسات الثقافية بصورة مستمرة ودائمة.
الصحفي والروائي والكاتب الدكتور سليمان الصدّي سبق له أن أصدر رواية يعنوان (رائحة التفاصيل) عام 2019م أثارت كثيراً من الاهتمام في الأوساط النقدية والأكاديمية والثقافية، أعقبها برواية جديدة صدرت حديثاً بعنوان (سبعة عشر غروباً) في بيروت، وهي الأخرى أثارت كثيراً من الاهتمام والعناية بحيث أسهم مجموعة من النقاد والأكاديميين العراقيين والعرب بكتابة أبحاث حولها، وقد صدرت في كتاب مهم ضمّ ستة عشر بحثاً يسعدنا أن نلقي الضوء عليه هنا بما يكتسبه من أهمية، ليس على صعيد هذه الرواية حصراً بل على صعيد فن الرواية بشكل عام؛ حيث تناولت الأبحاث الكثير من قضايا الرواية الحديثة وإشكالاتها من خلال البحث في طبقات هذه الرواية وتفاصيلها.
الكتاب الموسوم بـ (فضاء الخطاب الروائي وقضاياه/أبحاث في رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي)، هو من تأليف نخبة من النقاد والأكاديميين وإعداد وتقديم ومشاركة الدكتور بشير سوادي، قد جاءت مقدمة الكتاب لتعرض لجوهر فكرة الكتاب وتفاصيله وتمثلاته النقدية العامة والخاصة، إذ احتوت هذه المقدمة على إشارات مهمة حول تجربة التأليف الروائي حيث قال الدكتور سوادي في هذا الصدد: (يأتي هذا الكتاب المعنون بـفضاء الخطاب الروائي وقضاياه ليتخذ من رواية سبعة عشر غروباً للأديب سُليمان الصدّي مختبراً نقدياً لاستنطاق آليات التشكيل السردي وكيفية تفاعل الذات مع واقعها المتخيل، على نحو تكون فيه الأبحاث المختلفة مساحات قرائيّة متنوّعة لاستنطاق الرؤية الأساسيّة داخل حيوية هذا الفضاء.
إنّ تجربة سُليمان الصدّي في هذه الرواية تمثل انعطافة هامة في السرد المعاصر؛ حيث تتشابك فيها مستويات الذاكرة مع حركية الواقع، وتبرز فيها تقانات التشكيل كأدوات معرفية لا مجرد زينة فنية، وتهدف هذه الأبحاث إلى تفكيك الخطاب الروائي في (سبعة عشر غروباً) عبر مقاربات نقدية حديثة، تزاوج بين البنيوية والسيميائية وجماليات التلقي بغية الكشف عن المسكوت عن جوهر المقولة الكامنة في ثنايا النص، وتحليل كيفية صياغة الوعي الجمعي والفردي من خلال اللغة السردية. تنطلق أهمية هذا الكتاب من كونه يقتحم عوالم الصدّي الإبداعية في هذه الرواية؛ محاولاً الإجابة عن جملة تساؤلات جوهرية: تتلخّص في كيف استطاع النص أن يحوّل الغروب من ظاهرة زمنية إلى بنية مكانية ونفسية ذات طبيعة سردية متجوهرة حول ذاتها وحول العالم؟ وكيف تضافرت عتبات النص مع فضاء الشخصية لإنتاج لحظات التنوير السردي؟ إننا أمام قراءات تسعى إلى ترسيخ مفهوم فضاء الخطاب، بوصفه شبكة من العلاقات المتداخلة التي تجعل من القراءة فعلاً من أفعال الاكتشاف المستمر.)
وقد جاءت أبحاث الكتاب على النحو الآتي حيث أدرج معدّ الكتاب ومقدّمه كل مجموعة أبحاث حول قضايا نقدية مشتركة في فصل، وتكون الكتاب على هذا الأساس من أربعة فصول ضمّ كل فصل أربعة أبحاث.
جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان (قضايا الرواية وتقانات التشكيل) وقد أسهم فيه الأستاذ المتمرس الدكتور محمّد صابر عبيد في بحثه الموسوم بـ (مرايا الرواية: التمثّل السرديّ والانعكاس الرؤيويّ: قراءة في رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي)، وضمن (مدخل في استراتيجيّة المنظور الروائيّ) قال الباحث (يمكن اعتماد مصطلح (مرايا الرواية) بوصفه معياراً لفحص صلاحية النصّ الروائيّ، بناءً على قدرة هذا النصّ على الارتفاع بعناصر التشكيل كي تبلغ المرحلة الأعلى من التمثّل السرديّ، وهذا التمثّل السرديّ يشمل قدرة النصّ على استلهام التاريخ والواقع والمرجع -كليّاً وتفاصيليّاً-؛ من أجل تحويله إلى منطق سرديّ يسهم في تلبية حاجة الفنّ الروائيّ إلى جوهر مركزيّ يقوم عليه، ليس هذا فحسب؛ بل امتداد هذا التمثّل السرديّ -بعد بلوغ مرحلة التكوين النصيّ الروائيّ المتكامل- نحو قدر عالٍ من الانعكاس الرؤيوي، بكلّ ما يحمله هذا المفهوم من فرض علاقة أساسيّة فاعلة ومنتِجه مع المتلقّي؛ وهو في أوج استقباله للنصّ الروائيّ بأكفأ ما تمتلكه ذائقته المدرّبة من آليّات عمل خصبة، بوسعها أن تبلغ بالمسافة المتوقَّعة بين طبقة التمثّل وطبقة الانعكاس إلى أغنى وأثرى مستوى ممكن).
وقد وجد الباحث أن (الرواية الموسومة (سبعة عشر غروباً) لسليمان الصدي هي الرواية الثانية له؛ بعد روايته الأولى التي أصدرها قبل أعوام قليلة وكانت بعنوان (رائحة التفاصيل)، وإذا كانت (رائحة التفاصيل) معنيّة على نحو واضح بالجانب السيرذاتيّ للمؤلّف؛ وقد كانت لنا وقفة نقديّة حول هذا الموضوع في حينه، فإنّ (سبعة عشر غروباً) تسير بمحاذاة الرواية الأولى على هذا النحو السيرذاتيّ، لكن بطريقة اجتهدت في اللعب على بعض مرايا الرواية؛ من حيث محاولة صوغ مقدّمات سرديّة تشتغل على عنصر الإيهام، والتوسّل بالحيل السرديّة الممكنة لإبعاد شبح (الطيف السيرذاتيّ) الذي ظلّ يلاحق (رائحة التفاصيل). حيث تعمل المرجعيّة الصحفيّة القريبة من جوّ السياسة والإعلام على فرض نموذجها هنا؛ بما يجعل من الرواية حقلاً للتجريب في مجال يمكن وصفه بـ (إنشائية السرد الروائيّ)، وهذه الإنشائيّة من دون أدنى شكّ هي سلاح ذو حدّين، وغالباً ما يكون الحدّ السلبيّ أمضى تأثيراً من الإيجابيّ؛ لأنّ اللغة التي تشتغل ضمن إطار الفعاليّة الإنشائيّة تكرّر نفسها وتتبدّد حين يطول أمد استخدامها داخل فضاء السرد، وهو ما يمكن ملاحظته على طريقة أداء اللغة الإنشائيّة ضمن هذه الرواية؛ وحتى سابقتها، ولا غرابة أنّ اللغة الصحفيّة بطبيعتها تميل إلى نوع من الحجاج الإنشائيّ القابل للتكرار والتفصيل والتوسّع على مستوى الوصف، وهذا ما تجلّى ضمن مقاطع ليست قليلة من هذه الرواية؛ غلّبت اللغة الإنشائيّة ذات السمة الشاعريّة العاطفيّة على اللغة السرديّة الروائيّة المطلوبة داخل حلبة الرواية.)
وجاء البحث الثاني بعنوان (من الميتا قص إلى فسيفساء السرد: قراءة في رواية (سبعة عشر غروبا) لسليمان الصدّي) للأستاذ الدكتور إبراهيم مصطفى الحمد من كلية التربية للعلوم الإنسانية / جامعة تكريت، وقد رأى أن رواية (سبعة عشر غروبا) لسليمان الصدّي (ركزت بشكل لافت على تقنية الميتا قص، في كونها رواية تواكب تكوينها السردي وتتحدث عن نفسها غالبا، مكونةً ما يمكن تسميته بـ(رواية داخل رواية)، على استثمار مجموعة من العناصر والتقنيات السردية في تكوين عالمها السردي الخاص مُشَكلةً ما يمكن تسميته بفسيفساء السرد)، وقد استنتج من دراسته النقدية أن (الرواية بوصفها الجنس الأدبي الأكثر تأثيرا وظهورا في العصر الحديث ميدانا رحبا لتلاقي الفنون وتداخلها، وحاملة لتعقيدات الوجود وتناقضاته، إذ يتطلب فهمها إدراكا لكونها عالما شديد التعقيد، متناهي التركيب، متداخل الأصول، وفي هذا السياق تأتي رواية (سبعة عشر غروبا) لتجسد هذا التداخل الفني والعمق السردي، مقدمةً تجربة روائية تمزج بين دراما المحكي السير ذاتي لشخصياتها الرئيسة، فضلا على تداخل الفنون المختلفة كالشعر والسيرة الذاتية والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى، كل ذلك ضمن إطار الحفاظ على هوية الجنس الروائي الأصيلة للرواية.) كما وجد الباحث فضلا عن ذلك كله (قصصًا ثانوية متفرقة تتسلل في ثنايا الرواية، لتشكّل طبقات سردية إضافية، كما يحضر فنّ الكولاج ومقتطفات التاريخ بوصفهما تقنيات واعية لتوسيع فضاء الحكاية. وبذلك تتحول الرواية إلى نص ثقافي مفتوح، يتسم بالتنوّع والتفاعل، ويرسم عالَمًا فسيفسائيًا تتقاطع فيه ألوان الحياة وتجاربها، فتبدو الرواية وكأنها مرآة واسعة تعكس تعدّد الأصوات والوقائع، لا باعتبارها مجرد زخرفة شكلية، بل كخيار جمالي يعبّر عن تعقيد الواقع وتشابكه.)
أما البحث الثالث فكان بعنوان (شعريّة الكتابة في رواية “سبعة عشر غروبا” لسليمان الصدي) للدكتورة سامية غشّير من الجزائر، وتوصلت الناقدة في كشفها النقدي حول رواية “سبعة عشر غروبا” للرّوائيّ “سليمان الصدي” أنها اتّسمت بشعريّة فائقة وتجلّى ذلك في مفاصل عديدة أتت عليها في بحثها وهي: العتبات النصيّة، واللّغة، والمكان، والزّمن، والوصف. إذ امتازت هذه الرواية على صعيد الشعرية السردية (بشعريّة طافحة، وقد تمظهر ذلك من خلال العنوان المختلف، المنزاح والمكثّف دلاليّا، المعبّر عن تيمة الحبّ، وقداسته، والذّكريات الحالمة بين العاشقين، كما وظّف الرّوائيّ لغة شعريّة فصيحة أبرزت المستوى العالي له وتمكّنه من أدوت الشّعر، إضافة إلى الفضاء الجغرافيّ المتمظهر بقوّة في فضاء البحر الّذي كان الشّاهد الوحيد على العلاقة العاطفيّة الجميلة بين العاشقين ربيع وناي، وسعيهما إلى تحقيق السّعادة، كما طغت الشّعريّة على غلاف المجموعة، إذ نجع الكاتب في انتقاء الرّسومات والألوان المعبّرة بعمق وقوّة عن مشاعر الحبّ، والعطاء، والوفاء، والتّضحيّة، أمّا الزّمن فقد أستثمر بطريقة جماليّة، من خلال الاشتغال على الزّمن النّفسيّ والوجوديّ اللذان أسهما في تشريح نفسية البطلين، وذكرياتهما، وآلامهما، ومشاعرهما المرهفة وبحثهما عن الحبّ الخالد. ومنه، تميّزت الرّواية بشعريتها المتفرّدة، ونزوع الكاتب إلى اختراق السّائد، وجنوحه إلى التّجريب، والانزياح، والوصف، والتّصوير الاستعاريّ.)
واختتم الفصل الأول من الكتاب دراساته القيمة ببحث الأستاذ الناقد والصحفي بهجت درسون رحو، وقد جاء بعنوان (تحولات المكان/قراءة في رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي)، وقد أشار الباحث إلى أن تقسيم المكان إلى أنواع ما هو إلاّ ضرورة لتيسير عملية البحث والدراسة، إذ قال: (واستناداً إلى ما قدمناه فإن ما يهمنا هو ما وظفتّه رواية سبعة عشر غروبا للروائي سليمان الصدي مـن أنواع الأمكنة المتمثلة بالآتي: المكان المستعاد والمكان الراهن والمكان الحلمي) ورأى الباحث أنّ (مفهوم المكان المستعاد هو ذلك المكان الذي يعود إليه الراوي أو الشخصية الروائية عبر الذاكرة، وليس عبر الحضور الراهن المباشر، في حين يقصد بالمكان الراهن هو (المكان الحاضر أو المكان المباشر الذي تدور فيه أحداث الرواية، وهو في هذه الرواية مكان محدد بالشاطئ الذي يقع قبالة البحر؛ إذ يركز الروائي على وصف هذا المكان ليعطي انطباعا رومانسيا عليه؛ إذ تستهل الرواية وصفا لهذا المكان، بينما حلل الباحث المكان الحلمي في رواية سبعة عشر غروباً من خلال العالم الداخلي للشخصية، أي المساحة النفسية التي تغرق فيها وهي أمام الجسد الهامد؛ إذ تختلط: الذكريات والحزن والأسئلة والإحساس بالفراغ، وبذلك مكونة فضاءات عدة أهمها: فضاء المشاعر المختلطة، وفضاء التساؤل الوجودي عن الذات والعمر الضائع، وفضاء التأمل العميق الذي يُعلّق الزمن الخارجي: (فالنمط التأملي من الأنماط الغالبة في المقطع. وهذا ينسجم أيضا مع ما يورده النقد عن إمكان أن يتخذ النص الروائي طابع التأمل الفلسفي داخل بنيته؛ فالحلم كما براه الفلاسفة وعلماء النفس متداخل ومتشابك باستمرار).
وبهذا يكون الفصل الأول من الكتاب قد ألقى الضوء الكافي على هذا المفصل البحثي المهم من مفاصل نظرية الرواية، بما امتلكته الأبحاث من رصانة علمية وقدرة في التعامل مع المفاهيم والمصطلحات، ومن ثم الإجراء النقدي الذي عمل على تحليل كثير من الرؤى والأفكار المهمة والثرية في هذه الرواية.
أما الفصل الثاني من الكتاب فقد كان بعنوان (إشكالية الفضاء: زخم الذاكرة وحركية الرؤية) تقدّمه بحث الأستاذة أمل عمر اللهيبي من المملكة العربية السعودية/مكة المكرمة، وكان بعنوان (تجليات الفضاء الحدّي بين المدينة والذّاكرة/دراسة في رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي) تناول مفهوم تجليات الفضاء الحدّي بين المدينة والذّاكرة إذ وجدت الباحثة أنّ (الفضاء الحدّي هو الذي يقع بين مستويين متقابلين، لكنه يمزج بين هذين المستويين، ويحدث تداخل بينهما، من خلال إبراز أبعاد نفسية وزمنية ودلالية داخل النص السردي، وهو بذلك الحيّز الذي تتداخل فيه الثنائيات: الداخل/ الخارج، الحاضر/ الماضي، الواقع/ الذاكرة، ويعبر عن لحظات التحول والانكسار والتأمل التي تعيشها الشخصيات، أما المدينة فهي الفضاء الواسع الذي يحتوي على فضاءات متعددة ذات دلالات متنوعة، والرواية الحديثة لا تهتم بالمدينة كمكان يحتوي على أمكنة متعددة، بل إنها تنظر إليها على أنها بنية رمزية تتداخل فيها العلاقات الاجتماعية والذكريات الفردية والجماعية).
قاربت الباحثة في المبحث الأول من دراستها موضوع (أنطولوجيا الفضاء: من الحيّز المادي إلى المنتج السيميائي) وقد استنتجت أن الفضاء الحدّي في رواية (سبعة عشر غروباً) يتجلى من خلال حضور البحر أثناء الغروب، حيث يتحول البحر من مكان مادي إلى فضاء تأملي، ويظهر ذلك من خلال عبارة ” كان البحر ممتداً بلا نهاية، يلامس أفق السماء”، كما أنه يتحول من فضاء مادي إلى مخزن للذاكرة، حيث تنقل الأمواج منه الحكايات،
كما وجدت الباحثة في مبحثها الثاني من الدراسة الموسوم بـ (جدلية الذّاكرة الجمعية: من الحيّز المغلق إلى المسرح اليومي)، وكشفت في تحليلها أنّ الرواية تنتقل بين فضاءين حديين، هما: (الفضاء الأول وهو الفضاء المفتوح، الذي يتمثل في جلوس الأب مع الأسرة في جو عائلي أسري، فهذا فضاء حدي دل على المودة والحب الأسري الذي يجمع الأسرة، ثم ما لبث أن انتقل إلى فضاء آخر مغلق والمتمثل في خطاب “الترهيب والتحذير” لأفراد الأسرة، إذ يظهر عبر النص التأثر النفسي الكبير لـ “ناي” في الحاضر من هذه الذكريات المؤلمة العالقة في الذاكرة من الماضي)، أما المبحث الثالث فقد جاء بعنوان (الفضاء الدلالي: بوصفه فاعلاً في صياغة الهُوية الحضرية)، حيث تبرز الجدلية كما ترى الباحثة (حين يتحول الفضاء إلى مرآة تعكس الانتماءات، وحين تصبح الهوية بدورها قوة فاعلة تعيد إنتاج الفضاء وتأويله بما يتناسب مع سردياتها الخاصة وبذلك يصبح الفضاء الدلالي هو المسرح الذي تتجلى فيه الصراعات الرمزية، حيث يسعى كل كيان هوِيّاتي إلى فرض نظامه الدلالي على المكان، مما يجعل من الفضاء نصاً مفتوحاً للقراءة، ومجالاً حيوياً لا ينفصل فيه الوجود المادي عن المتخيل السيميائي).
واستنتج البحث في مقاربته لهذه الرواية أن (الجدلية القائمة بين هذه المفاهيم تؤكد أن الإنسان لا يسكن الأمكنة بجسده فقط، بل يسكنها بتأويلاته وتاريخه المشترك حيث يتحول الحيز الجغرافي إلى نص سردي محمل بالدلالات التي تُصاغ من خلالها الهويات، ومن هنا يصبح الانتقال من المادي إلى المتخيل (سواء كان سينمائياً أو رمزياً) هو الوسيلة الأسمى لاستعادة الذاكرة الجمعية وحمايتها من التبدد، مما يجعل الفضاء في نهاية المطاف هو الوعاء الذي يلم شتات الذات ويمنحها استمراريتها الزمانية والمكانية، وبذلك تظل هذه الثلاثية _ الفضاء، الذاكرة، والهوية _ في حالة تفاعل مستمر يعيد كل منها إنتاج الآخر في صيرورة لا تنتهي من المعنى والوجود).
ضمّ الفصل الثاني من الكتاب بحثا آخر بعنوان (شعرية الذّاكرة وسؤال الهُوية/دراسة في رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي للدكتور بشير سوادي، قارب (مفهوم الذّاكرة والهُوية ليس كمجرد استرجاع ماضوي، بل كآلية دفاعية وبنائية يعيد من خلالها الأبطال (ناي وربيع) صياغة ذواتهم المنكسرة، فالذّاكرة هنا هي المحرك الفعلي للحدث وهي التي تدفع ناي للكتابة للتحرر من قبو الماضي وهي التي تلاحق ربيع في غربته لتربطه بجذوره السورية). وقد تناول الباحث في المبحث الأول موضوع (ذاكرة المكان وتجليات الهُوية) إذ وجد من تحليلاته لبعض نصوص الرواية أنها تصل (إلى ذروة جعل المكان ذاكرة حية تختزن الضحكات والوعود وليس مجرد رمال وماء فالغروب يتحول من رمز للنهاية إلى ميلاد ذاكرة مما يقلب المفاهيم التقليدية للزمن ويجعل المكان صانعاً للبدايات، فالشاطئ هنا هو مرآة الماء الصافية التي تخلع عنها الشخصيات أقنعتها ليتحد الإنسان والمكان في حكاية واحدة خالدة). أما المبحث الثان من بحث الدكتور سوادي فقد جاء بعنوان (ذاكرة الفقد وضياع الهُوية)، حيث (تصل ثيمة الذّاكرة إلى ذروتها عبر التخليد بالكلمات حيث يتحول الأب المفقود إلى وطن يُكتب عنه في الصحف فالفقد يتحول ببطء إلى فعل إبداعي، والغياب يتحول إلى حوار أبدي يرفض انتهاء العلاقة برحيل الجسد، الحنين هنا هو العودة بالأمانة إلى أرض الوطن حيث يلتقي المكان والذّاكرة في مراسم تشييع تليق برمزية الأب كوطن وملاذ).
وجاء المبحث الثالث من بحث الدكتور سوادي بعنوان (الذّاكرة السرديّة واستعادة الذّات) وقد (أكد أن الذات في الرواية لا تستقيم إلا بمرورها عبر مصفاة الذاكرة، حيث تشكلت الهوية الفردية والجمعية من خلال استنطاق اللحظات المنسية وإعادة صياغتها فنياً بأسلوب يمزج بين الواقعية والرمزية، إن الرواية عبر هذه المباحث، ترسم لوحة إبداعية يكون فيها الغروب رمزاً للمراجعة الوجودية، وتصبح الذاكرة فيها الملاذ الأخير لترميم الشروخ النفسية وصياغة الكيان الإنساني في مواجهة التحولات، لتثبت الدراسة في نهايتها أن الهوية عند سليمان الصدّي هي عملية صيرورة دائمة تُبنى من تقاطع المكان والذات مع آلام الفقد في نسيج سردي يتسم بلغة شاعرية مكثفة قادرة على ملامسة جوهر الكينونة.)
كان للدكتورة إسراء أبو ضاري شنان من كلية التربية/ جامعة القادسية مشاركة بحثية في هذا الكتاب جاءت بعنوان (سردية التّكرار والزمن الطّقسي في رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي: مقاربة في تشكيل الذّاكرة الجمعية)، قاربت في بحثها هذا سردية التّكرار والزمن الطّقسي ضمن ثلاثة مباحث أساسية، جاء المبحث الأول تحت عنوان (الموجهات النظرية لسردية الزّمن)، وتناول المبحث الثاني (أنساق وممارسات الذّاكرة الجمعية)، فيما تطرّق المبحث الثالث إلى (تقاطعات النّص والذّاكرة)، وخلصت الباحثة من خلال إجراءات نقدية تحليلية وتأويلية موسّعة إلى أنّ سردية التكرار والزمن الطّقسي للأحداث في السرد تتجسد (تجسيداً عميقاً، في محاولة من الكاتب لفهم هًويته المتشظية بين الأمس واليوم، فالتكرار لا يأتي بوصفه استنساخاً آلياً لذاكرة الماضي وأحداثه بل كآلية كتابية سردية تُعيد قراءة اللحظة وتمنحها دلالات متجددة ذات فعالية جمالية في ذاكرة التلقي، فموجهات الزمن السردي تعمل كبوصلة توجيهية تُنظم فوضى الوقائع المعيش وتُحوّل الزمن الخطي الرتيب إلى دوائر دلالية يتقاطع فيها ما كان مع ما هو كائن حيث تبرز ممارسات الذّاكرة لا كخزانة للذكريات بل كفاعل حيوي يختار ويحذف ويُرمم التفاصيل لخدمة العملية السردية، مما يجعل من استعادة الحدث وتكراره فعل مقاومة ضد النسيان ومحاولة لترميم التصدعات في جدار ذاكرة السارد والمتلقي، حيث يصبح النص السردي هذا فضاءً تنصهر فيها الأزمنة ويغدو التكرار تقنية لبناء المعنى وتكثيف الإحساس والشعور بالوجود فتتحول فيه الذاكرة إلى منتج متجدد تُصهر فيه التجارب ككل لتُعاد صياغتها في نص سردي يتجاوز حدود اللحظة العابرة، فالتضافر بين زمن الحدث السردي وتوجيه آلية السرد واجترار الذاكرة للأحداث هو ما يمنح الحكاية جماليتها وفاعليتها في ذاكرة التلقي ويجعل من استرجاع الماضي رحلة استكشافية للشخصيات والمتلقي لا تنتهي عند جوهر الذات وتقلباتها).
أما بحث الدكتورة زهراء ستار حسن الخفاجي من جامعة ذي قار/ كلية طب الأسنان فقد جاء موسوماً بـ (تجليات السّرد المتناوب في رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي: دراسة في آليات الحكي والحوار والتذكّر)، بوصفه (تقنية تجعل من القارئ متابعاً لأحداث الرواية المتناوبة ومن ثم التعاقب الزمني في داخل العمل الروائي وأثره في توجيه سير العمل ككل وإظهار كيفية التفاعل عبر الحوار وتناوب أصوات شخصيات الرواية والأحداث؛ إذ يُشعر القارئ بالتقدم نحو الأمام وعرض مزيداً من الأحداث بالتناوب والتتابع على منطقة الرواية ليجعل منها حلقات مترابطة ومتماسكة تؤدي دورها نحو هدف معين تنوي الوصول إليه، ثم يشتغل أخيراً على تقنية الاسترجاع أو ما يسمى الفلاش باك الذي يعمل على كسر أفق الزمن أمام توقعات وتطلعات هذه الشخصيات).
قاربت الباحثة هذا الموضوع المهم من خلال المبحث الأول الموسوم بـ (الحكي وأثره في توجيه السّرد). والمبحث الثاني الموسوم بـ (توظيف الحوار السّردي وتناوب الأصوات) والمبحث الثالث الموسوم بـ (الاسترجاع ودوره في كسر أفق الزمن)، وتوصلت الباحثة عبر قراءة دقيقة لفصول الرواية وقضاياها على هذا الصعيد البحثي إلى (أن هذه الرواية لم تكن مجرد رصد للأحداث السردية؛ بل كانت هندسة معمارية روائية معقدة وظفها الروائي للعملية الروائية السردية ببراعة فائقة، حيث تضافر تعدد تناوب الأصوات السردية وعمل على منح النص السردي أبعاداً متعددة بتعدده، حيث لم تنفرد شخصية واحدة بالحقيقة وحدها بل تشكلت الرؤية السردية من تقاطع وجهات النظر المتباينة فأضفت واقعية وعمقاً سيكولوجياً على المشاهد السردية للأحداث، كما لعب توظيف الحوار السردي دوراً حيوياً في كسر أفق الزمن السردي ورتابة الوصف السردي فجاء مرآةً تعكس الصراعات الباطنية والاجتماعية، ومحركاً دفع بالأحداث السردية نحو ذروتها الدرامية في منطقة السرد، ولم يكن الزمن السردي في السرد ساكناً بل لعبت فيه الإسترجاعات التي اخترقت زمن الحاضر لتربط المسببات بالنتائج وتعمل على كشف جذور العقد النفسية للشخصيات والمواقف المصيرية لها، فهذا المزيج الذي قدمه حوّل النص السردي الروائي من حكاية عابرة أمام الذاكرة إلى تجربة اجتماعية متشابكة يستطيع القارئ عبرها ملامسة ذوات ودواخل الشخصيات الروائية وفهم دوافعها عبر مستويات زمنية وصوتية مختلفة، وفي النهاية برز التوجيه السردي كخيط متماسك للأحداث استطاع عبره لمّ شتات عناصر عمله الروائي ليخرج بنص سردي متماسك يوازن بين التجديد الفني لعملية السرد ووحدة الموضوع).
الفصل الثالث من الكتاب جاء بعنوان (آليّات التعبير الروائي وفضاء الشخصية) تقدّمه بحث الدكتورة فاتن عبد الجبار جواد من كلية التربية/الجامعة العراقية وكان تحت عنوان (التشكيل الحواري: الحدث والشخصية/دراسة في رواية “سبعة عشر غروباً” لسُليمان الصدّي إذ (يتناول هذا البحث تجربة إبداعية نوعية في مجال الإبداع الأدبي الروائي للصحفي والروائي والأديب العربي سليمان الصدي، وهو شخصية متعددة المواهب على أكثر من صعيد وفي أكثر من مجال؛ حيث أخرج فيلماً سينمائياً في هوليود، وقدّم برنامجاً سياسياً على أكثر من قناة تلفزيونية، وأسهم في تأسيس نقابة الصحفيين العرب في أميركا، وله لقاءات مع شخصيات عالمية كثيرة، وقد صدرت له كتب كثيرة متنوعة في هويتها الإجناسية؛ منها كتاب (تراتيل لعينيك 2010) وكتاب (من أوراق الحياة 2014)، وصدرت له عام 2019 رواية بعنوان (رائحة التفاصيل)، وله أعمال أدبية وثقافية باللغة الإنجليزية أيضاً.)، وفي سياق أهمية الحوار في الرواية يؤكد الباحثة على أنه يشكّل (في الرواية أهمية كبرى بوصفه أحد الأقانيم السردية الثلاثة التي تؤلّف الرواية، وهي السرد والوصف والحوار، ويعدّ الحوار النموذج الأكثر حيوية لأنه يمثل كلام الشخصيات مع ذاتها أو مع غيرها، حيث يغيب الراوي تماماً فتكون الشخصيات أمام بعضها لتعبر عن صورها الشخصية أمام القارئ مباشرة، وهذا الحوار هو الذي يكشف بالضرورة عن طبيعة الرواية ومقولتها وأطروحتها السردية، لأنه يأتي غالبا بحمولات دلالية وسيميائية وأحيانا رمزية تغذّي المقولة العامة في الرواية.)، وقد جاء البحث استناداً إلى هذه المعطيات (كي يتقصى مدى تأثير الحوار في بناء الرواية وفي صياغة هويتها السردية، على أساس ما يحمله الحوار من أشكال ونوعيات ونماذج بين الشكلين الأساسيين للحوار وهما الحوار الخارجي بين الشخصيات، والحوار الداخلي المونولوجي عبر المناجاة والاستعادة والتذكّر وغيرها). إذ أخضعت كثيرا من حوارات الرواية للقراءة والدرس والتحليل وانتهت إلى نتائج نقدية مثمرة، من خلال مقاربة توصلت إلى أن تشكّل الحوار الروائي في هذه الرواية جاء على الأغلب (من خلال الموجهات الذاتية التي يقوم بها الراوي بنمطيه (الراوي العليم) ثم (الراوي الذاتي)، وهذه الموجات تذهب باتجاه تمثيل الرؤية السردية التي اجتهد الروائي في ضخها داخل متن الرواية، وقد وزّع هذه الرؤية بمرجعياتها السيرذاتية والتخييلية على سبعة عشر فصلاً، كل فصل أخذ عنواناً خاصاً به واحتوى على الحجم السرد الذي يستحقه من الفضاء الروائي، وبذلك تكون هذه الرواية قد حققت ما يريده الكاتب منها على صعيد تمثيل الرؤية الخاصة، وتحويلها إلى حكاية أو حكايات تروي فضاءه السيرذاتي الخاص وتحكي قصته مع الحياة والوجود والإنسان بهذه الطريقة المنتخبة.)
البحث الثاني في هذا الفصل كان بعنوان (سيمياء الشّخوص في رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي: بين عتمة الذّاكرة وضياء الانعتاق) للدكتورة انتصار أحمد علي البكوع من معهد الفنون للبنات/تربية نينوى. حيث أكدت الباحثة على أهمية الشخوص الروائية حيث (تعد من الأركان الرئيسة في الأعمال السردية عامة، إذ تقع عليها مسؤولية القيام بالأفعال التي يود الروائي تحققها ضمن زمان ومكان محددين، وبتطور تلك الأحداث بشخصياتها حتى الوصول إلى نقطة الأزمة (العقدة) ثم الهبوط بها نحو الحل، إذ أنها لا تقل أهمية عن المكونات الأخرى، إن لم تكن أهمها)
تناولت الباحثة في المبحث الأول ما وصفته بـ (تقاطعات الذات والآخر في السرد) إذ تقول حول مبحثها هذا (إن تقانة سرد الذات وسرد الآخر تقنية تجعل من القارئ متابعاً لأحداث الرواية ومن ثم التعاقب الزمني في داخل العمل الروائي وإظهار كيفية التفاعل بين الشخصيات الروائية والأحداث؛ إذ يُشعر السرد القارئ بالتقدم نحو الأمام وعرض مزيد من الأحداث على منطقة الرواية ليجعل منها حلقات مترابطة ومتماسكة تؤدي دورها نحو هدف معين تنوي الوصول إليه). وفي المبحث الثاني الموسوم بـ (تمثلات الاغتراب وجغرافيا التشتت) ترى الباحثة إن هذه العملية بالأساس (هي عملية صيرورة تتكون من ثلاث مراحل متصلة اتصالاً وثيقاً، فالمرحلة الأولى تتكون نتيجة لوضع الفرد في البناء الاجتماعي، ويتدخل وعي الفرد لوضعه في تشكيل المرحلة الثانية، أما المرحلة الثالثة فتنعكس على تصرفه إنساناً مغترباً على وفق الخيارات المتاحة أمامه).
ورأت في المبحث الثالث الموسوم بـ (الفاعلية الشخصية ورهانات التحرر أن كل عمل روائي يجب أن يرتبط بالمجتمع (فهو يعبر عن حال مجتمع ما في زمن ما، إذ يتأثر بالمجتمع فيجعل منه عبر أدبه مرآة تعكس الظروف الاجتماعية بمجالاتها المختلفة والتعبير عن حجم معاناة المجتمع على وفق أحداث تقوم بها شخصيات في العمل الروائي)، وانتهت إلى نتيجة نقدية مهمة تعاين (رواية سبعة عشر غروباً لسُليمان الصدّي نصاً سردياً يزخر بالدلالات السيميائية التي جعلت من الشخصية بؤرةً لإنتاج المعنى وتكثيف الصراع بين ثنائية العتمة والضياء، فمن خلال تتبع سيمياء الشخوص، يتضح أن الذات الساردة لم تكن مجرد وعاء للأحداث، بل كانت مساحة لتقاطع الهويات).
وجاء البحث الآخر في هذا الفصل بعنوان (الشخصية الروائية وتَمثُّلات الثقافي في رواية (سبعة وعشر غروباً) لسُليمان الصدّي) للدكتورة سرى عبد الله محي من جامعة تكريت/ كلية التربية للعلوم الإنسانية، ويمكن تلخيص رؤيتها النقدية المهمة في البحث على النحو الآتي: (تعد الشخصية الروائية إحدى أهم البنى السردية في النص الأدبي، إذ لا تختزل في كونها عنصراً فنياً فحسب، بل تتجاوز ذلك لتصبح وسيلة للكشف عن التوترات الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي تحيط بالإنسان.
غير أن تطور الدراسات الأدبية مع النقد الثقافي أظهر أن الشخصية الروائية ليست فقط وظيفية فنية، بل هي أيضاً تَمَثُّل ثقافي يعكس الأنساق الثقافية في المجتمع، ويفهم التمثُّل الثقافي باعتباره العملية التي يتم من خلالها بناء المعنى داخل الخطاب الاجتماعي والأدبي معاً. وبناءً على ذلك، فإن دراسته الشخصية الروائية في بعدها الثقافي تكشف عن مستويات متعددة من القراءة، فهي من جهة البنية السردية تُسهم في تقدم الأحداث، ومن جهة أخرى خطاب ثقافي- تاريخي، يُعيد تشكيل الوعي الجمعي عبر الأدب. وفي هذا السياق تغدو الشخصيات في رواية (سبعة عشر غروباً) لسليمان الصدي، مجالاً خصباً لتحليل الأنساق الاجتماعية والتاريخية التي تحكم السلوك الإنساني، وتؤطر الهوية الثقافية. وقد قاربت أهم القضايا التي يمكن أن تعالج رؤيتها من خلال (الشخصية وتحقيق الهوية الثقافية)، ثم (الشخصية والتكوين الثقافي)، ثم (الشخصية بوصفها بؤرة للأنساق الثقافية)، وفي ضوء ذلك كشفت الباحثة في معرض نتائجها البحثية عن (أن الشخصية الروائية (في سبعة عشر غروباً) ليست مجرد أداة فنية لتحريك الأحداث أو ملء فراغ الحكاية، بل هي بنية دلالية- ثقافية- تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والتاريخية)، من خلال مجموعة من التفصيلات والتحليلات والرؤى النقدية المهمة.
واكتملت أبحاث هذا الفصل ببحث الأستاذ محمد ظافر صابر من المديرية العامة لتربية نينوى، وجاء بعنوان (الشخصية في رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي، وقد أخبرنا الباحث بأن بحثه (يتناول هذا البحث رواية (سبعة عشر غروباً) للصحفي والروائي سليمان الصدي، وهي رواية ذات طبيعة اجتماعية وثقافية وعاطفية ورؤيويه في سياق واحد، وقد اخترنا عنصر (الشخصية) بوصفها أهم عناصر التشكيل الروائي، إذ تعتمد عليها الرواية اعتماداً كبيراً في تشكيل فضائها السردي العام، ولا يمكن للرواية أن تكتمل من دون اكتمال هذا العنصر بتشكيلاته المتنوعة التي تدعم بقية عناصر التشكيل الأخرى).
وقد وجد الباحث أن أشكال الشخصيات في رواية (سبعة عشر غروباً) بين نموذج الشخصية الرئيسة، وقد تمثلت في شخصيتي (ناي) و (ربيع) بوصفهما الشخصيتين المهيمنتين على مسار الرواية من أولها إلى آخرها، بينما ظهرت نماذج وأشكال أخرى من الشخصيات مثل نموذج الشخصية الثانوية، التي لم يكن دورها كبيرا في الرواية، بل لها دور محدود لدعم حضور ووجود الشخصيات الرئيسة.) وعبر تناوله النقدي في مجموعة من أشكال الشخصيات السردية توصل إلى جملة نتائج من أهمها أن رواية الصدّي عنيت عناية بالغة بالشخصيتين الرئيستين وهما (ناي) و (ربيع) على أساس أنهما العمود الفقري للرواية، وشغلت حواراتهما النسبة الأكبر من مساحة الرواية حين عرضت كل شخصية وضعها وسيرتها وحياتها على بساط السرد. فضلاً عن نتائج أخرى مهمة على صعيد تنوع الشخصية وأدوارها في بناء الرواية.
اختتم الفصل الرابع الذي جاء تحت عنوان (النص الموازي ولحظات التنوير السردي) فصول هذا الكتاب المهم، وقد حمل في طياته أربعة أبحاث تقدّمها بحث بعنوان (جدل الثابت والمتحول في رواية سبعة عشر غروباً لسليمان الصدي: مقاربة في تحولات المعنى وبنية الوعي السردي)، تقدّم به الدكتور علي عواد عبد الله من قسم الإعلام والاتصال الحكومي/ جامعة نينوى، وقد عبّر الباحث عن إشكالية بحثه بقولة: (تنهضُ هذه الدراسة على مقاربةٍ نقديةٍ تنظر إلى الرواية بوصفها فضاءً دينامياً تتصارع فيه قوى الثبات والتحوّل، إذ لا يُفهم السرد هنا بوصفه حكايةً تُروى بقدر ما هو ممارسة معرفية تعيد تشكيل الوعي وتعيد مساءلة المسلّمات الراسخة داخل البنية الاجتماعية والثقافية والنفسية للشخصيات،
ومن هذا المنطلق تتحدد هوية الرواية المدروسة بوصفها نصاً إشكالياً يشتغل على كشف المناطق المسكوت عنها، ويجعل من فعل الكتابة ذاته أداةً للمساءلة والكشف، فهنا تتحول اللغة من وسيط ناقل إلى طاقة كاشفة تُزعزع البُنى الجامدة وتفتح إمكانات جديدة للفهم والتأويل، فالرواية لا تقدّم عالماً مستقراً لكنه عالماً قلقاً، متصدّعاً، تتحرك داخله الذوات بين إرثٍ ضاغط يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه، ورغبةٍ في الانفلات منه عبر البوح والاعتراف وإعادة سرد التجربة بوصفها فعلاً من أفعال المقاومة الرمزية). وقد تألف البحث من مجموعة مباحث رئيسة جاء المبحث الأول بعنوان (الثابت بوصفه بنية ضاغطة: (الذاكرة، السلطة، التكرار). وجاء المبحث الثاني بعنوان (المتحوِّل وتجليات تشكيل الوعي)، لتنتهي المقاربة البحثية المهمة إلى (أن رواية سبعة عشر غروباً لا تنشغل بسرد الحكاية بقدر انشغالها بكشف الكيفية التي تتشكّل بها الذوات حين توضع في مواجهة ما يبدو ثابتاً في حياتها من منظومات الذاكرة والعادة والتقاليد واليقين المسبق. فالثابت في الرواية لا يظهر بوصفه قيمة سلبية في ذاته، بل بوصفه بنية ضاغطة تمنح الوجود انتظامه، غير أنه يتحوّل، مع تراكم التجربة، إلى عائق يحول دون تجدد المعنى. ومن هنا تبدأ الرواية في بناء مسارها التحويلي عبر إظهار لحظات التصدّع الصغيرة التي تتسرّب إلى وعي الشخصيات، فتدفعها إلى إعادة النظر فيما كان يُظن أنه نهائي أو مكتمل.
إن التحوّل لا يأتي نتيجة حدث خارجي حاسم، بل نتيجة فعل داخلي متدرّج، يتولّد من التأمل، والكتابة، والعلاقة بالآخر، وإعادة الإحساس بالزمن، حتى تغدو الشخصية شريكاً في صياغة قدرها لا متلقيةً له)، كما كشفت الدراسة أن هذه الرواية تتكشف (عن رؤية ترى أن الإنسان لا يتحرّر من الثبات عبر القطيعة معه، بل عبر الوعي به وإعادة تأويله. فالثابت لا يُمحى، بل يُعاد إدخاله في سياق جديد يسمح له أن يصبح جزءاً من حركة المعنى لا عائقاً أمامها. ومن خلال هذا الجدل المستمر بين الرسوخ والتغيّر، تطرح الرواية سؤالها الجوهري: كيف يمكن للذات أن تظل وفية لذاكرتها دون أن تستسلم لها؟ وكيف يمكنها أن تتغيّر دون أن تفقد جذورها؟ إن الإجابة لا تُعطى بوصفها نتيجة جاهزة، بل تُترك مفتوحة داخل نسيج السرد نفسه، حيث يصبح التحوّل عملية لا تنتهي، ويغدو المعنى فعلاً متجدداً يتشكل مع كل قراءة جديدة، كما يتشكل مع كل تجربة إنسانية تعيد مساءلة ما اعتادته وتغامر بإعادة كتابته).
وكان بحث الدكتورة د. ريم محمد حفوظي من كلية الآداب/جامعة الموصل بعنوان (جماليات العتبات النصية في رواية (سبعة عشر غروباً)، أكدت فيه اللباحثة أن عنوان الرواية (سبعة عشر غروبا) يثير كثيرا من الأسئلة التي لا بد من تفكيك العنونة للوصول إليها، ولا سيما أن هذه العنونة الكبرى تحتوي على عناوين صغرى بعدد فصول الرواية السبعة عشر، وكل عنوان من هذه العناوين الصغرى يشتغل داخل محتوى الفصل على رؤية خاصة به، لكن بمجموع الرؤيات العنوانية الكلية تتضح الرؤية العامة الأساسية لعتبة العنوان الكبرى. وبذلك تكون عتبة العنوان هنا من العتبات المهمة التي تستدعي قراءة مستفيضة تقف على أهم المستويات في هذا المجال، بما يجعل من العنوان عنوانا ناجحا على مستوى الصيغة والتشكيل والأداة، وهو ينجح أيضا في إنشاء صور جمالية متعددة بتعدد العناوين وتنوعها، على صعيد التشكيل والدلالة والتوافق بين العناوين والمتون النصية في فصول الرواية على نحو أو آخر. أما العتبة الثانية ذات الأهمية الواضحة في مجال مقاربة العتبات النصية فهي عتبة الخاتمة والإقفال النصي، وهي تنطوي على جماليات متعددة حيث يولي الروائي هذه العتبة أهمية كبيرة من خلال وضع طبقات العتبة هذه في الفصل الأخير من الرواية، وما يحمله الفصل الأخير من نتائج تتكدّس في جوهر العتبة على النحو الذي يمنح القراءة النقدية حرية أكبر في التدليل والتأويل.
قدمت الباحثة رؤيتها النقدية من خلال (مدخل في مفهوم العتبات النصيّة) أكدت فيه أن رواية (سبعة عشر غروباً) للصحفي والروائي الدكتور سليمان الصدي تحتوي على مجموعة من العتبات النصية الرئيسة، وبأنها انتخبت من هذه العتبات ما يستجيب لرؤيتها ومنهجها البحثي هنا على مستوى التصنيف والتحليل، ولا شك في أن عتبة العنوان في هذه الرواية تمثل جوهر العتبات النصية باختيارها عنواناً كليا للرواية، فضلاً عن عناوين صغرى لكل فصل/غروب من فصول الرواية بما يحتاج إلى قراءة ومقاربة وتفسير نقدي ضروري. والعتبة الأخرى التي وجدتها الباحثة أنها تستحق العناية والبحث والدراسة هي عتبة الإقفال، وهي عتبة شديدة الأهمية يعاني منها كثير من الروائيين حين يجدون صعوبة في وضع نهاية لرواياتهم، وقد وجدت أن الروائي الصدي منح هذه العتبة اهتماماً كبيراً أظهر فيه براعته في التشكيل الروائي).
أما البحث الموسوم بـ (عتبة الاستهلال في رواية (سبعة عشر غروباً): دراسة في جماليات الفاتحة النصية) للدكتور علي جهاد حمدون الحسيني من المديرية العامة لتربية محافظة نينوى فقد بحث في عتبة الاستهلال التي تعدّ (واحدة من أهم العتبات النصية التي تؤدي دورا بالغ الأهمية في بناء النص الكلي، فهي الفاتحة النصية التي يحاول الكاتب وضع جوهر المقولة النصية في حدود هذه العتبة القادرة على الوصول إلى المتلقي بسهولة، وهي تحمل الأفكار والقيم المركزية التي يقوم عليها النص، وربما تكون الرواية من أكثر الفنون الإبداعية عناية بهذه العتبة وذلك لأن الرواية تنطوي على عناصر تشكيل عديدة، وتحتاج من أجل الوصول إلى المتلقي عتبة استهلالية خاصة؛ تحمل مجموعة من العلامات والإشارات الخاصة بجوهر المقولة السردية فيها، ومن ثم بناء حالة أكثر تمثلا واستيعابا لمجمل الفضاء الروائي).
وقدم الباحث مدخلاً في نظرية العتبات، أعقبه بمبحث إجرائي بعنوان (عتبة الاستهلال: الفاتحة النصية الأساس)، قال فيه بأن الفاتحة النصية تتحرى الوصول إلى ما يصطلح عليه بـ ((براعة الاستهلال)) وقد أتى عليها كثير من النقاد في معرض توصيفهم لأهمية هذه العتبة، حيث تتكون هذه البراعة من البدء بما فيه إلماح إلى المقصود الأوّل والأساسي والجوهري في النص الأدبي، وإبداع نوعي ومميز يجذب الانتباه ويحرك أدوات البحث عن الدلالة والمعنى، ويأسر المتلقي سامعاً أو قارئاً، مع حسن سبك وعذوبة لفظ وصحة معنى، ومن البديع ذكر مجمل الموضوع أو مجمل القصة قبل التفصيل الذي يأتي عادة في تفاصيل المتن النصّي وطبقاته، بكل ما تحمله عتبة الاستهلال من قيمة أسلوبية وتعبيرية قادرة على التأثير في أدوات استقبال المتلقي). وقد انتهى الباحث إلى (إنّ هذه هي الوظيفة الحقيقية لعتبة الاستهلال على الرغم من أنها جاءت في هذه الرواية على شكل فصل كامل من فصولها، لأنه في بعض الأحيان تكون عتبة الاستهلال قصيرة لا تتجاوز أسطراً محدودة، وذلك بحسب طبيعة كل نص وجنسه ونوعه، وبحسب طبيعة عتبة الاستهلال ووظيفتها في تقديم رؤية معينة عن المتن النصي الخاص بها).
واختتم الكتاب أبحاثه ببحث الدكتورة إسراء عبد المنعم فاضل حمودي من معهد الفنون الجميلة للبنين / تربية نينوى وقد جاء تحت عنونان (تمثلات الذّات في الخطاب السرديّ: رواية (سبعة عشر غروباً) لسُليمان الصدّي نموذجاً)، وتصدر البحث المبحث الموسوم بـ (تمثّلات الذات في الرواية، ويسعى إلى تتبّع تجليات الذات بين التماسك والتشظي، ورصد تحولات الهوية في سياق التوتر بين الداخل والخارج، وبين ما يُفصح عنه الخطاب وما يُضمره عبر مجموعة من المقاربات، كان أولها (الذات المتشظية عبر تحليل الانقسام الداخلي للشخصية وحضور القلق والاغتراب). وثانيًا: (الذات الساردة وعلاقة الراوي بالذات وتقنيات السرد (ضمير المتكلم، تيار الوعي). وثالثًا: (الذات والآخر: صورة الآخر في تشكيل الذات والصراع بين الأنا والآخر السردي).
وقد توصلت الباحثة في الختام إلى (أن الذات في الرواية لا تنبني بوصفها جوهرًا ثابتًا أو كيانًا مكتفيًا بذاته، بل تتخلّق ضمن أفقٍ تحويليٍّ مفتوح، تتعاقب فيه لحظات التشظّي وإعادة التشكل، على نحوٍ يعكس قلق الوعي الإنساني وهو يواجه سياقًا متحوّلًا ومضطربًا. ومن ثمّ، تغدو الرواية مجالًا كاشفًا لاهتزاز الإنسان المعاصر، حيث تتشابك الهواجس الوجودية مع ضغوط الواقع الاجتماعي، فتنبثق هويةٌ ملتبسة، مترددة، قابلة للتفكك بقدر قابليتها لإعادة البناء. وتتبدّى القيمة النقدية لهذه الدراسة في قدرتها على النفاذ إلى البنى العميقة للذات السردية، واستجلاء آليات اشتغالها داخل النسيج النصي، بما يتجاوز التصورات الجوهرية المغلقة للهوية. كما تُسهم في إعادة توجيه فعل القراءة نحو إدراك الرواية بوصفها فضاءً دلاليًا رحبًا لتحولات الإنسان، لا مجرد سردٍ للأحداث، الأمر الذي يثري المقاربة النقدية ويمنحها أفقًا أوسع في تمثّل التجربة الإنسانية بوصفها بنيةً ديناميكيةً مركبة ومتغيرة).
إن هذا الكتاب بما حمله من أبحاث قيمة ووجهات نظر مختلفة حول رواية (سبعة عشر غروباً) لسليمان الصدي؛ يعدّ مرجعاً من مراجع دراسة الرواية بشكل عام، بل دراسة السرد لما قدمته هذه الأبحاث من قراءات ومقاربات حديثة على مستوى التنظير والإجراء معاً، وهو يثري المكتبة العربية الحديثة في مجال الدراسات السردية ودراسة الرواية على نحو خاص.
- كلية الآداب/جامعة الموصل
























